أود أن أبدأ بالإشارة إلى أن قراءة تجربة الروائية نادية الأبرو في أعمالها الروائية تكشف عن اهتمام واضح بتجديد أساليب السرد، وعدم الاكتفاء بالتتابع الزمني التقليدي للأحداث. فقد استعانت الكاتبة بالتداعي السردي في ظل التشظي لتجاوز الانتقالات السريعة وكسر الترتيب الخطي والاقتراب من مناطق الوعي والذاكرة لدى الشخصيات.
وعلى الرغم من تعدد أساليب السرد وتباين وجهات النظر في الأحداث والشخصيات فإن الرواية تحتفظ برؤية مركزية تجمع عناصرها. أما اللغة فعلى الرغم من سحرها فإنها تميل أحياناً إلى التهكم المقصود، الذي لا يستهدف الإضحاك بقدر ما يكشف فداحة الواقع وقسوته.
كذلك تتجنب الروائية الحشو والاستطراد والوصف الزائد، معتمدة على التكثيف اللغوي، والانطلاق من منطقة تسبق الكلام، حيث الذكريات والأحلام والهواجس، قبل أن تتجسد في حوار مقتضب .
سأتناول في هذه الورقة تحليلا وفق المنهج التفكيكي مقطعين سرديين من الرواية.
*المقطع الاول :الابنة
“أغلقت غرفته على جميع متعلقاتها. لم أحرك شيئاً من مكانه بعد أن جالت عيناي على أرجائها. هواء راكد ثقيل يبعث على القشعريرة، وصور مصلوبة على جدران رطبة كحكم أبدي، أبي واقف ببزته العسكرية الأنيقة وعلى كتفيه يرقد النسر وتلمع النجوم، إلى جانب أمي الجالسة بخجل على كنبة تجر طرف فستانها، الذي ارتفع ذيله وقربها أنا وماهر نرمق عدسة الكاميرا برهبة وصمت كما أمرنا والدنا، متجاهلين طلب المصور في سبغ ابتسامة على وجوهنا المتكلفة من شأنها أن تضفي الألفة على صورتنا العائلية الوحيدة.”
في هذا المقطع نجد أنفسنا أمام نموذج يكشف عن قدرة السرد على إنتاج المعنى من خلال التفاصيل الصغيرة، والمفارقات، وما يقال وما يُترك كي يستنتجه القارئ.
التحليل
يبدأ المشهد بإغلاق الغرفة على متعلقات صاحبها، لكنها لا تغلقها على الأشياء وحدها، بل تفتح أمامنا بابًا إلى الذاكرة، فالهواء الراكد، والجدران الرطبة، والصور المعلقة، ليست فقط عناصر لوصف المكان، وإنما تهيئ مناخًا نفسيًا يشي بالثقل والاختناق. وتأتي عبارة «صور مصلوبة على جدران رطبة كحكم أبدي» لتمنح الصورة العائلية بعدًا يتجاوز وظيفتها التذكارية، فالصورة تبدو أقرب إلى حكم لا يمكن الفكاك منه، وكأن الشخصيات محكومة بالبقاء داخل لحظة جامدة من ماضيها.
وتتجلى المفارقة في صورة الأب ببزته العسكرية الأنيقة، والنسر الذي يستقر على كتفيه، والنجوم التي تلمع، مقابل أم تجلس بخجل، وأطفال يحدقون في عدسة الكاميرا برهبة وصمت. نحن أمام صورة عائلية يُفترض أن توثق الألفة، لكنها تكشف، على العكس، عن غياب العفوية والحميمية. حتى ابتسامة الأطفال تأتي استجابة لأمر المصور، لا تعبيرًا عن شعور حقيقي.
هنا تنجح الروائية في تحويل الصورة الفوتوغرافية إلى علامة سردية، فالصورة التي يُفترض أن تحفظ ذكرى الأسرة تكشف عن اختلال العلاقة داخلها. إنها ألفة مصطنعة، أو سعادة يجري إخراجها أمام الكاميرا، بينما تختبئ خلفها رهبة وصمت وذاكرة مثقلة، وهذا ما يجعل عنوان الرواية «كذبتنا الشهية» قابلًا للقراءة بوصفه إشارة إلى الأكاذيب التي نشارك في صناعتها، وربما نرغب في تصديقها لأنها تمنحنا صورة…
الجزء الثاني من الورقة النقدية لجلسة الروائية «نادية الأبرو» عن روايتها «كذبتنا الشهية»
المقطع الثاني: الابن ماهر (السارد)
«نافثًا حسرة عن صدره، وهو يتأملها لامعة صلدة بانحناءات حادة، وملمس ناعم يثير الحذر والخشية، ناهيك عن أخمصها الأبنوسي الداكن اللون، والمضاد للشيخوخة. لا أدري ماذا دهاني حتى أقبل بتلك الوظيفة؟ وكيف ورطت نفسي في اقتنائك؟! وأنا الذي خدمت في الجيش كمساعد طاهٍ في الخطوط الخلفية، لم أقرب الساتر، ولا جبهات القتال بقرار صادر عن مجلس قيادة الثورة بصفتي المعيل الوحيد الباقي لأهلي…»
التحليل
إننا أمام وصف يجمع بين جاذبية الشكل وخطورة الوظيفة. فالبندقية «لامعة» و«ناعمة الملمس»، لكن صلابتها وانحناءاتها الحادة تثيران الحذر والخشية. هذا التضاد ليس جماليًا فحسب، بل يمهد للتناقض الداخلي الذي تعيشه الشخصية: انجذاب إلى الشيء الذي تمتلكه، يقابله نفور من المعنى الذي يمثله.
