تلعب المرأة أدواراً مختلفة تكوّن شخصيتها وتصقل كيانها، فهي إبنة وأخت وزوجة وحبيبة ورفيقة وأمّ ومربية وربة منزل وسيدة مجتمع وإمرأة عاملة وناشطة إجتماعية… هي جزء أساسي من المجتمع وتشارك في الحفاظ على التوازن القائم في الأسرة. لكن من جهة أخرى، لا تزال النساء محرومات من «المساواة» مع الشريك، أكان ذلك معنوياً، نفسياً، إجتماعياً، مادياً أو عملياً! ذلك أنّ المجتمع لا يزال يفرق ما بين الرجل والمرأة. فالمرأة عندنا تتقبل انها مجرد “مَرة”، و أن كلامها “ما هو بكلام رجال”..و في رواية “رجاجيل”. المرأة تؤمن بـ/ و تؤمـّن على– كونها نصفاً..او تقل قليلا؛ فحتى مع تغير الظروف و المسوغات والزمن والأسباب، فالمرأة نصف مواطنة حينما تحضر كشاهدة؛ و هي نصف وريثة؛ و حتى نصف ضحية، فديتها عند مقتلها يكون نصف عدد الجمال المطلوبة للرجل المقتول ..فهناك موضوعات تراكمت عبر القرون…و لذلك.. يحسن ان نسعى الى تحقيق كل ما يمكن تحقيقه..و استغلال الفرض المتاحة.حيث أن الجدل القائم حول إستقلالية المرأة يشكّل مدخلاً لمفهوم الإستقلالية عامةً، فإستقلالية الفرد هي عدم الإعتماد على الآخر، وتحقيق متطلّباته بنفسه، والإتكال على ذاته في إتخاذ القرارات وعدم تدخّل الآخرين به، لكنه في الوقت عينه، يبقى كائناً مسؤولاً، متمتّعاً بحقوق بديهية وعنده واجبات أساسية.لذلك فإن الإستقلالية ليست محصورة بالحريات، وإنما هي متعلّقة بكرامة المرأة أيضاً. فالإستقلالية مسار يبدأ بوعي الناس لحقوقهم وواجباتهم، إضافةً إلى مشاركتهم الفعالة في المجتمع ووعيهم لقضية المرأة وآفاق القضية وكيفية المساهمة بها. ولا بدّ من التنويه بأنّ إستقلالية المرأة لا تمس أبداً بكينونتها كإمرأة ولا تلغي أنوثتها…فمتى تكون المرأة كائناً مستقلاً، غير تابع أو خاضع؟ ما الصفات التي تتحلّى بها السيدة العصرية لتتمكّن من التوفيق بين مختلف واجباتها وحتى تتمتع بأبسط حقوقها؟ (الحقيقة).. من خلال هذا الاستطلاع تسلط الضوء على أبرز الحقوق والواجبات التي تدعم استقلالية المرأة و تبين ما لها و ما عليها في مجتمع شرقي يخضع لثقافة العيب و الحرام في كلّ مناحي الحياة..
تحقيق- سناء الحافي
إستقلالية نسبية…في مجتمع شرقي !!
تقول ليلى الموسوي أخصائية نفسية بهذا الصدد: «لا يمكن الحديث عن إستقلالية المرأة خارج إطار حقوق الإنسان. فلا يوجد تعريف موحّد لهذه العبارة، لأنه مفهوم مرتبط تاريخياً وحتى الآن، بخصوصيّة كلّ مجتمع. فحسب البيئة الإجتماعية المحيطة، يمكن الكلام عن إستقلالية المرأة. هذا الموضوع مرتبط إرتباطاً وثيقاً بالسياق الإجتماعيّ والثقافي في أيّ بلد أو مجتمع». فالبعض يعتبر أنّ المرأة المستقلّة هي التي تتمتّع بهامش كبير من الحرية، فيما تُعتبر السيدة مستقلّة في بيئة أخرى عندما تتمتّع بأبسط الحقوق الأساسيّة.
