من الطبيعي في مجتمع مثل مجتمعنا العراقي عاش قرونا في ظل احتلالات أجنبية، ان يعاني من تبعات ومخلفات ثقيلة، تركتها الدول التي احتلته، وأثرت بشكل مباشر في طبائع ناسه وتقاليدهم وأفكارهم، لاسيما وقد رافق هذا إهمال الحكومات مصلحة المواطن في التعليم والتثقيف، والتفاتها الى مصالحها الفئوية فقط. وقد كان من المفترض في القرن الواحد وعشرين، وعلى وجه الخصوص في ظل الانعتاق من زمن القمع والدكتاتورية عام 2003 أن يحصل تغيير جذري في كثير من مفردات الحياة اليومية لدى العراقيين، إذ يتحتم على كثير من العوائل تغيير معتقدات بالية، كانت سائدة في أوساطها بحكم العادات القبلية المتوارثة من ماضي الأيام. إلا أن تقليدا مثل زواج الـ (كصة بكصة) مازال معمولا به في بعض العوائل.
والخوض في هذا الموضوع الشائك، يتطلب معرفة الخلفيات الثقافية والاجتماعية للعوائل التي ترتضي مثل هذه الزيجات لبناتها او أبنائها، وكل هذا سنتعرف عليه بالتفصيل في التحقيق التالي..
هل يعقل ان تتحول المرأة الى سلعة؟
هل يمكن ان تكون المرأة صفقة؟
أي عرف يجيز عقد زواج دون مهر أو مقدم أو مؤخر؟
كيف يُجبَر زوجان متحابان متآلفان منسجمان على الطلاق رغما عنهما؟
كل ماتقدم ممكن حدوثه في نوع من الزيجات يسمى زواج الـ (كصة بكصة). فما الذي يعنيه زواج الـ (كصة بكصة)؟ وما آثاره الاجتماعية؟ ومن هم ضحاياه؟ وهل من سبيل لإقناع المجتمع بنبذه؟
تحقيق ـ حسين عمران
المحامي (قاسم ثامر) التقينا به لتوضيح جوانب هذه الحالة، وقد تناول كل صغيرة وكبيرة عن الموضوع، فأهلا به في رحاب صحيفة الحقيقة..
* ماذا يعني زواج الـ (كصة بكصة)؟
– هو نوع من الزواج يتم على أساس العادات والتقاليد السلبية المنتشرة في مجتمعنا القبلي ونحن في القرن الحادي والعشرين حيث تتبادل عائلتان النساء، وهذا النوع من الزواج معمول به إلى الآن في المدن وليس فقط القرى والأرياف، وخاصة المدن ذات الطابع العشائري مثل الموصل، الأنبار، صلاح الدين، كربلاء، والديوانية، ويحدث هذا الزواج عندما يرغب الشاب بخطبة فتاة ما، فيضطر أحيانا إلى أن يزوج شقيقته لشقيق الفتاة التي يود الارتباط بها، وهذا الزواج إن حقق سعادة لأحد الطرفين فهو يتسبب في تعاسة الآخر! إضافة إلى إن أية مشكلة ستطرأ على حياة أحدهما سيتأثر الطرف الآخر فيضطر الزوجان للانفصال بسبب طلاق أو انفصال الزوجين الآخرين.
وأضاف المحامي قاسم ثامر: يمكن تسمية هذا الزواج أيضا بـ (زواج البدائل) فذلك يساعدنا في أن نشخص الظاهرة أكثر ونضع الحلول لها مستقبلا، ففي أحيان كثيرة يكون زواج البدائل طريقة أسهل من الناحية المادية للزواج بسبب غلاء المهور ربما، حيث يتزوج الرجل دون دفع المهر وخاصة أن المهور أصبحت تتطلب مبالغ كبيرة من المال والتجهيزات، في ظل ارتفاع أسعار الذهب وتزايد طلبات أهل الفتاة، حيث يقوم الأهل بتزويج الفتاة لمن يدفع أكثر وكأنها سوق نخاسة متطورة. وظاهرة الـ (كصة بكصة) إيجابية من الناحية المادية بالنسبة للرجل، فهذا الزواج لا يكلف العريسين حيث يقوم أب كل بنت بتجهيز ابنته للعريس الآخر .
* لكن ألا يمكن ان تكون المرأة هنا ضحية لأخيها الذي يختار شريكة حياته دون ان يفكر بمصلحة أخته؟ ألا يمكن اعتبار هذا الزواج نوعا من المقايضة بين عائلتين والسلعة هنا هي المرأة، حيث تبرم الصفقة والمغلوبة على أمرها ليس لها حق الدفاع عن نفسها؟
* نعم.. هناك الكثير من القوانين العشائرية الجائرة على المرأة وحقها في اختيار الزوج، على الرغم من ان العراق يعد من أوائل الدول التي وقعت على القوانين الدولية التي تخص المرأة وحقوق الإنسان، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المادة 16 التي تنص على: (للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق الزواج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند إحلاله). وكذلك المادة 16 رقم 2 تنص على: (لا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضى كاملا لا إكراه فيه) . لذا يمكن اعتبار زاوج الـ (كصة بكصة) نوعا من الرق ولكن بشكل مبطن للإكراه على الزواج.
