تحقيق- علاء الكركوشي
مسألة تعدد الزوجات واحدة من القضايا التي تثار يومياً في مجتمعنا، وتتباين الاراء حول هذا الامر بين الرفض والقبول، البعض يرى انها مسألة شرعية لاغبار عليها وان الاسلام اجاز للرجل ان يتزوج بأكثرة من امرأة. والبعض الاخر يرفض ذلك ولديه اسباب. ولم تكن التشريعات غافلة عن مثل هذا الأمر، إذ تمتاز نظم الاسرة باهمية بالغة نظرا لارتباطها الوثيق بالامور الشخصية. فنظام تعدد الزوجات هو نظام اجتماعي قديم عرفته الامم والشعوب قديما كما ورد النص عليه في الديانة اليهودية واقرتها على ذلك الديانة المسيحية لان هذه الاخيرة امتداد للاولى، ثم ان الشريعة الاسلامية لم تترك تعدد الزوجات بغير تنظيم تفصيلي، اذ تضمنت احكاما لا نراها الا وافية بتنظيم تعدد الزوجات، اذ قيدته بقيدين يتمثلان بالعدل بين الزوجات والقدرة على الانفاق، وعهدت تحقيقهما الى الزوج الذي يرغب بالتعدد من غير ان يكون للقضاء او اي جهة ادارية او نظامية سلطة الاشراف عليهما، كما وضعت ضوابط تفصيلية لتنفيذ شرط العدل بين الزوجات. وقد استقت قوانين الاحوال الشخصية العراقية في نصوصها من مباحث الفقه الاسلامي في مسألة الاشتراط في العقود. ولما كان اساس تكوين الاسرة المودة والرحمة والتعاون والمحافظة على الانساب وحفظ كرامة الاسرة وصيانة عرضها وشرفها وهي اهداف الزواج، فانه كان لزاما على القوانين ان تعنى بهذا المقصد الجليل وفي ضوء القيم المنغرسة في مجتمعاتها وضمن الاطر الشرعية، وعدم تركه عرضة للاستهزاء ومحلا للمساومات. ومن اجل التعرف اكثر على اسرار هذا الموضوع كانت لنا جولة تنقلنا فيها بين الأزواج أنفسهم، والجهات المعنية شرعا وقانونا بالأسرة وبنائها…
حديث المتزوجين
يقول الحاج ابو مرتضى صاحب شركة مقاولات:
– ان قضية تعدد الزوجات طبيعية ومسألة شرعية وانا تزوجت من ثلاث نساء والحمد لله واحاول دائماً ان اكون عادلاً في تقسيم الوقت واعطاء الحقوق الكاملة من ناحية المصروف اليومي والواجبات الاخرى. وان زواجي الثاني هو ان زوجتي الاولى لم تنجب لي ولدا خلال مدة طويلة من زواجنا. اما الثالثة فقد تزوجتها من اجل زيادة عدد اولادي وهذا ما اوصاني به والدي.
فيما كان لاحمد هاشم (موظف) رأي آخر بهذا الشأن فقال:
– ان هناك بعض الدوافع عند الانسان تدعوه الى الزواج بأكثر من مرة، ومن بينها ان زوجته الاولى مريضة ولاتستطيع العمل داخل البيت، هنا يكون الامر اعتياديا فيتزوج بأخرى، او بعض الازواج يفضلون ان تكون لهم اكثر من زوجة لإنجاب عدد اكبر من الابناء الذي يرفعون اسمه وسط القبيلة. اي ان البعض لديه القدرة المالية يبادر الى الزواج مرة اخرى، كما ان لديه الوقت الكافي كي يتناسب مع زوجاته، وليس العكس كما يحصل معي، حيث ان عملي يحتم علي البقاء في الدائرة من الساعة الثامنة صباحاً والى الساعة الرابعة عصرا، اي ان كل وقت اقضيه في الدوام، إذ اصل الى البيت منهمكا، فكيف اتزوج بامرأة اخرى والاطفال لم اصل اليهم قليلاً بحكم طبيعة عملي.