ويبقى القاسم المشترك في مختلف المناطق، حسب الموسوي، هو «أنّ هامش الحرية والإستقلالية قد قطع أشواطاً كبرى بعد نضالات عديدة خاضتها كلّ النساء والحركة النسائية في كلّ العالم. وتبقى المطالب الأساسيّة هي القدرة على إتخاذ القرارات الخاصة بمفردها، عدم التمييز ضدّ المرأة وعدم ممارسة العنف المعنوي والجسدي ضدّها».
الاستقلالية المادية.. إكتفاء و إعتبار نفسي !!
و تضيف الموسوي أنّ « الإستقلالية النفسية والإجتماعية للمرأة مرتبطة إلى حدّ كبير باستقلاليتها المادية التي تمكّنها من الإكتفاء الذاتي لتكون منتجة، ناشطة، وغير تابعة لأحد». لكن هذا لا يعني أنّ الإستقلالية المادية هي دليل أكيد على الإستقلالية الكاملة للسيدة. بل هذا يوجد هامشاً من الإستقلالية عندها.
مؤكدة على «أنّ المرأة موجودة صحيح في مجالات العمل، لكن هذا لا يمنع أن تكون غير مستقلة أو مغبونة. فلا يزال التمييز والتعنيف ضدّها موجوداً، والنساء مستبعدات إلى حدّ ما على الساحة السياسية. وبغية الحصول على الإستقلالية التامة، لا بدّ من أخذ كرامة المرأة وحقوقها في الإعتبار».
التربية الاجتماعية ..قمع..خوف..
أم حماية مفرطة!!
و يضيف الأخصائي الاجتماعي كاظم البهادلي أنّ «المرأة المستقلّة شخص متصالح مع ذاته، يحدّد أهدافه في الحياة ويسعى إلى تحقيقها من دون ضغط أو اتكالية أو تبعيّة. كما أنّها إنسان يعرف مفهوم التوازن في مختلف مجالات الحياة، ليتأقلم مع متطلّبات العصر ويوفّق ما بين الحقوق والواجبات كاملةً وليس بشكل إنتقائيّ!»
و يضيف «إنّ الإستقلالية أو التبعيّة تنتقل من الأهل إلى الأولاد، فحسب طريقة التربية، تتكوّن شخصيّة الفرد، ليتمّ صقلها لاحقاً بظروف الحياة التي تواجه المرء والإختبارات التي يمرّ بها والصعوبات التي يتخطّاها. فالأمّ التي تربّي أولادها على الإختيار وقوّة الشخصيّة والإستقلالية والعدل والكرامة والمشاركة في القرار والنقاش منذ الصغر، تحفر عندهم هذه الخصال لتنمو في سنّ المراهقة، ويبدأ الولد بالإستقلال رويداً رويداً في قرارات بسيطة، مثل الأكل والملبس والإختصاص والأصدقاء…على عكس الأولاد الذين ينشأون في جوّ من القمع والخوف والتبعيّة والديكتاتورية والإنصياع والتنفيذ المطلق أو حتى الحماية المفرطة والتردّد في الإختيار، إذ يصبحون راشدين غير واثقين بقراراتهم الذاتية ليتحوّلوا إتكاليين تابعيين».
والحياة تعلّم المرء كيفيّة الإتكال على ذاته وإتخاذ قراراته المصيرية والمدافعة عن حقوقه.
المرأة المستقلّة.. هل هي ( مسترجلة )
في عيون المجتمع الشرقي…!؟
و يؤكد البهادلي في هذا السياق: « أن هناك معايير ومواصفات نمطيّة للمرأة المستقلّة، وهذا أمر لا بدّ من تخطّيه، إذ إننا كسرنا القاعدة وتخلّينا عن الصفات الخاصة والأدوار التي أُلصقت بالرجال أو النساء».
