ج/2
الحلقة/ 5
(فقدان الأمان المجتمعي) فاروق عبد الجبار البصري
مقدمة:
ي لقائي اليتيم والوحيد مع فقيهنا الاجتماعي الدكتور علي الوردي، نصحني بأمرين إذا ما أردت الاهتمام بالكتابة في الشأن الاجتماعي، الأول أن أنزل إلى الشارع وأترك النظريات على الرفوف، والثاني أن أبتعد عن اللغة البلاغية والأكاديمية، وأكتب بلغة مبسطة تصل إلى الجمهور على اختلاف طبقاتهم الذهنية ومستوياتهم التعليمية، مدعومة بوقائع وشواهد من واقع حياتنا. (1)
لذلك نحن مضطرون في كل حلقاتنا أن ندعم استعراضنا لأزمات العراق بوقائع وأمثلة وحكايات من واقع حياتنا، فهذه الأمثلة والحكايات ضرورية جدا، ليس من باب دعم حججنا وحسب، بل ولأغراض التوثيق أيضا، لأن الذاكرة الجمعية العراقية، للأسف الشديد، قد استبدلت تماما، وحلت مكانها قصص ملفقة وادعاءات كاذبة وتواريخ مزيفة، نجح فيها إخوتنا البعثيون الأشاوس إلى حد كبير في ترسيخها في أذهان الأجيال المعاصرة، وهذه ظاهرة خطيرة لا أظن أن مجتمعا آخر قد تعرض لها بهذا الحجم، حتى أصبح جل العراقيين على قناعة تامة بأن بلدهم كان مزهوا ومتطورا خلال سنوات جمهورية صدام، وأن كل كوارث العراق قد بدأت بعد العام 2003، وهذه أخس جريمة ارتكبت بحق تاريخنا.
أوضحت ذلك في هذه المقدمة، لأني دهشت كثيرا من بعض الأساتذة القراء ممن أشادوا بما أسجله من توثيق، عندما أكدوا لي واعترفوا أنهم أنفسهم قد نسوا تماما هذه الحقائق التي عاشوها سابقا، فكيف بالذين لم يعاصروا تلك الجمهورية، ويجهلون تماما كيف عاش آباؤهم وأجدادهم سنوات الفقر والجوع والتخلف والرعب والملاحقات والاعتقالات والتعذيب والتهجير، وكيف تنازلوا عن حريتهم وكرامتهم؟
كيف كان الأمن والأمان في جمهورية صدام؟
الإنسان صناعة، وحاله في ذلك حال أي منتج صناعي، تتوقف جودته، بعد المواد الأولية، على متانة وجودة ورصانة ونظافة الماكنة التي تنتجه.
والدولة، من منظورنا، هي هذه الماكنة، فهي العنصر الأساس والمهم والمؤثر في هذه الصناعة، من خلال مؤسساتها التعليمية والتثقيفية، وأبواقها الموجهة، وفي مقدمتها الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، إضافة إلى الإصدارات والمؤلفات، وهذه جميعها تشترك في عمليات غسل العقول والعواطف والعقائد.
واحدة من نتائج عمليات الغسل هذه، وجدنا أن العراقيين ما زالوا يتغزلون بعقد السبعينيات، دون أن يتنبه أحد إلى أن شباب ورجال ذلك العقد كانت قد أنتجتهم ماكنات الحكومات التي سبقت جمهورية قطاع الطرق بعد العام 1968، فقد كان شباب ورجال ذلك العقد، الذين تشكل رشدهم ووعيهم وثقافتهم الفاعلة والمؤثرة في الحياة العراقية، وكانت الثقافة زادهم قبل أي زاد، فازدانت سنوات السبعينيات بهم، بتمدنهم وطباعهم وأفكارهم وثقافتهم وآدابهم وفنونهم، قبل أن يغرق العراق بالأجيال التي أنتجتها ماكنات صدام، التي كانت سمتها الرعب والخوف ومصادرة الحريات، والسعي لخلق الإنسان ذي البعد الواحد، وخلق آليات وظروف أبعدته تماما عن عالم الفكر والثقافة، وقبلها جميعا عن المبادئ الإنسانية.
لذلك ليس غريبا أن تنكفئ القيم والأخلاق والطباع والسلوك الفردي والمجتمعي، وبدأنا نشهد أجيالا غالبية أبنائها لا يشبهون من سبقتهم، بل أصبح هناك جنوح نحو الانحراف والتشوه الذهني.
