حوارات وتحقيقات

حجر الوالدين: جريمة يرتكبها الأبناء في حق الأمهات و الآباء

تعتبر رعاية الوالدين حين يكبران شكلا من أشكال رد الجميل لهما، فلا شيء يعوض مكانهما، حبهما وحنانهما، لكن الظاهرة التي انتشرت في مجتمعنا منذ سنوات عديدة بداية من التسعينيات هي زج الوالدين في دور العجزة، فرغم أن الكثيرين يعتبرونها صورة من صور عدم الاحترام ونكران الجميل وعقوق الوالدين، إلا أن الآخرين يرونها على أنها راحة لكبار السن في حالة المرض وعدم توفر الوقت للأولاد للعناية بهما، لكن المراكز حاليا توفر العناية الكاملة لهذه الشريحة من الأعمار، وربما أفضل من رعاية الأولاد لهما، لكن العيش داخل دفء الأسرة لا يعوض بأي شيء، ومع التقدم في السن يشعر الأولياء أنهما أصبحا عبئا ثقيلا على الأولاد خاصة إذا كانا يعيشان مع زوجة الابن التي لا تكون بأي شكل من الأشكال مكان ابنتهما، لكن لا نتهم زوجة الابن كل الاتهام، فحتى الابن له نصيبه من الإهمال خاصة إذا كان الوالد أو الوالدة في صحة سيئة فهذا يغير من طبعهما ونفسيتهما، إذ يتغلب التوتر والقلق على المتقدمين في السن بشكل سريع، وهكذا يتعب من حوله أيضا حسب الكثير من الحالات، إلا أن اغلب الأبناء لا يعرفون قيمة رعاية الوالدين والحسنات التي سيكسبونها وراء ذلك، ويعتبرون رمي الوالدين في دار الشيخوخة أمرا عاديا، فلما إذن يخفي الابن هذه الجريمة عن الناس والعائلة إذا كان الأمر حقا عاديا وليس مخلا بالحياء؟.

سناء الحافي

 
حالات كثيرة تزور مراكز المسنين على مستوى كل ولايات الوطن العربي، أبناء يتخلون عن أوليائهم والسفر إلى الخارج، الميراث والطمع لتقسيم المال وبيع بيت العائلة في حالة وفاة الوالد تدخل الوالدة إلى المركز رغما عنها، زوجة بدون ضمير تلقي بـزوجها الكبير في السن بدور العجزة لعدم قدرتها على تحمل تغيير الحفاظات والعناية به خاصة إذا كانت صغيرة في السن.
الأسباب كثيرة و التبريرات سخيفة لكن النتيجة واحدة، هي التخلي عن أقرب شخص للإنسان بسبب أبناء لا تعرف الرحمة طريقا لقلوبهم المتحجرة، وأشخاص بدون ضمير فقدوا فيها الحس الإنساني
و للعقوق نماذج كثيرة، هناك مَنْ يهتم بنفسه واستراحته ويتناسى والديه، وآخر فضّل أوامر الزوجة على حاجة والديه الملحة إلى الرعاية، وغير ذلك
اذ لا يزال الجيل الحاضر وهو جيل الآباء الحاليين هو الجيل الذي نشأ في فترة تماسك الأسر، وكانت البيئة بسيطة جداً، وكل الخوف الآن أن يصبح الأبناء الذين يمارسون العقوق أو الجفوة أو أي شيء من هذا القبيل، يمثلون نماذج لأبنائهم، وبالتالي الظاهرة تصبح ليس فقط ظاهرة تغيرات اجتماعية، وإنما أصبح الآن النموذج الذي يشاهدونه نموذجاً عاماً، وبالتالي يصبح العقوق سمة، وعندها سنكون مثل الدول الغربية التي تتميز بسمة أساسية فيها وهي العقوق، ويندر فيها أن نجد شخصاً يتولى رعاية والديه رعاية كاملة. وهناك مجموعة من النماذج والأمثلة التي هي من واقع البيئة الاجتماعية التي نسمع عنها، ونسمع عن حالات قد تركها أهلها خاصة فيما يتعلق بالنساء، ونسمع كثيراً عن أبناء يأتون بأمهاتهم إلى المستشفيات ثم يتركونهن وحيدات ويهربون، وهذه الحالات تكررت كثيراً في أكثر من مستشفى، ثم يقوم البعض بتوصيل الآباء إلى دار المسنين على أنها زيارة لقريب ثم يفرون هاربين وتاركين وراءهم آباءهم، وهناك من هم في فترة الشباب والمراهقة يمارسون التعذيب بحق والديهم كضرب الأم من قبل ولدها لأنها لا تعطيه مصروفاً، ، وهناك حالات أكثر شيوعاً من غيرها ومن أهمها التقصير في الخدمات، وهي سد الحاجة النفسية والحاجات الفعلية للوالدين، فمثلاً الأب والأم يحتاجان درجة أكثر شيوعاً ألا وهي قضية التقصير في الوصل الذي يعتبر الأساس في صلة الرحم، إذ نجد بعض الآباء يشتكي من مرور الأيام والأشهر دون رؤية ابنه الذي لا يُقدِّر حاجة أبيه إليه
عقوق الوالدين.. أبناء جاحدون وآباء متسامحون
حالات و نماذج :
رزقني الله بثلاثة أبناء كبروا معي حتى استقلوا بحياتهم، وأصبحت اليوم لا أراهم الا قليلا، 
وأكثرهم زيارة لي يأتي كل اسبوع بعد صلاة الجمعة ومعه «جريدة» يقرأها أمامي ثم يغادر، هكذا بدا وتضيف الأم بحسرة «أمضيت عمري في تربيتهم وتعليمهم، واشتاق اليوم الى زيارتهم التي هي بالنسبة لي بلسم لجروحي» مبررة غيابهم وتأخرهم عنها بمشاغل الحياة.