ولأجل التعرف اكثر بهذا النوع من الزيجات وآثارها السلبية على المجتمع التقينا بالناشطة في مجال حقوق الإنسان (كوثر وليد) التي قالت: ان زواج الـ (كصة بالكصة) يعد خرقا واضحا للقوانين التي تحمي حقوق المرأة، ومنها حقها في اختيار الشريك وعدم الإكراه على الزواج.. وهذا الخرق ليس محصورا في المناطق الريفية فحسب، بل هناك خرق اكبر يحدث داخل مراكز المدن والعاصمة بغداد، إذ لاتزال المرأة تجبر على الامتثال لقوانين وأعراف العشيرة، لاسيما فيما يتعلق بقضايا الزواج، منها زواج الـ (كصة بكصة) الشائع في الأوساط العشائرية، لذا على الجهات الحكومية ووسائل الإعلام التنبيه إلى مخاطر هذا النوع من الزيجات الذي يستلب وبشكل فاضح حقوق المرأة .
كما كان لنا لقاء مع الدكتور (باهر صادق) أستاذ علم الاجتماع في كلية التربية، الذي سألناه:
* ماذا عن رأي علم الاجتماع بهذا النوع من الزيجات؟
– من الطبيعي ان يشيع هذا النوع من الزيجات في مجتمع يغلب عليه الطابع القبلي، ويسود الجهل والأمية في صفوف نسائه ورجاله على حد سواء، وبشكل واضح جدا في الريف العراقي .وفي رأيي ان النظام القبلي الذي يحكمنا إلى هذا اليوم، هو الذي يشدنا دائما إلى الخلف وذلك عندما تكون أيدولوجياته وأفكاره هي السائدة في المجتمع، فانه من الطبيعي ان تتخلف المرأة ومن بعدها الرجل، وربطت تخلف الرجل بتخلف المرأة لأنها تمثل اكثر من نصف المجتمع كما أنها الركيزة الأولى في بناء الأسرة في أي مجتمع ,فاذا لم ترسل المرأة طفلتها إلى المدرسة لأنها تعد إرسالها إلى المدرسة أمراً غير ضروري، وبالتالي يصبح التعليم بالنسبة للطفلة امرا غير مستساغ. وبالطبع فان المجتمع القبلي الذي مازال يحكمنا ويفرض علينا قوانينه لا يعي انه يخترق القانون العالمي ويخترق الدستور العراقي الذي يسلب حقوق المرأة بهذا الشكل المرعب .
وبعودة الى المحامي قاسم ثامر في محكمة الكرخ قال: تعال أدلك على امرأة تزوجت زواج الـ (كصة بكصة) واصطحبني نحو امرأة كانت تنتظر دورها للدخول إلى القاضي حيث قالت (س- خ) أنا مطلقة وأم لولدين تزوجت قبل عشرين عاما زواج “كصة بكصة” وقتها كانت عائلتي تقطن في احد أرياف مدينة واسط، وكان هذا النوع من الزواج شائعا في مجتمعنا الريفي أي يزوج أحدهم أخته أو ابنته للآخر مقابل الزواج من أخته أو ابنته، ونادراً ما يتم الزواج لديهم بالمهر المتعارف عليه، وأية مشكلة في إحدى العائلتين تنعكس مباشرة على العائلة المقابلة، وطلاق إحدى الزوجتين يعني طلاق الأخرى بالتأكيد. وهذا ما حصل معي إذ انفصلت من زوجي بعد زواج استمر سنتين بعد خلاف نشب بين العائلتين على اثر نزاع حول ارض زراعية، وكانت نتيجة الخلاف طلاق فتاتين .وأضافت: أنا هنا بعد ان رفعت دعوى على زوجي أطالب فيها بحقوقي المادية، حيث يرفض والد أبنائي منحي أية حقوق بعد الانفصال .
ولمعرفة تفاصيل أكثر توجهنا الى محكمة البياع والتقينا مع الباحث اجتماعي السيد (ماهر ثامر) فسألناه:
* ما الذي يقوله القانون حول هذا النوع من الزيجات؟
– ان زواج البدائل هو ليس إلا نتيجة العادات والتقاليد بحكم طابع المجتمع العراقي العشائري، وهذه الظاهرة قليلة وأخذت نسبتها بالانحسار وهي لا تسود إلا في المجتمعات الريفية والقروية أنا شخصيا أرفضها بشدة فحدوث أية مشكلة بين أحد الطرفين سوف يؤثر بالتأكيد سلبا على الطرف الآخر.