أمثلة ودلائل:
في الفقرات التالية، نستعرض بعضا من الأمثلة والشواهد التي وعدناكم بذكرها في نهاية الجزء الأول من هذه الحلقة، وربما قد تصدم الكثير من أبناء جيلي، فما بالكم بأولئك الذين تشكل وعيهم بعد العام 2003، هؤلاء الذين ينامون اليوم، وبحسن نية وطيبة قلب، على وسادة من الأكاذيب والتلفيقات التي تلقوها، إما من مرتزقة جمهورية صدام، أو من المعاصرين لتلك الحقبة لكنهم أصيبوا بداء الوهم والنسيان، أو من الذين لهم دوافع طائفية وليس من مصلحتهم فضح وكشف واقع الحياة خلال سنوات النظام السابق، ليس حبا بصدام، بل نكاية بالنظام الذي جاء بعده.
سنتحدث عن وقائع كانت تحصل في قلب العاصمة بغداد في سنوات الثمانينيات، وليس في أقضية وقرى قصية.
ففي ساعات الليل المتأخرة، كانت هناك مناطق وشوارع من الصعب المرور بها، فعلى سبيل المثال، لم يكن هناك من يجرؤ على النزول إلى نفق التحرير، أو قطع شارع الرشيد أو الجمهورية أو الكفاح سيرا على الأقدام، أو الدخول في متاهات الأزقة المتفرعة منها، فأنت لا تعرف من أي زقاق سيهجم عليك مجرم شاهر سكينه ويأمرك بتسليم ما تملك من مال.
ذات مساء من العام 1985، كنت في إحدى مقاهي الصالحية القريبة من جسر الأحرار، وعند الساعة الثامنة، ونحن هنا في أولى ساعات الليل، استأذنت من أصدقائي وتركت المكان، وفضلت السير على الأقدام للوصول إلى شقتي قرب شارع الخيام، وبعد عبوري للجسر، انحرفت يمينا داخل شارع الرشيد، وإذا بي أسمع صراخ أحدهم من داخل الزقاق الأول، وهو يستنجد لعل أحدا يسمعه، كان الزقاق مظلما، وبعد قطعي أمتارا قليلة داخله، وجدت أحدهم يمسك بخناق شاب يافع، فتدخلت بدافع إنساني علّي أفض النزاع بينهما، وفي اللحظة التي قلت فيها: خير، أخوان، ما بكم؟ إذا بشخص آخر لم أميز وجوده في الظلام يطعنني بسكين في ساعدي الأيسر، وهو يقول: ارجع، لا تتدخل.
انسحبت والدماء تنزف من ذراعي، وهرولت إلى محل عصائر في الركن المقابل لأورزدي باك، وكان على وشك الإغلاق، فتوجهت إلى الهاتف وطلبت شرطة النجدة، وعندما وصلت الشرطة وتوجهنا إلى الزقاق المقصود، وجدنا الشاب اليافع وحده، وقد تعرض للسلب وتركوه شبه عار، بعد سرقة ملابسه وساعته ومحفظة نقوده، إضافة إلى كاميرا صغيرة كان يحملها معه، بحسب إفادته للشرطة، وتبين أنه طالب جامعي من أهالي السماوة اسمه محمد سكون المالكي، يسكن أحد الأقسام الداخلية لجامعته.
وفي مساء آخر من العام نفسه، تعطل هاتف شقتي وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلا، وكنت أنتظر مكالمة مهمة من شريكي في العمل، ولم يكن أمامي سوى التوجه إلى الهواتف العمومية في نفق التحرير، وبما أني ملم تماما بما يحدث في العالم السفلي خلال ليل بغداد في تلك الأيام، قررت أن أطرق باب جاري، وكان ضابطا في الحرس الجمهوري، لكي يرافقني وهو يحمل مسدسه.
وبإمكانكم أن تتصوروا من خلال هاتين الحكايتين شكل الوضع الأمني في العراق، فإذا كانت الحادثتان في قلب بغداد، فما بالكم بالمحافظات والأقضية والنواحي.
أتمنى أن تصل هذه الصورة إلى أذهان من يطبلون للزمن الجميل وللأمان الذي كان في جمهورية صدام.
والسؤال الذي اعتدت توجيهه إلى أبناء جيلي حصرا منذ أكثر من عقدين:
هل جرب أحدهم المرور من هناك في تلك الليالي الموحشة أيام حرب الثمانينيات وما تلاها، ليستطلع ويعرف ما كان يحدث في قاع بغداد؟ أم كنتم تكتفون فقط بالبقاء في بيوتكم أو السهر في أحد الأماكن والعودة بسيارة أجرة، أي كما يقول أهلنا: من الباب إلى الباب، دون أن تدركوا شكل حالة الأمان في تلك الأيام؟
لو أن أحد الباحثين المتخصصين تطوع اليوم لإجراء مسح ودراسة تقصٍ عن حجم الجرائم ابتداء من الثمانينيات وحتى العام 2003، وبحث في سجلات وزارتي الداخلية والعدل عن الأرقام الإحصائية لها، لصدم بالنتائج التي سيحصل عليها. ونعيد للمرة الثانية تصريح وزير الداخلية وطبان الحسن، الأخ غير الشقيق لصدام، من على شاشة التلفزيون: أن نسبة الجرائم في العراق وصلت إلى جريمة كل عشرين دقيقة.
