ثقافة شعبية

جمالية اللغة والمضمون … (رسـائـل حـُب شعبية) للشـاعـر جبـار فـرحــان

في الوقت الذي انتهجه الشعراء المبدعون في اختيار اللغة والمفاهيم لمواضيع منتخبة ومنتمية للجذور في أغلب الاحيان وثبوت وتغاير الاشكال والانتقاءات لصور كونية وابتكارية ذات منأى صحيح ومقبول حيث ذهب كلاً منهم الى استحسان مفردات ومصطلحات وباختيار دقيق وملائم لوحدة النص من أجل تذوق نتاجاتهم اجمعت قبولاً لدى المتلقي، واليوم وبعد ان أدار الزمن عجلته بعد التوقف الابداعي ظهرت لنا مجموعة شعرية تهتم بواقعية اللغة ورصانتها وجماليتها متداولة النطق وظفت للكتابة الشعرية لتصبح جسراً للوصول الى المتلقي لسهولة لفظها وفهمها لما فيها من دلالة توضح المعنى وما اختيار الشاعر جبار فرحان في (رسائل حب شعبية) إلا دليلاً على ذلك حيث حرص الشاعر وبانتقاء معهود نتيجة لتجربته الطويلة ومصاهرته لاغلبية الشعراء وبشتى انتهاجها تم توجهه الشعري وهو منحدر ومتلقي من جيل اثبت جدارته في المشهد الشعري العراقي: ان الشاعر في هذه المجموعة نطق بعاطفة الشعر نحو الحبيب وفي مواقع واتجاهات لا يحسد عليها حيث بدأ من بعد مشواره في الاسترسال والوقوف عند محطات الحبيب محاولاً الكشف عن حالات يرتقي بها سلم الشعر وصولاً لى اهداف وغايات يدركها الجميع،فمن أول قصيدة وجدته منهمكاً في حالات استمكن بها رغبة من حيث الشعور بها والتمسك بعطف وحنان ذلك الحبيب الذي انهك سني عمره من اجله وتوجيه الاسئلة التي هي من مهمة الشعر ليجد لها حلاً وعلاجاً مناسباً. 

علمني اعوم ابوجه كل تيار حتى اعرف اسنيني اشلون گاظيهن 

فسريلي الحلم والمستحه الموجود واقداح الصبر واليبجي ايبديهن

من خرزة اعيونك احترك مرات..وإذا اعيونج احترگن.. ياهو يطفيهن.؟

ان البوح باسراره في اغلب الاحيان جاء عن صدق المعاناة وما كان اختياره لمفردات بديلة او مرادفة او متقاربة من الكلمات الحسچوية نتيجة لوعيه وتمعنه مع الاحتفاظ باللغة الأم المقبولة والمتداولة والدارجة والمنتقاة من قواميس اللغة التي نعرفها مع تطويعه للمفردات كغيره من شعراءنا المبدعين ففي قصيدة (صدى صوتچ) أجد في ذلك دليلاً على قولي:

(حيرني قوامچ خيزراني الطول)

ضيعونه وألف هنياله باب البيت يتمشرگ اوجهچ لو عبرتي الدار 

وهناك قصائد اخرى في هذه المجموعة الشعرية تؤكد ذلك حيث يمكن مشاهدتها وتلمسها اثناء مشاهدة وقراءة لهذا التوجه الجديد للشاعر جبار فرحان.

ان مهمة الشاعر في هذه القصائد التي كنا متواعدين بها تثبت قدرته على المطاولة والايضاح والمباشرة مع الاحتفاظ بنكهة وعذوبة الشعر دون الانزلاق في متاهات سردية قديمة شبعنا منها ولم تزدنا الا ابتعاداً عن مثل هكذا حالات، فهو ان وقع في السرد لكن بطريقة البناء والتأثيث لعوالم ادركناها بشكل آخر من خلال المنتوجات الداخلية للشاعر:

(بعدنه ازغار ليهسه العشگ مادگ علينه الباب

ياغابة حزن ظلت اسنين اهواي تبچي ابلا دمع تتنطر الحطاب.

