د. عبدالله راضي حسين
ذهب جحا في يوم شتائي شباطي قارس البرد إلى مقهى الحارة راغبا باحتساء قدح من الشاي الدافئ
ليعيد توازن حرارة جسمه الذي يرتعش من البرد . تفاجأ جحا عندما رأى جمهور الحارة واقفا خارج المقهى ، ونظر بإستغراب . وإذا بصديقه ( أبو العجب ) يتوجه نحوه ، وقال له : أراك مستغربا من هذا المنظر ؟ أجاب جحا : أخبرني بالله عليك ، هل هو إضراب من قبل رواد المقهى ، أم فعلة نكرة من قبل ” مجلس الحارة ومسانديهم ، أو طغيان صاحب المقهى ؟ ضحك أبو العجب وقال : كلها مجتمعة . نظر له جحا شزرا وقال : لم أفهم ، اشرح لي بالتفصيل . إن لصاحب المقهى سجلات بديون مؤجلة التسديد تجاه أعضاء مجلس الحارة ومسانديهم ، ولم يطالبهم في حينها خوفا منهم رغم تعهدهم بالقسم أن يسددوا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى هنالك بعض الزبائن المتمردين على التسديد . وعليه قرر صاحب المقهى عدم السماح لهؤلاء بدخول المقهى لأنهم قاموا بمجازاة الإحسان بالنكران ، لأنهم ينظرون الى الأمر بمثابة ( الخاوة بالمعنى الشعبي ــ أي أخذ الشيء بالقوة ومن دون وجه حق ) . وعليه ، ظل أغلب الزبائن في حيرة ، وفي ( حيص وبيص ) ، ولا يعلمون مع من يقفوا : مع صاحب المقهى الذي أجل المطالبة وكشف الحسابات أو مع حرامية أعضاء مجلس الحارة ومسانديهم وبعض الزبائن المتمردين؟ . استغرق جحا بالتفكير لدقائق ، وطلب من صديقه أبو العجب أن يحضر له منضدة عالية ويضعها في باب المقهى ليخطب في الناس . سأله أبو العجب : ما الذي تريد فعله من بلاوٍ ومصائب اليوم ؟ ضحك جحا وقال : سأعلم هؤلاء المغتصبين للحق أصول دينهم ودنياهم ، إذ أن أغلب أعضاء مجلس الحارة استساغوا اللعبة واعتبروها ( ضربة حظ ) للسرقة والابتزاز وخصوصا من قبل ممن يتاجر بالدين والإيمان . أسرع ( أبو العجب ) وأحضر المنضدة المطلوبة . طلب جحا من صديقه أن يصعد على المنضدة ويدعو جميع أبناء الحارة للحضور لسماع ما سيقوله وإرشادهم للطريق الصحيح . وبعد فترة تجمع أغلب أبناء الحارة أمام المقهى .
صعد جحا على المنضدة ، وبعد السلام ، قال : سوف أسألكم ببعض كلامات وأريد إجابة صريحة ، ومن ثم سأحكي لكم حكاية تخص وضعكم هذا على ضوء الإجابة :
هل تميزون بين الحق والباطل ؟ أجابوا ” نعم ”
هل تميزون بين الحلال والحرام ؟ أجابوا ” نعم ”
هل تميزون بين الصدق والكذب ؟ أجابوا ” نعم “
هل تميزون بين الشكر والجحود ؟ أجابوا ” نعم ”
هل تميزون بين الوفاء بالعهد وخيانة العهد ؟ أجابوا ” نعم “
هل تميزون بين الحب الحقيقي والحب الزائف . أجابوا ” نعم “
صاح ” جحا ” إذن نحن متفقون كليا ، لذا سأحكي لكم هذه الحكاية التراثية :
” يروى أنه في زمن الجاهلية خرج أخوان مسافرين لطلب الرزق بعد أن شح عليهم العيش في مناطق سكناهم . وفي الطريق ، وعند الظهيرة الحارة ، نزلا تحت ظل شجرة وبجنب صفاة ( صخرة ضخمة ) ليستظلا , وعندما حان وقت الرواح ( المشي ) ، خرجت لهم أفعى كبيرة من تحت الصفاة تحمل دينارا وألقت به لهما . قال الأخوان ” لا بد من كنز هناك ” ، فقررا الإقامة أربعة أيام . واستمرت الأفعى تخرج لهما لمدة ثلاثة أيام وتلقي لهما دينارا . فقال الأخ الأصغر لأخيه لماذا نحن ننتظر هذه الأفعى ، علينا أن نقتلها ونحفر للعثور على الكنز ونأخذه ونهرب الى مدينة سكننا . أجابه أخوه الأكبر ” لعلك تصاب ولا تدرك المال ، ودعنا نكون صادقين مع هذه الأفعى الكريمة التي أمنت جانبنا ” . لكن النصيحة لم تنفع بسبب طمع الأخ الأصغر واستعجاله لكسب المال بسرعة من أجل الهروب الى مقر سكناه حتى لو كان بطريقة لا أخلاقية . في اليوم الرابع أحضر الصغير فأسه منتظرا خروج الأفعى ، وعندما خرجت حاملة الدينار ، ضربها على رأسها ولكنه لم يستطع قتلها ، وهجمت عليه وقتلته ورجعت الى جحرها بسرعة . قام الأخ الكبير بدفن أخيه ، وبقي مقيما أربعة أيام أمام قبر أخيه . خرجت الأفعى معصوبة الرأس ، وليس معها شيء . تقدم الأخ الكبير من الأفعى وقال لها : ” إني ما رضيت والله بما أصابك ، ولقد نهيت أخي فلم ينته ” ، فهل لك أن تجعلي الله بيننا على أن لا تضريني ولا أضرك ، وترجعين إلى ما كنت عليه أولا ؟ أجابت الأفعى ” لا ” . سألها ” ولما لا ؟ ” .
أجابت ” لأني أعلم أن نفسك لا تطيب لي أبدا ما دام هذا القبر قريبا مني ، ونفسي لا تطيب لك أبدا وهذه الشجة في رأسي ” .
وعليه ، أقول لكم إن ما فعلته عصابة مجلس الحارة ومسانديها في هذه المقهى وبأبناء الحارة لا يمكن التساهل معه ، لأنه يعتبر نكرانا للجميل وعليكم طردهم ، وعلى أبناء الحارة أن يتعظوا من الأفعى وطريقة تفكيرها . وبالمناسبة إن هذه الحكاية تذكرني بما رأيته في ” دولة الواق واق المجاورة للعراق ” ، والتي ستقبل على انتخابات جديدة لمجلس نوابها لأربع سنوات قادمة ، وليس لأربعة أيام كقصة الأفعى . إن الشعب هناك مفجوع كفجيعة الأفعى بسبب القتل والحرمان والجوع بعد إكرامهم لـ ( حفاة القوم وجهلته ) من سياسيين وبرلمانيين الذين يتجاهلون الفرز بين الحق والباطل ، والحلال والحرام والعهد والنكث به ، وخصوصا ذوي الجنسيتين ، بدليل تعطيل كل القوانين التي تخص الشعب وفقراءه وأهمها : ميزانية الدولة ، النفط والغاز ، البنى التحتية ، مجلس الخدمة العامة لتوفير الفرص العادلة للتعيين بلا محاصصة حزبية وطائفية وعنصرية . وعليه هنالك تشابه بين حال الأفعى وأبناء حارتنا وشعب ( الواق واق ) في رفضهم لمن نكر الجميل بسبب ( قبر ملايين الدولارات في المصارف الداخلية والخارجية ) من جهة ، و( الشجة في رؤوس الناس ) من قبل بهلواني سياسي آخر زمن . وإذا كانت إحدى دول الجوار لـ ( الواق واق ) بحاجة الى ( سيسي واحد ) ، فإن الـ ( واق واق ) بحاجة الى ( دبل سيسي ) . والعاقل يفهم .