ولدينا هنا ملاحظة مهمة، فقد وجدنا بعد العام 2003 أن كل البرامج التلفزيونية التي تخصصت بفضح النظام السابق، وكل الوثائق والفيديوهات التي ينشرها المدونون، اقتصرت فقط على وحشية وجرائم ذلك النظام، ولم نجد من تابع التحولات الاجتماعية في العراق خلال الحقبة من 1968 لغاية 2003، ولا من وثق إحصائيا لحجم الجنايات والجنح والانحرافات الأخرى التي تكشف عن انهيار القيم الإنسانية والأخلاقية والأمان المجتمعي.
أمثلة أخرى على فقدان الأمان في جمهورية صدام:
من قصص الجرائم الخطيرة الصادمة التي تقشعر لها الأبدان وتدمي القلوب، والدخيلة تماما على مجتمعنا، سنختار واحدة فقط، مع التأكيد أن بطلها من إنتاج جمهورية صدام، فالمجرم من مواليد 1969، ما يعني أنه نشأ وتربى وتلقى تعليمه وبنيت شخصيته خلال حقبة تلك الجمهورية.
واحدة من الضوابط المعتمدة في وزارة التربية منذ بدء التعليم في الدولة العراقية الحديثة بعد العام 1921، أن يخدم المعلم الملتحق توا بالوظيفة سنتين في الأقضية والنواحي والأرياف قبل أن يختار المدرسة القريبة من سكناه، ويشمل ذلك وزارات ومؤسسات أخرى.
وطوال عمر الدولة التي سبقت جمهورية صدام بأكثر من ستين عاما، لم تسجل إطلاقا في السجل الجنائي العراقي جريمة اعتداء واحدة تعرضت لها معلمة من تلك المعلمات اللواتي تم تعيينهن في الأرياف وفق تلك الضوابط، برغم أن طرق أطراف المدن خلال تلك السنوات الستين كانت شبه خالية، بناء على قلة نفوس العراق، لكنها وقعت فقط في سنوات جمهورية صدام.
ففي التسعينيات، كانت إحدى المعلمات الشابات تقطع المسافة ما بين الشارع العام ومدرستها سيرا على الأقدام عبر إحدى المزارع في اليوسفية، فتعرض لها أحد أبناء القرية وذبحها بعد أن فرغ من اغتصابها.
نحن لا يعنينا بقية الحكاية التي تم فيها القبض على الجاني وشنقه في مكان الجريمة، بقدر ما يعنينا السؤال:
لماذا لم تحدث مثل هذه الجرائم في كل العهود التي سبقت جمهورية صدام، برغم ضعف الأجهزة الأمنية آنذاك وقلة مراكزها وقلة عناصرها؟
أما المعلومة الصادمة الأخرى التي نسوقها إليكم، والتي قد يصعب تصديقها، فقد كانت تحدث في تسعينيات القرن الماضي، وأيضا لأول مرة في تاريخ العراق.
فمن يصدق أن عددا كبيرا من عناصر مديرية مكافحة الإجرام كانوا يعقدون صفقات مع المجرمين المبلغ عنهم أو المشكو منهم؟ فإذا ما قام أحد المواطنين بالإبلاغ عن مجرم أو سارق وتم القبض عليه نهارا، كانوا يساومونه ويخيرونه بين الاعتقال أو دفع المال. وقد أخبرني أكثر من عنصر منهم أنهم غير مستعدين للمجازفة بأرواحهم عند تكليفهم بواجب القبض على أحد المجرمين ليلا، فأغلب هؤلاء كانوا خطرين، وخصوصا من أرباب السوابق، وسيواجهون بالسلاح القوة المكلفة بإلقاء القبض عليهم.
ونعود لإخوتنا البعثيين ونسألهم قبل غيرهم:
هل نسوا الإعلانات اليومية التي كان يتضمنها شريط الأخبار في تلفزيون الشباب طوال سنواته؟
كانت العبارات المكررة ليليا: سرقت السيارة المرقمة كذا، ومن يعثر عليها الاتصال بالرقم كذا، وله مكافأة مجزية.
كان السراق يعمدون إلى نقل السيارة المسروقة إلى أطراف بغداد، ويتركونها هناك بعد سرقة عجلاتها والكثير من أجهزتها وأدواتها، وكانت مزارع هور رجب الواقعة جنوبي بغداد من أشهر تلك الأماكن في جانب الكرخ، وكانت من ضمن المناطق التابعة لمركز شرطة بلاط الشهداء، الذي كان يقوم صباح كل يوم بتفتيش المزارع، وإذا ما تم العثور على واحدة منها، يتم إبلاغ صاحبها ليستلمها شبه هيكل.
عندما سألت يومها النقيب صباح نجم القيسي، ضابط شرطة هذا المركز: لماذا لا تنصبون كمائن للسراق، ما داموا قد اختاروا هذه المنطقة لتفصيخ السيارات المسروقة كل ليلة تقريبا؟
أجابني نصاً: لا أحد من عناصرنا مستعد للمجازفة بحياته ومواجهة هؤلاء السراق وسط الظلام الدامس الذي يلف المزارع، فهم مجرمون خطرون، لا يتورعون عن إطلاق النار بمجرد الاقتراب منهم.
ظهيرة أحد أيام تسعينيات القحط، أوقفنا سيارة أجرة، أنا وصديقي جعفر كريم الشمري، الكتبي المعروف في شارع المتنبي، وفوجئنا أن السيارة من الداخل شبه هيكل إلا من المقاعد. وعندما سألناه ما الذي جعل سيارتك هكذا، قص علينا حكايته التي تنتهي بفصل غريب لا يمكن توقعه، قائلا:
استأجرني اثنان إلى علوة الرشيد، وعندما أصبحنا على مقربة من الطريق الدولي السريع المتجه غربا، فوجئت بأحدهما، وكان يجلس خلفي مباشرة، يضع فوهة مسدس على رأسي ويأمرني بالاستدارة يمينا والدخول في الشارع الدولي، وبعد مسيرة ربع ساعة أمروني بالنزول، وعصبوا عيني وربطوا يدي إلى الخلف، وكنت طوال الوقت أبكي وأتوسل إليهم ألا يقتلوني ويكتفوا بأخذ السيارة، وهذا ما جرى. وبعد تفاصيل لا حاجة لذكرها، توجهت إلى مركز شرطة بلاط الشهداء وأقمت الدعوى، وبعد يومين وصلني إشعار من المركز بأنهم عثروا على سيارتي في إحدى مزارع هور رجب.
كل هذه التفاصيل قد تبدو مملة، لكن غرابتها في خاتمتها، عندما أضاف قائلا:
وجدت سيارتي عبارة عن هيكل، وقد نزعت منها عجلاتها والكثير من أدواتها، فعدت واشتريت أربع عجلات، وتمكنت من نقل السيارة إلى بيتنا، وبدأت البحث في بسطات الأدوات الاحتياطية المستعملة على أرصفة منطقة باب الشيخ، وفوجئت بالذين سرقوني يجلسون أمام إحدى البسطيات، وتظاهرت بعدم معرفتهم، وانسحبت متوجها إلى مركز الشرطة، وأخبرت الضابط بكل التفاصيل، فجاءت المفاجأة الكبرى عندما قال لي الضابط: يا بني، أنصحك نصيحة أتمنى أن تستوعبها، أولا، إن هؤلاء سينكرون، وأنت ليس لديك شاهد، ثانيا، سيقاضونك عشائريا بسبب اتهامك لهم، ثالثا، أنت كما تبدو شاب فقير ولا حول لك ولا قوة، وهؤلاء خطرون، وربما يؤذونك بدلا من مقاضاتك عشائريا.
فأخذت بنصيحة الضابط وعدت إلى السراق أنفسهم واشتريت منهم أدوات سيارتي المعروضة في بسطتهم وهم يتضاحكون.
فأين هذا الأمان الذي يتبجح به إخوتنا مرتزقة صدام، والذين نجحوا بترسيخه في أذهان الأجيال المعاصرة؟
ونختتم الجزء الثاني من هذه الحلقة بتذكير أبناء شعبي وسؤالهم:
هل هناك في كل دول العالم، دون استثناء، وطوال تاريخها، سوق اسمه سوق الحرامية؟
كان هذا السوق، سادتي، قد اشتهر وذاع صيته في العاصمة بغداد، وفي عراق صدام حسين، جهارا نهارا في سنوات التسعينيات ولغاية العام 2003.
أترك للشرفاء التعليق على ذلك.
في الجزء الثالث والأخير من هذه الحلقة، سنستعرض جانباً آخر من جوانب انهيار الأمن والأمان خلال سنوات النظام السابق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): هناك حلقة كاملة سنخصصها للحديث عن دور المثقف العراقي في المجتمع، والفرق بين مثقف الأمس ومثقف اليوم.





_1617644865.jpg)