ويقول المسن «ابو محمد» « لدي ثلاثة أبناء أولاد أكبرهم عمره 23 عاما، تقاعدت قبل فترة وأمضي جل يومي أنا وزوجتي داخل البيت، ما دفع أحد ابنائي على التطاول علي بكلمات نابية أتجاوزها بألم وأدعو الله له الهداية،  ولكنه مؤخرا بدأ يتطاول على أمه وعلى إخوته دون إحساس بالمسؤولية
وأضاف « قبل فترة طلب مني أن أقرضه مالا وعندما أبلغته بأني لا أملكه تطاول علي وضربني ، وقمت بطرده من المنزل»
نماذج أخرى كثيرة نسمعها يوميا في مجتمعنا عن عقوق الوالدين لفئة ضلت السبيل ونسيت أو تناست فضل الوالدين في تربيتها وتعليمها.
-الحقيقة- رصدت حالات لعقوق والدين، والتقت مختصين ورجال دين للحديث عن هذه الممارسات والتي لم تصل الى حد الظاهرة في مجتمعنا والحمد لله ، اذ جاء إلقاء الضوء عليها للتحذير من هذه الممارسات الفردية ومكافحتها قبل أن تستفحل وتجرف معها آخرين ضلوا السبيل لتحقيق رغباتهم وشهواتهم وأخذتهم الدنيا بعيدا عن بر الوالدين.
وبيّن مسن 74 عاما رفض الإفصاح عن اسمه بان لديه 5 أبناء بينهم بنت واحدة جميعهم انطلقوا بحياتهم التي شغلتهم عنه خاصة بعد وفاة زوجته منذ سنوات منوّها الى أنهم لم يعودوا يزورونه وينتظرون موته ليرثوه الأمر الذي دفعه للتوجه الى دار المسنين ليقيم فيها ما تبقى من عمره.
حادثة يرويها موظف باحدى دور رعاية المسنين لعاق تخلص من والدته بإحضارها الى دار المسنين لأنه أراد أن يتزوج في الشقة التي تسكن فيها والدته  ورفضت زوجته وجود الأم معها في الشقة.
وأضاف الموظف أن الأم أمضت سنوات داخل الدار دون أن يزورها ابنها منوها الى أن الأم وعند احتضارها طلبت إحضار ابنها لتراه قبل أن تموت وعند الاتصال به وإبلاغه بأن والدته مريضة وترغب برؤيته رفض الحضور بحجة أن لديه أشغال يجب إنجازها وأنه سيأتي في وقت قريب منوها الى وفاة الأم دون رؤية ولدها.
وأن الابن العاق لو علم بأن بر الوالدين سبب لمحبة الله له ، والفوز بجنات النعيم، لسارع إلى التوبة، والرجوع إلى الله، واستدراك حياة الوالدين بالاحسان لهما، واللطف بهما، والشفقة عليهما، لعل الله يتوب عليه، ويتجاوز عنه، ما سبق منه من تقصير في حق الوالدين.
عقوق الوالدين أو برّهما دين عاجل السداد….
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء:23-24]
 هناك مثلٌ معروف نردّده دائماً: “كما تدين تُدان” فليتبيّن هذا الأب أو هذه الأمّ إن كان باراً بوالِديه حين كانوا على قيد الحياة.. فإن بروّا أهلهم فسيأتي أبناؤهم بدورهم ليبرّوهم.. وإن قصّروا وتغاضوا عن أهلهم فلا يلوموا إلا أنفسهم حين يأتي الدور عليهم.. وفي هذا السياق كلام للحبيب عليه الصلاة والسلام إذ قال في الحديث الذي رواه الترمذي: “ما أكرم شاب شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه”..
