الجزء الاول
رحيم الحلي
ابا سرحان هل مازال الدرب طويلا كما تنبأت منذ زمن بعيد ، هل حقاً سنصل الى تلك القنطرة البنفسجية الغافية على نهر الاحزان السرمدي ، ام كانت احلامنا محض سراب رسمته قسوة الايام فكانت مثل زورق ملون يهرب بنا من واقعنا المرير ، اي حاجز كتائبي لئيم استوقفك ايها الشاعر الجميل ، لاشك انك تذكرت الشاعر لوركا حين اوقفته الكتائب الاسبانية السوداء فكلها كتائب ارتدت سواد الليل وكشرت انيابها بوجه الصباح الفيروزي ، وبوجه الغرباء حملوا اعظم الاحقاد ، مالنا هل اصبحنا نحن الغرباء دودة الارض المخيفة ام صرنا شذاذ الافاق ، الم يكن الحسين غريباً في كربلاء اما كان جيفاراً غريباً في جبال بوليفيا ، لم تكن أشراً يا ابا سرحان فلقد رحلت بعيداً تحمل دفاتر اشعارك وجسدك المنهك من سنوات السجن في نقرة السلمان ، لقد ناصرنا وناصرتنا الثورة الفلسطينية وكيف لا يتعاون المظلومون ويتعاضدوا ، اتذكر ان فرقتنا الغنائية التي اسسها الملحن كمال السيد في دمشق اوائل الثمانينيات كانت تتدرب في مقر الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في اليرموك وكنا اخوة حقيقيين وصدق ابو فراس الحمداني الذي ذاق مرارة الغربة في الأسر حين قال:
نسيبكَ منْ ناسبتَ بالودِّ قلبهُ
وجاركَ منْ صافيتهُ لا المصاقبُ
بالامس استمعت الى اغنية شوك الحمام التي كتبتها يا ابا سرحان في اواخر الستينيات ولحنها الملحن المبدع كوكب حمزة وغناها المطرب الدكتور فاضل عواد ، انسكبت الكلمات على قلبي مثل شلال من الاحزان فبكيت ثم بكيت تمنيت ان ابحث عنك في كل ربوع لبنان انبش كل حجارة واسأل كل الاشجار هل تعرف اين تنام ؟ ثم سالت دموعي حين وصلت الاغنية الى المقطع التالي :
خليني حدر الزلف …
ترجيه
أرد أغفه !
حسنج كَمر …
لو شمس …
لو فرحه لو زفه
يلماي وين النبع … ؟
مدفون بالشفه
وشوق الحمام ابهيد …
والونه ترفه
اين غفوت يا ابا سرحان تحت اية ارزة او سندنيانة وضعوك ستنطق كل اشجار لبنان شعراً ستسقيها من روح شعرك عذوبة الكلمات ، شجرات الارز حزينة حين ارادوا اخفاءك تحت جذورها فتشربت منك سحراً وبيانا ًوموسيقاً لابد انك أفقت في احدى الليالي لتغني شوك الحمام فخرج الحمام ليلاً ليستمع الى صوتك الحزين ايها الشهيد الغريب بكت كل الحمامات حين سمعن كلماتك وانت تردد يلماي وين الندى فانت عطشان ايها الشاعر الغريب عطشان الى نبع يسقيك ثم بَقِيتَ تغني قصيدتك الخالدة :
ذبلن وعود العشق بشفافك ..
وماتن
وطيور حبنه ارحلن ..
وي طيفك وتاهن
وكل المهاجر اجه ، وكَلبك بعد ما حن
وشوق الحمام ابهيد ..
والونه ترفه
يلرمشه بستة فرح …
وعيونه تجليبه
يلطوله نايل عشق …
والشعر مدري به
مجتول من صيد أمس
من كثر تعذيبه !