أما المعاون القضائي (هاشم محمد جاسم) فيؤكد أن ظاهرة زواج الـ (كصة بكصة) قد انقرضت على حد وصفه وهي نابعة من العادات والتقاليد، وهو يرى أن الزواج المبكر هو الظاهرة السائدة الآن والتي لها الكثير من الجوانب السلبية أبرزها تزايد حالات الطلاق في العراق، وفي الغالب تكون الحالة المادية للشاب سببا في ذلك، ما يدفع الفتاة الى طلب الطلاق بسبب عدم النضوج الكافي والوعي لكلا الطرفين.
وأضاف هاشم: القانون العراقي قانون فيه من نقاط القوة ما يكفي لجعل المرأة قوية، ولا تخضع إذا تعرضت للزواج الإجباري؛ فالمادة التاسعة من قانون الأحوال الشخصية الفقرة الأولى تنص على؛ (لايحق لأي من الأقارب والأغراب إكراه أي شخص على الزواج ويعتبر العقد باطلا ويعاقب من يخالف الفقرة (1) بالحبس مدة لاتزيد على ثلاث سنوات) لكن ما يمنع المرأة من استخدام القانون هو الجهل، كونها لاتملك الوعي والثقافة القانونية الكافية لمعرفة مالها وما عليها.
ويضيف: أن القانون قد كفل للمرأة الحماية اللازمة، إذ إن خوف الفتاة المكرهة على الزواج من أهلها هو من أكثر الأسباب التي تجعلها لا تظهر الرفض أمام القاضي، وعدم إخباره بأمر إجبارها على الزواج، لكنني أرى أنها يجب أن تتحمل النتائج وأن تواجه الأهل بدل أن تعيش حياة مستقبلية تعيسة قد تؤدي بها إلى نتائج لا تحمد عقباها.
وعن رأي رجال الدين بهذا النوع من الزيجات التقينا الشيخ (حسن هاشم) إمام وخطيب جامع المراد الذي قال: إن كلمة الشغار أصلها الخلو.. فيقال بلدة شاغرة إذا خلت من السلطان، والمراد بها في مثل هذا الزواج هو الخلو من المهر. ويضيف: إن الإسلام نهى عن هذا الزواج، وفق الحديث النبوي: “لا شغار في الإسلام”، وقد اختلف العلماء في سبب النهي عنه، فقيل هو التعليق والتوفيق، كأن يقول لا ينعقد زواج ابنتي حتى ينعقد زواج ابنتك. ويستطرد قائلا: فالشغار إذن لا يتناسب إطلاقا مع مجتمعاتنا العصرية التي أنيرت بنور الإسلام واهتدت بهدايته، فلا يمكن أن يقبل مجتمع حقيقي بان تتحول الزوجة إلى سلعة أو صفقة تجارية قابلة للتداول بين المتضاربين. ويتابع الشيخ حسن: لذا يتوجب على الواعين والمعنيين بهذا الأمر عدم القبول بزواج الـ (كصة بكصة)، ولنعلم أن شرع الإسلام جاء ليقضي على الكثير من عادات الجاهلية.
* ما الحل لمنع هذا الزواج أو على الأقل التقليل منه؟
– ان أفضل الحلول هو التوعية ونشر التعليم، ونشر الثقافة الإسلامية الصحيحة التي تحارب مثل هذه الظواهر، وتحفظ لكل ذي حق حقه سواء أذكرا كان أم أنثى! وتتم التوعية من خلال مجموعة آليات تشمل؛ ورش العمل للخطباء والدعاة والوعاظ ولعامة الناس، وعقد المؤتمرات، وتمويل البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تصب في هذا الاتجاه، وتوفير حوافز مالية، وغيرها من الآليات التي تحتاج إلى مؤسسة تمتلك تمويلا ضخما، ولا يوجد في العراق مؤسسة تملك مثل هذه المؤهلات مثل (ديواني الوقفين) فالديوانان يملكان ميزانيات فلكية تصل إلى المليارات، هي عبارة عن عائدات الأوقاف، والمؤسسات الدينية، ولهذه الأوقاف مصارف محددة فهي لا تصب في ميزانية الدولة.
وأخيرا.. نقول: مهما اختلفت تسمية هذا النوع من الزواج سواء أكان تحت عنوان الـ (كصة بكصة) أو (زواج الشغار) أو (زواج البدائل) فانه يعني الزواج بالإكراه، ولابد من إيقافه أو التقليل منه، وذلك لن يتحقق إلا بالتوعية من قبل رجال الدين ورجال القانون والمجتمع.





_1617644865.jpg)