و يشير ايضاً: «إنّ المرأة المستقلّة هي سيّدة عصرية، قويّة، متصالحة مع قراراتها الذاتية، تتفادى الوقوع في التبعيّة، توفّق بين الشق العمليّ والشخصيّ، تعرف ماذا تريد، تعمل على تحقيق مآربها، تلتزم بكلمتها، تتعلّم من خطئها وتسيّر أمور حياتها.» وهذا لا يعني أنّها «مسترجلة» أو مفتقدة إلى الأنوثة، كما أنها لا تكون معادية للرجل أو «مستقوية» عليه لتقلب الأدوار! هي ببساطة كائن يعرف ماذا يريد ويعمل لتحقيق ذلك!
مضيفاً: «المرأة مكوّن رئيسيّ في المجتمع، وهي واعية لقراراتها، وعندها إرادة مستقلّة تنعكس إيجاباً على الأدوار التي تلعبها، وعلى قضاياها لتُطرح على طاولة البحث وتعبّر عن إحتياجات النساء».
المرأة العصرية : بين الهيمنة الذكورية و الدونية النسائية !!
و يؤكد المستشار التربوي عون القادري: «من سلبيّات الإستقلالية عند المرأة هو أن تكون هي مستقلّة، لكنها تعيش في مجتمع يتعامل معها على أساس التبعية، فتعمد للرفض القاطع وتتمرّد على واقعها أحياناً، ما قد يؤدّي إلى خلافات عديدة حتى ضمن نطاق عائلتها».
من جهته يضيف أنّ «المرأة المستقلّة تقف عائقاً أمام الرجال المتشبّثين بالذكورة، أو حتى النساء الذكوريات، وهي تهدّد كلّ فكر أو منظومة ضدّ إستقلالية المرأة، في ظلّ ثقافة تحافظ على دونية النساء وتكرّس هيمنة الرجال».
و يختم قوله: «بإنّ القدرة على التوفيق ما بين متطلّبات الحياة والحقوق الذاتية المكتسبة، أمر جوهريّ لا بدّ من أن تتمتّع به المرأة العصريّة، القادرة على المشاركة في القرار وبناء مجتمع أفضل». مشدداً على «أهمية صون كرامة النساء قبل مطالبتهنّ بواجباتهنّ أو الكلام عن الإستقلالية».
بين الرؤى الشرعية و الحقائق التاريخية.. إنصاف و مغالاة !!
إنصافاً للحقيقة والتاريخ كان للمرأة العربية قبل الاسلام نصيب لا يستهان به من حرية الرأي وقوة الشخصية وسلامة المنطق عند كثير من القبائل العربية ولم تكن نهباً مباحاً لكل رجل ، كما زعم بعض الباحثين ذاهبين إلى أن العرب قبل الإسلام ( لم يعرفوا زواجاً مستمراً ترتبط فيه المرأة برجل معين لأجل غير مسمى … ) فقد عرفت المرأة العربية قبل الاسلام هذا الزواج المستمر المشروع ، كما عرفت المنحرفات من النساء عن سبيل العفة والشرف أنظمة أخرى للاتصال الجنسي بالرجل ، ولما جاء الإسلام بدد بنوره الوهاج كثيراً من الظلمات والمظالم الاجتماعية التي أطبقت على (حواء) منذ اللحظة الأولى لمولدها :
( آمنكم الله عارها ، وكفاكم مؤونتها ، وصاهرتم القبر )…!!أولا : كان كثير من العرب قبل الاسلام يكرهون الأنثى ويضيقون ذرعاً بمولدها الذي كانوا يعتبرونه نقمة لا نعمة ومحنة لا منحة ونذيراً بالشر لا بشيراً بالخير ، كما ينطق بذلك قولهم في التهنئة بمولدها مشفقين على أهلها وأبويها: ( آمنكم الله عارها، وكفاكم مؤونتها ، وصاهرتم القبر ).