ابا سرحان لقاؤنا حتماً تحت جسر الاحلام فهناك قنطرتنا البعيدة وهناك غفت احلامنا ونامت ، فالليل موحش وطويل وضباع الليل قتلت الفرحة في قلوبنا ، ارجوك لا ترحل ! سنصل اليك سنتسامر طوال الليل ونغني اغنيتك الرائعة
حـــدر التراچي بـــرد والگنطره اِبعيده
أمشي وأگول أوصلت والگنطره اِبعيده
*****
حلمانه برد الصبح رجف خلاخلهه
يا دفو… چمل دفو يا گمر ضويلهه
يا ذهب خيـــــط الشمس
والدغش ماريده
أمشي وأگول أوصلت والگنطره اِبعيده
*****
لا ..لا .. يبـــــرد الصبح
ما تحمل اِچفوفهه
اِزغيره وچواهه العشگ
واِتوسد اِزلوفهه
هيــــــمه وجحيل الوكت
ما لمني نفنوفهه
لوذي اِعله باجي البعـد
يا روحي حدر ايده
أمشي وأگول أوصلت
والگنطره اِبعيده
ولد شاعرنا الغائب أبو ســــــرحان في محافظ البصرة عام 1946 من أبوين عراقيين ينحدران من قضاء الشطرة قرية ( آل جار الله ) رحلا إلى البصرة طلباً للعيش ، قاده ادراكه الفكري المبكر الى الانتماء لحزب الفقراء الحزب الشيوعي ، سُجنَ في سجن نفرة السلمان ولم يبلغ السابعة عشر من عمره النيزكي ، قادت الاحزاب الشيوعية واليسارية حملة لانقاذه باعتباره اصغر سجين سياسي و قاد الفيلسوف جان رســل والقائد الشيوعي الفرنسي جورج مارشيه الحملة العالمية و زارا السجن الذي إمتلأ بالاف السجناء الشيوعيين .
اصدر ديوانه الوحيد حلم وتراب في بداية السبعينيات وكانت نبوءة مبكرة فقد اختلط حلمه مبكراً بتراب الارض فغاب في ارض غريبة دافع عنها ضد الاجتياح الاسرائيلي فوقف الى جانب اخوته الفلسطينيين واللبنانيين الوطنيين يدافع عن حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة تنهي حياة التشرد والغربة ، فاستضافته بيوت الفلسطينيين واللبنانيين الذين تضامنوا مع محنة الشيوعيين والشعب العراقي من الديكتاتورية الصدامية ، اما الكتائبيون فقد تضامنوا مع الديكتاتور ومع الاحتلال الاسرائيلي ، فاستبشروا بقدومه بينما تصدى له المقاومون الشجعان وكانت بينهم ثلة من العراقيين الاحرار ذهب منهم عدد من الشهداء سقت دماؤهم ارض لبنان تضامناً مع اخوتنا الفلسطينيين ، اما ذياب كزار فقد استوقفه حاجز كتائبي ليغيب هذا القمر اليساري العراقي وليسقي ارض لبنان شعره وكلماته الساحرة .
كان من الكتاب الاوائل الذين عملوا في جريدة طريق الشعب عند صدورها عام 1973 مع نخبة من الكتاب البارزين كشمران الياسري ابو كاطع ورشدي العامل والفريد سمعان وسعدي يوسف .
كما شارك أبو ســرحان في المجموعة الشعرية الخالدة ( أغاني .. للوطن .. والناس ) والتي صدرت عــن دار الرواد في 31 /آذار / 1974 بمناسبة العيد الأربعين للحزب الشيوعي العراقي مع مجموعـة من الشعراء الشيوعيين وأصدقـــائهم منهـم الشاعــر المبـدع عريــان سيــــد خلف والشاعرالراحل كاظم ألركابي والشاعر عبد الأمير العضاض والشاعررحيم ألغالبي ، فاضل السعيدي وعبد الله الرجب والشاعر إسماعيل محمد إسماعيل وكامل ألركابي من الناصرية ، إضافة إلى الشعراء شاكر السـماوي وكريم العراقي ، كاظم غيلان ، ريسان الخزعلي والشاعر الشهيد فالح الطائي وأبـو وليـــد ، الشاعر الشهيد أبو سميح والراحل كاظم الرويعي ، وعبد السادة العلي وفالح حسون الدراجي ورياض النعماني وغيرهم .