اما علي الشمري فيقول:
– تزوجت زوجة ثانية لرغبتي في الزواج بعدما اخذت موافقة الزوجة الاولى، وانا افكر بالزواج بالثالثة في الوقت الحالي، واشجع الرجال على الزواج بأكثر من مرة وهذا ليس بالشيء الحرام، انما الدين الاسلامي اباح لنا ذلك وهو امر طبيعي، وان كانت هناك بعض المشاكل بين الزوجة الاولى والثانية، فأنا احاول دائما حلها وارضي الطرفين.
ويختلف رحمن عبد عون (صاحب مطعم) مع تعدد الزوجات فيقول:
– زوجة واحدة اكون سعيداً معها وقادراً على تلبية ماتحتاجة هي واطفالي افضل من اثنين لا اقوى على معيشتهما، وحينها تتحول الحياة الى جحيم. وصحيح أن الزواج الثاني والثالث والرابع امر حلال، لكن راحتي النفسية تكمن مع زوجة واحدة فقط دون اية مشاكل، عكس الحالة اذا تعددت الزوجات، إذ حينها يكون الامر معقدا بين الزوجتين وبين الاولاد في حياتي وبعد مماتي.
ردود فعل النساء
وفي سؤالنا إحدى النساء المتزوجات وهي ربة بيت قالت:
– انا لا اوافق ابداً ان يتزوج علي زوجي امرأة اخرى، ولا اقبل على ذلك حتى لغيري من النساء، خصوصا اذا كانت الزوجة غير مقصرة مع زوجها وتوفر له كل مايحتاجه، اما اذا اصر على الزواج فعليه ان يقدم الاسباب المقنعة لذلك. وتوافقها الرأي (م.س) فتقول:
– انا سعيدة جدا في حياتي الزوجية مع زوجي، ولانعاني من اية مشاكل كوننا متفقين دوماً وتزوجنا عن طريق علاقة حب في الجامعة، وارفض ان تأتي زوجة اخرى لزوجي، وهو ايضاً يرفض الزواج بأخرى وكيف لا..! ونحن متعاهدون على البقاء مخلصين لبعضنا. واحدنا للاخر.
وتعزو (ايمان فاخر) سبب قبولها بارتباط زوجها بامرأة اخرى على انه حق من حقوق الرجل فتقول:
– كوني لا استطيع ان احقق كل مايتمناه واهم شيء في هذا هو الانجاب، ولم أستطع الانجاب وهذا امر الله سبحانه وتعالى. وانا التي حثثت زوجي على ان يتزوج بأخرى كي لايبقى هاجس الاطفال في قلبه، ويتمنى ان يسمع كلمة (بابا).
اما ام علي.. وهي ام لسبعة اطفال تقول:
– ان اختيار الرجل قد يكون متسرعا في بعض الاحيان ويتزوج أكثر من امرأة، كأن يكون خلافا بسيطا يدفعه الى الزواج، واذا به بعد فترة يندم على مافعله ويجد نفسه منهمكا في سبيل معيشة زوجاته واطفاله. فلابد ان يكون الزواج بتراضي الطرفين وعدم ترك مكان للاخطاء، كما يفعل بعض الرجال بالزواج عرفيا او دون علم الزوجة الاولى، كون هذا الامر يخلف احداثا ومشاكل كبيرة عند علم الزوجة.
الاستاذة هناء محمد تقول:
– ان تعدد الزوجات يعتبر من قضايا العصر والتي اخذت صداها في مجتمعاتنا العربية، وتختلف بأختلاف المستويات الثقافية بين الازواج والرؤى التي يسيرون عليها. حيث ان المجتمع البدوي يفكر بتعدد الزوجات لغرض مساعدة الرجل في العمل. اما الاشخاص المترفون فيجعلون مسألة الزواج امام اعينهم دوماً كون لديهم الاموال والقدرة على الزواج بثلاثة او اربعة، وتصل احيانا الى طلاق زوجة كي يتزوج الاخرى.
