ساهم في هذه المجموعة القصصية «المكحلة وطائر الرفراف وقصص أخرى» كلٌّ من مريم الريامية، وأسماء عيدوس، وفاطمة الزعابية، وذهلاء العنقودية، وجميلة الهنائية، وأمّنت الرسومات والألواح التشكيلية كلٌّ من مريم الحسنية، وشيماء العلوية، وعذاري الشيذانية، وحوراء الحجرية، وعايدة الخيّارية، متقاطعةً مع التراث المادي واللامادي لسلطنة عُمان، ومبرزةً إياه عبر قصص موجّهة للطفل. وقد أُلحِق بكل قصة معجم للتراث العُماني، لتكون القصة فكرة موجّهة لتثمين التراث والإرث الحضاري الذي حافظ عليه الأجداد وتوارثوه، ليُحفظ الآن في المتاحف ومراكز البحث لاستثماره، وفك رموزه، والوقوف على ثروته اللغوية والاجتماعية، أو عبر مهرجانات وأعياد تعكس ارتباطنا الشعبي والوجداني بهذا المشترك بين الأجيال.
إن هذه القصص، إلى جانب إحيائها التراث وتوظيفه، نراها تقدم جمالية في السرد، ورسائل أخلاقية وتربوية، ودروسًا في الفهم والتوجيه، مثل البطل الخارق، إذ اعتبرته الساردة شخصية غير حقيقية في قصة «أبطال خارقون». أما في قصة «حمدون والعملاق سعدون»، فقد قالت الساردة: «العملاق لا يسكن إلا في الخرافات والأساطير»، وأن نشجع الأطفال والنساء كي يتحولوا بدورهم إلى عمالقة بعد التوجيه، كما في مثال الجدة، حتى تغيّرت لديه المفاهيم والتصورات: «ومن يومها لم يعد حمدون يبحث عن العملاق الخارق الذي يحقق الأمنيات، بل قرر أن يكون هو العملاق الذي يرتقي بصنعة الآباء حتى يصل إلى جميع الأنحاء».
والعمالقة والأبطال الخارقون اخترقوا خيال الطفل وعالمه بعد أن قرأ الأطفال قصص علاء الدين والمصباح السحري، وقصص الخواتم السحرية، والأفلام الكرتونية التي قدمت البطل الخارق، كسوبرمان وغيره. ومرّت القصص مرور الواعي المتفطن لإشكال الكتاب والمطالعة وتراجع نسبة القراء، من الأطفال وغيرهم، إذ قالت «المكحلة»: «نعم، الكتاب الثقافي الذي لا يفتحه أحد»، وكانت المجالس النسائية تقليدًا أسريًا، وكذلك عالم التخييم وأجواؤه الرائعة.
أما عن التراث وضرورة المصالحة والتصالح معه، فقد أبرز الكتاب العديد من هذه الثروات في قالب قصصي طريف وشيق، ثم عن طريق التنقيب المباشر عبر ركن قارّ في آخر كل قصة تحت عنوان «معجم التراث العُماني». وقدّم المعجم الأول «صناعة الخواتم في سلطنة عُمان» أماكن صنعها، وطريقة صنعها، والآلات المصاحبة لورشة العمل في هذا الحقل، كالمطرقة الصغيرة والأدوات البسيطة، وأماكن تواجدها في المتاحف أو في أماكن بيعها، كسوق الفضيات في مدينة نزوى أو سوق مطرح. وتختلف الخواتم حسب الجنس، وحسب الشكل، ولون الفص، أي الخَرَزة التي توضع فوق الخاتم.
أما المعجم الثاني، فقد تحدث بكمٍّ معلوماتي ومعرفي عن الثروات الطبيعية، ومنها الطيور المهاجرة، كطائر الرفراف الذي يقضي فترة الشتاء في سلطنة عُمان، ويحمي المزروعات من الحشرات الضارة، في تفاعل بيئي متواصل؛ فلكل حيوان منافع، ويمثل حلقة مهمة من حلقات السلسلة الغذائية أو الطبيعية.
وهذه المكحلة التي يوضع فيها الكحل الأسود بعد تحويل حجره، الذي يُستورد من مدينة عدن، إذ يُدق حتى يصبح ناعمًا، وتُضاف إليه بعض الزهور البيضاء وبعض الماء حتى يصبح أسود.
والمعجم الثالث قدّم للقراء، بعد القصص الهادفة، الأغاني والألعاب الشعبية، بوصفها جزءًا مهمًا من التراث اللامادي الذي وجب التعريف به والمحافظة عليه، مثل الأهازيج التي هي «جزء من فنون تراثنا، بلادنا الشعبية، ورثناها عن أجدادنا وجداتنا، نغنيها ونكررها حتى تبقى مع أولادنا وأحفادنا»، كما كُتب في المعجم المصاحب للقصة. وتتعدد الألعاب الشعبية من مدينة لأخرى، وتختص كل لعبة بجمهورها الذكوري أو الأنثوي.
أما المعجم الرابع، فجاء تحت عنوان «الجبل الأخضر»، بوصفه ثروة طبيعية وبيئية تميز هذا القطر العربي بعلوه، الذي يصل إلى 3000 متر، وثرواته من صنف الغلال، كاللوز والتين، وشجرة العلعلان. وقال عنه المعجم: «توجد في سفحي شجرة عجيبة معمرة تحب أن تسكن في رؤوس الجبال. إنها شجرة العلعلان، والناس هنا يصنعون منها عصيًا، وكانوا قديمًا يغطون سقف بيوتهم من أخشابها القوية الحنونة»، والكهوف مثل كهف عامر وكهف الضبع.
وآخر المعاجم يذكّر بالشخصيات المسجلة في اليونسكو، وهي خليل بن أحمد الفراهيدي، والطبيب راشد بن عميرة، وعبد الله بن حميد السالمي، وأبو محمد الأسدي، وناصر بن سالم الرواجي، وآخرهم أحمد بن ماجد السعدي، الذين قدموا وأضافوا الكثير للعلوم والمعارف؛ فالفراهيدي في البيان واللغة، وآخر في الطب، وثالث صاحب عدة مؤلفات، وغيرهم في عالم البحار والشعر والصحافة.
جاءت هذه المجموعة القصصية غنيةً ثريةً بمعاجمها التراثية التي ساهمت في إبراز الإرث الخاص والنوعي لهذا القطر، مع أفكار نيرة صاحبت السرد، وصاحبتها عدة رسائل ودروس يحتاجها الطفل اليوم ليرتبط بماضيه العريق، الأمر الذي سيساهم في تجذيره والإبقاء على هذا الرباط المقدس.