وكانت بعض القبائل العربية وهي القبائل الخمس الآتية تميم وقيس وأسد وهذيل وبكر بن وائل تسارع إلى وأدها ودفنها في التراب قبل أن ترى النور والحياة ، كما افتخر بذلك – ويا للعجب – قيس بن عاصم عقب إسلامه قائلاً لرسول الإسلام : كنت أخاف سوء الأحدوثة والفضيحة في البنات فما ولدت لي بنت قط إلا وأدتها .. وما كان العرب يئدون البنات دون الذكور إلا لأنهم كانوا يعتقدون أن البنات رجس من خلق الشيطان ، لا من خلق آلهتهم.
فأبدلهم الإسلام من كراهية الأنثى حباً لها وفرحاً بمولدها بأحاديث نبوية كثيرة يرجع إليها في مظانها وحسبنا منها : ( لا تكرهوا البنات ، فأنا أبو البنات ) ( ما أكرم النساء إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ) ( استوصوا بالنساء خيراً ) إلى آخر أحاديث الرسول الإنسان الأول الذي كما كني بكنية أبي القاسم أكبر أولاده الذكور ، كني بكنية أبي الزهراء كبرى أولاده البنات . وكما احتفل بحفيديه الحسن والحسين ولدي فاطمة الزهراء ، احتفل بحفيدته أمامة بنت ابنته زينب التي كان يحملها في حنان وحنين ، وفي أثناء وقوفه مصلياً لله رب العالمين .
وحمل الإسلام حملته على جريمة وأد البنات بآيات كثيرة يكفينا منها قوله تعالى : ( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ) ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ) ..
هنيئاً لك النافجة…!!
وبهذه الروح الجديدة المجيدة تشبع الأدب الإسلامي نثراً وشعراً في نظرته إلى الأنثى منذ إنصاف الإسلام لها ، وحفاوته بها كحفاوته بالذكر في يوم المولد ، وفي اليوم السابع للمولد .
ثانياً : كان كثير من العرب يعتبرون عقد الزواج من إحدى بناتهم (صفقة تجارية) كما يدل على ذلك أن البنت في معجمات اللغة العربية بلقب (النافجة) ومن ذلك قولهم في التهنئة بمولدها أحيانا : هنيئاً لك النافجة أي المنفجة لمالك بما تأخذه من مهرها – وهو العوض الذي يدفع لأهلها – وبما تأخذه من صداقها – وهو العوض الذي يدفعه الرجل لها ، وبفضل المهر والصداق ينتفخ ويتضخم مال والدها – وهذه النظرة إلى البنت كسلعة تجارية قد أبدلهم الإسلام منها نظرة إلى عقد الزواج كرباط مقدس ، وآية ربانية عالمية شاملة : ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) وقد وصفه بالميثاق الغليظ ، وأقامه على أمتن الدعائم والأركان من السكينة والمودة والرحمة قائلاً : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) وفي ظلال السكينة والمودة والرحمة لا وجه لاعتبار هذه الرابطة المقدسة سلعة تجارية ، ولا مكان للمغالاة في المهر والصداق ، تلك المغالاة التي عرفت بها بعض القبائل العربية – ولا سيما قبيلة كندة – وأعلن الإسلام الحرب على هذه المغالاة بالقول والعمل .
ولحرص الإسلام على كرامة المرأة بحرصه على حقها في المهر أبطل الزواج الذي كان معروفاً في الجاهلية بزواج (الشغار) الذي سمي بهذا الاسم لخلوه من المهر ، وهو الزواج القائم على اتفاق رجلين فيما بينهما على أن يزوج كلاهما الآخر ابنته أو أخته بدون مهر مطلقاً ، وكأنها سلعة تجارية تبادل بسلعة تجارية أخرى ، ولحرص الإسلام على كرامتها وحريتها واستقلالها كفل لها قبل الزواج حقها كاملا في اختيار أو رفض من يتقدم لزواجها – كائناً من كان ، وكائناً ما كان موقف والديها أو أسرتها – بكراً كانت هذه المرأة أو ثيباً .





_1617644865.jpg)