يقول السارد: «لا أدري ماذا دهاني حتى أقبل بتلك الوظيفة؟ وكيف ورطت نفسي في اقتنائك؟!»
هنا ينتقل السرد من الوصف الخارجي إلى التفكير الداخلي المباشر. ويكشف السؤال الأول عن الحيرة، بينما يحمل السؤال الثاني نبرة اتهام الذات. فالفعل «ورطت» لا يصف مجرد امتلاك البندقية، بل يصور هذا الامتلاك بوصفه مأزقًا لم تدرك الشخصية عواقبه إلا بعد وقوعها فيه.
واللافت أن الشخصية تخاطب البندقية بضمير المخاطب: «اقتـنائك»، وكأنها تحاول نقل المسؤولية من ذاتها إلى الشيء الذي صار جزءًا من محنتها. فالبندقية هنا ليست مستمعة صامتة فحسب، بل تصبح مرآة تستعيد الشخصية أمامها اختياراتها وتناقضاتها.
«أنا الذي خدمت في الجيش كمساعد طاهٍ…»
هذا الاسترجاع ليس تفصيلًا عابرًا في السيرة، بل هو وسيلة لتفسير الأزمة الراهنة. فالشخصية التي أدت خدمة عسكرية بعيدة عن المواجهة المباشرة تجد نفسها الآن أمام بندقية، وكأنها تواجه احتمالًا جديدًا يناقض صورتها السابقة عن نفسها.
إن عبارة «لم أقرب الساتر» تؤكد المسافة التي كانت تفصله عن الخطر، فيما تكشف المقارنة الضمنية بين الماضي والحاضر عن اضطراب الهوية: كيف انتقل شخص لم يقترب من جبهات القتال إلى وضع يجد فيه نفسه مالكًا لسلاح يثير داخله الخشية؟
وهكذا، لا تتحرك الذاكرة إلى الوراء لمجرد استعادة حدث، بل تعود كي تفسر الحاضر وتكشف الفجوة بين ما كانت عليه الشخصية وما أصبحت عليه.
يتوقف الوصف عند «أخمصها الأبنوسي الداكن اللون، والمضاد للشيخوخة». وتمنح هذه العبارة البندقية ملمحًا خاصًا، فاللون الداكن يوحي بالثقل والصلابة، بينما تبدو عبارة «المضاد للشيخوخة» مثيرة للتأويل.
فإذا كان المقصود أن الأخمص يحتفظ بمظهره رغم الزمن، فإن العبارة تمنح السلاح نوعًا من الاستمرار الذي يتعارض مع هشاشة الإنسان وقلقه. فالبندقية تحتفظ بصلابتها، بينما تتغير الشخصية وتتردد وتندم. ومن هنا يمكن قراءة الوصف بوصفه مقابلة بين ثبات الأداة واضطراب صاحبها.
وفي المقطعين معًا، نلاحظ أن الروائية لا تلجأ إلى الشرح المباشر بقدر ما تترك الأشياء تتكلم: صورة عائلية، وغرفة مغلقة، وسلاح صلب، وذاكرة تستعيد قرارًا قديمًا. ومن خلال هذه التفاصيل، يتشكل المعنى من دون حاجة إلى خطاب تفسيري طويل.
وخلاصة القول: إن ما يستحق التوقف عنده في هذين المقطعين هو قدرة السرد على تحويل التفاصيل اليومية إلى علامات نفسية واجتماعية، وعلى بناء المفارقة من داخل المشهد نفسه. فالغرفة ليست مكانًا فقط، والصورة ليست ذكرى بريئة بالضرورة، والبندقية ليست مجرد مقتنى، إنها جميعًا مداخل إلى ذاكرة الشخصيات وتناقضاتها.
ولعل السؤال الذي تتركه الرواية مفتوحًا أمامنا هو: هل نعيش أكاذيبنا لأننا نجهل حقيقتها، أم لأننا نعرفها، لكننا نجد في تصديقها ما يجعل الحياة أكثر احتمالًا؟ عن حياتنا”.