والشاعر هنا في صفوة مناخ يمكن التحدث بهدوء بطمأنية الغى من خلالها فواصل الصمت وبخجل صريح يمكن مشاهدته:

آسف اعتذر مو قصدي احرجچ دوم

ولاقصدي ازيد اهمومچ اهموم

چنت ماين عليچ بحچي ذاك الفات

طلعت البگلبي الچان مضموم

تلك هي مصطلحات الشاعر اخذت من واقع شعبي معقول وان محاكاة معشوقته بهذه الطريقة الاستقرائية اتت بفعل درامي واضح فالوقوف عند باب الحبيب لا تعني التوسل او الاستصغار وانما من جانب الوفاء والمحبة الخالصة وهو الباحث عن مرفأ يحتضنه بعد هذا المخاض والدرب الطويل حيث اجده قائلاً:

دگيت اعله بابچ بالغلط مرتين.. 

مره ابجرح غيري اتسلى خاف ايطيب..

اومره ابصدگ گلبي اورجفة الچفين. 

هذه المعاناة وبأشارة صادقة يتطلبها الشعر من الشاعر بالدلائل التنويمية التي يبنى على اساسها التوجه الشعري الصحيح.

ان عوالم الابداع المتأتية من السفر في دوحة الحبيب وغيره الذي يستحق التضحية والفداء وكثيرة هي الامنيات التي يحتاجها. 

((ليله آنه اوياك،آنه اوياك ليله،يختلط بيها الحلال اويه الحرام).

ان الخروج عن المألوف وبهذه الصراحة انتهج كثيراً منها وفتح الابواب لها الشاعر نزار قباني في البوح عن أعماق النفس المتعطشة لشغف الحبيب فيمسك بها الشاعر جبار فرحان واستلذ بهذا الفتح المبين قائلاً كذلك: 

((گالت آنه اوياك يجمعنه الخجل..

نحترگ من مستحانه اوننچوي ابجمرة قُبل

احنه مشروع البراءة اللي نبره بأول جرحنه اوماكمل)). 

وكما ان الشاعر اشهر رغبته باصرار دون الرجوع والوقوف عن حد يمنح ألق قصائده بريقاً:

((لا تبحر بعد خليني بردان

ولا تصبح سراب اونفس دخان 

انا المية اشفافك دوم عطشان))

وهنا كنت اتمنى ان تكون بدل مفردة (بردان) بـ(دفيان) لان معاصرة الحبيب تمنح الدفء أولاً وأخيراً. 

والشاعر في الغربة والسفر والترحال هو واحد،لكن التصورات في التعبير عن الحالات والشروع بلحظة البدء في التفكير بالكتابة هي الجدية في العطاء والتجديد.

فهو في الشكوى متجدداً في اسلوب لا تنقصه الجمالية في التكوين والابداع والصدق.

((إشگد انه خطيه اوصدگيت الناس

ما أدري تبوگ الناس بستاني

اگلك تعال انسولف آنه اوياك..خليها تگلي الوكت ثاني)) 

هكذا هي مقاسات الشاعر جبار فرحان في صومعته الشعرية التي جاءت عند حدود اللوعة والرغبة دون الاذعان لمتطلبات قد تخدش خاطرة المتعطش لرؤية معشوق ينهض به في كل الازمة وموازياً له ظلاً عن استقراره او ترحاله:

((قالقني سكوتك من أمس لليوم،

واتنطر اشوفك لابس الفرحه

ياشاغل افكاري ابكل دقيقة اتفوت،

چن مجروح خايف ينلچم جرحه

علمني عليك اشبيك من اطباع،

تلميذ اصبحت واتريدك اتنجحه

أخيراً فأن قصائد هذه المجموعة الشعرية (رسائل حب شعبية) طافحة بجماليتها وصراحتها وطروحاتها المعقولة-ولما تحمل من تراكيب ومصطلحات لغوية تحضره مقبولة وصور تنطق بالرغبة وباتجاه دلالي لا يرهق المتلقي في التفكير مع الحضور الفاعل في المشهد الشعري الشعبي العراقي بما يصلح ما افسده الدهر من اشياء تخدش اذن المتلقي بكل هـدوء وطمأنينة واستقرار. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان