الفريد سمعان
لا أحد يأخذه تيار الشك والظنون تجاه حقيقة لا تقبل التأويل او التهرب.. والابتعاد عن الصدق او تجاهل الامور الراسخة في الفضاءات المفتوحة او الرابضة على ارض الواقع.. ومن جملة هذه الحقيقة التي لا تساوم او تغالط هي قصة الغاز العراقي. فمن المعروف لدى أبسط انسان ينتقل في شتى ربوع العراق.. او يسير في أي أتجاه ان يجد أنابيب ممتدة كأنها تقصد النجوم.. ويجد في نهاية هذه الانابيب شعلة متوهجة تتراقص في اتجاهات الرياح.. وتتمرد احيانا عليها.. او ترفض الانصياع لرغباتها..
هذا الغاز اصبح اليوم ثروة هائلة تمتد عميقا من بلد الى آخر.. او مجموعة دول تفتقر الى هذه المادة الحيوية التي تشكل ثروة وطنية تمنح الخير وتبني المدن.. وتوفر للاستعمال اليومي في المنازل والمعامل مليارات المليارات من العملات الصعبة.. وتساهم في تحديد مسؤولية دول الجوار وعلاقتها مع بعضها.. وربما تتخذ عتبة الجلوس والتفاهم، او التهديد.. أو اشعار الجانب الآخر الذي يتفاوض على هذه المادة.. بأنه لابد ان يتقبل العلاقة الودية اذا اراد ان يشعر ابناء جلدته بالدفء ومعامله بالعمل والمكائن المتنوعة بالدوران واعمدة الكهرباء بأضفاء هالة من النور تغطي الشوارع.. والساحات مخلفة البهجة بعد ان تطارد جيوش الظلمة في ذروة اعتزازها بما تستطيع ان تفعله وتحققه في كل الميادين وحماية البنى الداخلية من الضياع.
لقد اصبح الغاز ثروة وصناعة وسلعة مدللة.. وجبروتاً يتحدى، ويعطي، ويحدد سياسات لدول متقدمة.. ووسيلة لتثبيت موقف وصناعة عالم متألق.. كما يجري اليوم في اوكرانيا، حيث يمر الغاز الروسي عبر الاف الكيلومترات في انابيب ضخمة ومسافات تتنوع فيها العقبات تصعد الجبال.. وتسترخي تحت امواج البحار والمحيطات، وتعبر القارات.. وتكتم فرصتها في تحديد الموقف السياسي من دول اوربا التي تتغذى صناعتها ومدنها وشوارعها بعطاءات هذا الغاز المسافر من أقصى المسافات الى المطابخ والمعامل، وتتلقى اعمدة الكهرباء وتخلق الفرح والبهجة..
بعد هذا الاستعراض اتساءل.. أين الغاز الذي يغمر مساحات شاسعة من اراضينا من الشمال والجنوب، ونحن نشاهده وبأم اعيننا يحترق ويتوسل وزير الكهرباء بوزارة النفط ان تزوده بالوقود لكي تضيء مدن العراق وتغسل الشوارع والارصفة بالنور.. ولكي تتحرك المراوح وكافة وسائل التبريد وتحمي المواطن العراقي من قسوة الحرارة، ويطفىء اللهيب الذي لا تبخل به الشمس على اراضينا واجسادنا ومشاعرنا.
واذا كان لنا في الماضي عذر بأن هنالك لا مبالاة.. وعدم أهتمام، واستهتاراً بالثروة العراقية، والمواطن.. ترى ما الذي يمنع (الباحثين) عن الاستثمار ولغته الشائعة وفي أتفه القطاعات، لماذا لا نأتي بأكبر الشركات التي تعمل في هذا الميدان حتى لو اعطيناها نصف قيمة الانتاج.. بدلاً من حرقه وتبديد يد اللهيب في الفضاءات الواسعة وتلويث الجو وبالتالي حرمان الوطن من ثروة تحت اقدامه وليست بحاجة الى (عبقريات) خاصة..
ان وزارة النفط،، والسلطة بكل مواقعها مسؤولة عن تحويل هذا الهدر المروع للغاز، ولابد من تحويله الى دولارات، وعملات صعبة وانعاش المواطن العراقي واقتصاده (الكسيح) الذي لا يعنى بالصناعة والمعامل والانتاج الصناعي المتنوع.. انها مسؤولية لابد من اقتحام اسوارها وتحويلها من هدر، وضياع.. الى ثروة وسعادة اذا كانت هنالك شهامة صناعية وحرص على ما يمتلك البلد من ثروات ضائعة..