الشريعة الاسلامية
يبين الشيخ احمد جاسم:
– ان تعدد الزوجات كان قبل الاسلام مباح بشكل تام، ويحق للرجل ان يتزوج كيفما يشاء، ولكن..! عندما جاء الاسلام وضع شروطا من ضمنها ان لا تتعدى الاربع زوجات، كما جاء في قوله تعالى: (وان خفتم الا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فأن خفتم الاتعدلوا فواحدة او ماملكت ايمانكم ذلك ادنى الا تقولوا) صدق الله العلي العظيم. وواضح في الاية القرانية تماما ان يجوز للرجل بالزواج لكن مع شروط، وهي ان يكون عادلا امام الله سبحانه وتعالى في معاملة زوجاته، وان يكون قادرا ماديا وصحيا ولا يميل الى واحدة ويترك البقية مهما كانت الاسباب والدوافع. ويؤكد أن يقسم الوقت بشكل صحيح بين الزوجات وحسب عمله لضمان الحقوق للجميع. مشيرا الى ان الدين الاسلامي اوصى بحسن المعاملة والاخذ بعين الاعتبار مراعاة خصوصية المرأة والوقوف معها في مرضها والتقرب اكثر منها كي تشعر بأن لها زوجا مهتما بها، وهذا تكليف شرعي لابد ان يؤديه. وكذلك فأن المرأة مكلفة هي الاخرى بأن تقوم بتقديم مايحتاجه الرجل في البيت، وتربية ابنائه والمحافظة على اسراره وماله. اي ان حتى الكلام الطيب مع الزوجة يدخل في المسائل الشرعية كونه يؤثير على العلاقة الزوجية.
الناحية القانونية
في مجتمعنا العراقي يبت القانون بهذا الأمر بوضوح، إذ لا يتطلب الزواج بامرأة ثانية علم أو موافقة الزوجة الأولى في قانون الأحوال الشخصية العراقي المرقم 188 لسنة 1959 المعدل (عدا إقليم كردستان حيث لا يجوز الزواج بأكثر من واحدة إلا بموافقة الزوجة الأولى على زواج زوجها إمام المحكمة. بحسب ما ورد في البند (أ) من الفقرة الثانية من المادة (1) من قانون رقم (15) لسنة 2008 والمعدل عن القانون أعلاه. وقد أشار القانوني في جامعة كربلاء (محمد رؤوف الاسدي) الى أمور قانونية أخرى فقال:
– انه في حالة اراد الرجل بالزواج من أمراة ثانية لابد ان يكون لديه المقدرة المادية على ذلك، كان يكون لديه عقار اورصيد في البنك، او لديه اموال عينية حتى يعطى موافقة من المحكمة لغرض الزواج، وهذا يعتبر ضمانا لحق المراة. كذلك لابد ان تستحصل موافقة الزوجة الاولى على امر الزواج من خلال ارسال ورقة تبليغ بالزواج، وفي حالة لم يبادر الزوج بالذهاب الى المحاكم لغرض اعطاء مستمسك او دليل يؤيد بأن لديه ملكا او عقارا قبل الزواج الثاني فيمكن ان يحضر دليله بعد الزواج، وكذلك ان يحضر زوجته الاولى والثانية، وبعكسه يحاكم بتهمة المخالفة، ولكن لايدخل السجن انما يخرج بكفالة. وأضاف محمد رؤوف:
– في الوقت الحالي تشهد المحاكم حالات كثيرة من المشاكل الناتجة عن تعدد الزوجات وسببها هو الرجل الذي لم يعدل بين زوجاته وتبقى المشاكل مستمرة في حياة الرجل وكذلك بعد وفاته، كونه لم يقم بتقسيم الورث بشكل عادل انما قد ينحاز لإحدى زوجاته ولايرضي الاخرى.





_1617644865.jpg)