ولذلك يجب على الأهل أن يربّوا أولادهم – بالقدوة – على برّ الوالِدين لينشأ الأولاد وهم يرون تعلّق آبائهم وأمّهاتهم بمَن كانوا سبباً في وجودهم فتتأصّل هذه المعاني في أنفسهم وتصبح مَلَكة متمكِّنة في شخصياتهم ويُحسِنوا بدَوْرِهم إلى أهلهم.. 
وتربية الأولاد على الدِّين والالتزام بالشرع الحنيف دفعة إضافيّة لبرّ الأهل عند الكِبَر.. فحين ينشأ الأولاد على تقوى الله جل وعلا والآيات العظيمة التي تُظهِر مدى أهميّة برِّ الوالِدين وكذا الأحاديث النبوية الشريفة التي تشدّد على برّهما فحينها لا بد أن يُثمِر هذا الغرس أولاداً بارّين مرضيّين.. 
فالإحسان إلى الوالِدين والشكر لهما يجب أن يكون في كِبَرهما أعظم وهو عرفان بالجميل الذي أنعماه على أولادهم وتضحياتهم في سبيل تربيتهم وخدمتهم ولو على حساب أنفسهم وراحتهم.. ويحرص القرآن الكريم على توجيه الأولاد في كيفيّة معاملة الولِدَين خاصة حين يغزو الشيب المفارق ويصبحون ضعفاء.. عاجزين – ربما – عن خدمة أنفسهم بأنفسهم.. فحتى كلمة أفٍّ ينهاهم الله جل وعلا عنها فكيف بوضعهم في دار للمسنّين وتركهم هناك دون حتى سؤال.. إنّ العجوز وإن تقدّم به العمر لِيصبح “عالة” على مَن أنبته يوماً إلاّ أنه لا يزال في قلبه مشاعر قد تخنقه حين يرى عدم اكتراث أولاده به وإهمالهم له وإعراضهم عنه.. 
إنشاء دور للمسنين واجب شرعاً
للوقوف على رأي الشريعة الإسلامية حول إنشاء دور الرعاية وما إذا كان يعتبر تشجيعا على العقوق، أم هو مطلب شرعي بحد ذاته، يقول الدكتور عبدالله الفقيه في هذا الشأن : بالنسبة لإنشاء دور لرعاية المسنين ورمي الأبناء للوالدين فيها، هذان الموضوعين في نظري يجب أن يكونا منفصلين، ويضيف: لا شك أن إنشاء دور لرعاية المسنين هو أمر كفاية ومرغب فيه شرعا بل يجب، لأن الكثيرين من هؤلاء المسنين لا يجدون من يهتم بهم في حالة عجزهم عن ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، وهنا لا بد من توفير دار أو جمعية خيرية أو أي مسمى آخر يقدم المأوى والاهتمام بهم، والشق الثاني هو أنه ليس من المروءة وليس من الأخلاق والإنسانية أن يقوم أبن أو بنت أو ابن أخ أو ابن أخت برمي والديه أو أعمامه أو أخواله داخل دار لرعاية المسنين وهو قادر على رعايتهم، فالله سبحانه وتعالى قد قرن توحيده ببر الوالدين فقال: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا» وقرن شكره بشكر الوالدين فقال: «أن أشكر لي ولوالديك إلى المصير» والآيات كثيرة في هذا المجال. وأما الأحاديث فكثيرة، ويكفي هنا أن نشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مثل عم الرجل بأبيه، في حديثه الذي يقول: «عم الرجل صنو أبيه»، وفي هذا دلالة واضحة على الأمر والحث على بر العم، فما بالك بالأب أو الأم؟ فهما من باب أولى، فالوالدان قد قاما برعاية هذا الولد أو البنت وهم في رحم الأم، وبعد الولادة، وفي مرحلة الروضة، فالمدرسة إلى أن يتخرج الابن أو البنت من الجامعات. كل هذه المراحل في حياة الإنسان يحتاج فيها إلى الرعاية والحنان والوالدان لم يقصرا أبدا، فكيف تسمح لشخص سوي نفسه أن يرميهم بعد هذا كله في دار الرعاية دون سبب، ، فهذا من باب العقوق الذي هو في نظر الشرع من أكبر الكبائر، فعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكبر الكبائر قال: «الشرك بالله وعقوق الوالدين»… إلى آخر الحديث المعروف. 
و من هنا نقول إن أي شخص يرمي أبويه في دار الرعاية دون سبب شرعي وجيه فهو عاق لوالديه، ومن يرمي بعمه أو خاله فهو بلا مروءة وبلا ضمير، فأخلاقنا الإسلامية و قيمنا الانسانية تحث على بر كل كبير في السن حتى لو لم نكن نعرفه ، فهذا هو رأي الشرع، فإنشاء دور الرعاية واجب شرعا لرعاية من يحتاج الرعاية، ورمي الوالدين في تلك الدار دون عذر  يعتبر من العقوق.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان