ليس كمثله شيء ، فغني بذكره ايتها الارض التي كانت تلوح له وهو يملأ بساتينك بالغناء الشجي، يطارد احلام العشاق بصوت ليس كمثله شيء، ما كانت الحياة الرخية تجيد به، لان الرخاء بالنسبة لحضورنا الجمالي فكرة مؤذية جدا وخارج منطق الوعي، نحن كائنات جبلنا من طين الاحزان، لهذا نرى حناجر مغنينا تلوذ باذيال احزاننا جميعا وكأنها دشاديش الامهات اللواتي يذهبن باتجاه المراقد والاسواق، بحثا عن امل ، والعثور على ما تبقى من احلام، صوته حاد بوسامة مارلين مونرو، وخرف جيمس جويس، والجمع بين الصورتين يثير الاستغراب ويعبئ الارواح بألف سؤال وسؤال، عند ضفاف شط الحلة الواسع المدارك، الراغب بالخروج من الوعي الاجتماعي الديني الاسير عند مدن اخرى، حاولت سرق ملامحه، كان الولد الفخم، الحزين، غير المتساوي الابعاد، يجلس هامسا لنفسه بأغانٍ داخل حسن تارة، وعبد الامير طويرجاوي تارة اخرى، كلاهما كانا ينازعانه الحضور، وكلاهما كانا يشجنا مزارع روحه الباحثة عن اجابات لسؤال الغناء، ترى لماذا يغني الانسان عند ضفاف الانهار وهو لم يلامس قلبه بعد عسل الحب و أمل الرؤيا؟
شوقي كريم حسن
سؤال لاتدرك اجاباته روح الفتى الكث الامال ، المغسول بعذوبة المواويل والبوذيات واللوعة الفائرة، لوعة لا يدركها احد سواه، لا تدركها حتى ابصار الاقربين اليه، حين ينظر وجه الماء، تبتسم اعماق المخلوقات المائية التي كانت تمر مسرعة، تبتسم ، ثم يصيبها صفن الاندهاش فتسبت منصتة، وهي تحدق في علية النخل الحلي، ومنابت الاخضرار، وحده يزيح قلقه وهو الهارب من الدرس الى امكنة وحدته، كان يتمنى، لكن الاماني حبل قد يكون قصيرا فلا يوصل الى شيء محدد ودقيق، الاماني وهم اذا ما خرب الرائي كيفيات الاستخدام ، عند ظهيرة حلية قائضة، ظهيرة يباس نفسي، انصت اليه الاولاد وهم يغسلون الماء بهرج اجسادهم، انصتوا اليه وهو يثير هلع الافئدة، ويرسم فوق الملامح المكفهرة سوادا لسوف يظل لاصقا الى امد قد لاينتهي( الحلم اخضر… وحين تكون الاحلام خضراء قد.. قد تكتمل خطى المسير) يكور دشداشته عند حافة الماء ويغطس وكأنه يتعمد، بل هو كان يتعمد فعلا، ولكن لماذ… بماذا تراه فكر الان… وشط الحلة هاجس اقرب الى الخيال منه الى الحقيقة، هاجس فائر قد يذبح متحديه بخيط من قطن، توسل الرب ان يمنحه ما يرغب ، أن يمنحه طراوة الحنجرة ويغسلها بندى الفجر العذب، وهذا ما كان عليه ، في لحظة التهدج تلك وجد من يناديه، صوت مائي اخر ات من اعماق البساتين،أنت … انت ياحلي…. تعال … تعال!!
ويجيء، ومجيء مثل هذا سيأخذ بالفتى الطاعن بالغناء الى حيث يرغب، يتوسله الصوت، يتوسله حقا لانه راغب بأن يحيي حفلة زفافه، فهو لايرغب بصوت يزفه الى نجوم مباهجه غير ذلك الصوت الذي ادمن الانصات اليه عبر سنوات الشطآن والبساتين، يخجل الفتى الضخم، الملكوم القلب، ويطرق لبرهة وقت لكنه يعلن موافقته، يعلن ان البداية قد تكون من هنا، من رحلة ابتهاج لسوف تملأ الحلة كلها بل الفرات الاوسط كله بسؤال واحد ــــ يالها حنجرة … ياله من صوت عذب متقن متناسق ينغم الفجيعة، هذا البوح جعله ينسى الدرس ويرتمس الى حد الجنون في حفلات الاعراس وهي كثر.. الحلة صارت أغنية واختبارا ، وولوجا الى ليل من السهر الجميل، وقد تغيرت الوجوه، ورحلت اقنعة الزهد والتقوى، صارت اطيار الحلة كلها تتجمع حين يعلو الصوت بتقاطيعه الاخذة الى الامتداد، نبراته واضحة مثل شمس تموزنا،و حسه الجمالي يتعالى رويدا وهو يريد التخلص من هذا التكرار غير المرغوب فيه،ما عادت الاعراس كافية، لانه قد اشتهر الان وصار مطلوبا، لكنه مأخوذ بالاخرين لا بنفسه، بطبيعته يكره التقليد، وبطبيعته الباحثة عن افكار معانية يحاول ان يجد دروبا اكثر مودة واكثر اقناعا، ومع الحلم هذا تأخذه الحياة الى حلم اكثر فالرجل يعشق الترحال لهذا يعمل سائقا لمركبة نقل ركاب خشبية، عراقيتها تثير الفضول وهي تلوح بغبار حضورها بين طويريج والحلة، الوجوه ترنو اليه، تتوسله ان يبدد ملل الطريق ووحشة الليل، فيرفع عقيرته بصوت ما يلبث ان يمحو الملامح المترقبة ويجعل الرؤوس تتأوه هلعا ورغبة في البكاء، ولربما فاضت المدامع فعلا ،فذلك الصوت يوجع الاشياء بحماقة دفان ورغبة عاشق نافر، تفيض المدامع مع ظهور اغراس جديدة في اعماق الارتباك والفوضى، تتناقل اخباره المدن، القرى، ومن عرس الى حفلة ابتهاج، ومن ليلة ساهرة، الى ندمان يملؤون كوؤس ضجيجهم الصامت بخيول الانتظار، الكأس نديم الضجر والحب والانسة، الكأس ، يكرر الحلي ، ما قاله الحبوبي،// اسقني كأسا وخذ كأسا اليك //،آه وكم من الكوؤس يمكن ان توقف هذا الجنون المستباح، لااحد يمكن ان يوقف الغناء الذي يمحو ادران الايام ويصقلها، الغناء يجعل الارواح اكثر بريقا من الذهب واجمل من كل المحبين، لان الحب دونم غناء من الحنجرة الحلية لايمكن ان يكون حبا، وللرغبة شروط ، مثلما للدرب شروط يمليها على الراغبين باختيار مشاركته الامتداد، لهذا تجيء العلامة المميزة التالية، احدهم… الاشد حبا لهذا الحلي، يقنعه بأن يسجل شريطا، ان يخلق لصوته تاريخا مدونا لايمكن للتاريخ ان يتجاهله، والفرح ات، والقبول مسرة، والرضا قناعة الامل، ينصت الحلي،، الذي صار يسمى(( سعدي الحلي) الى نغم الكمان ثم يتوظأ في ماء العود و يرتدي اصوات الدف، و( سجلت هذه الحفلة .. … مع تحيات سعدي الحلي) واه من الحفلات التي تتحول الى جوكات من الحمام الزاجل ، تحلق بعيدا لتنشر الصوت العذب ولتبشر فيه، أن ثمة نغما جديدا، لاشبيه له انت من حوض الفرات، صوت ناعٍ الى حد السرور، وحادٍ الى حد الابتهاج، كيف يمكن هذا… لاحاجة الى الاسئلة الان.. الحلي صار معلما وعلما تصاحبه جوقات من الاتباع والمريدين اينما حل واينما اتجهت به الخطى، والاشاعة اشعاع، والشهرة خيارات تحدٍ ، لهذا لم تعد الحلة، بل لم يعد فراتها الاوسط كافيا لان يحتوي الحلي، عام 1964، يفكر زيد الحلي، الصحفي الذي كان يعمل في الاذاعة والتلفزيون في ان يقدم سعدي الى دار الاذاعة اولا، وبجهد ما بعده جهد يكون الحلي داخل هذا التكوين المليء بالخوف والترقب، فثمة رضا علي، وعباس جميل واحمد الخليل ، وداخل حسن وحضيري ابو عزيز وناصر حكيم و مائدة نزهت وزهور حسين، وعفيفة اسكندر، ولميعه توفيق، وشهيد كريم، والقائمة اطول من حبال الصبر ، يتلقفه محمد نوشي، منصتا الى الصوت الرخيم الاعذب من مياه الانهار كلها الادق من ملامح الافتخار، فيلوح له باول الانفجارات( ليله ويوم.. ثم عشك اخضر) كلاهما حظ الوصول الاغاني تتحول الى منشورات لغرابة الحس وحسن الامعان، طائران يحلقان هذه المرة الى خارج الحدود ، ومع هذا الانتقال ، يلتقي بكبير كهنة الفن، المعلم الاكبر والادق حرصا على استمراره( حقي الشبلي ) فيعرض عليه ان يكون مغنيا في الفرقة القومية للفنون الشعبية، لايمكن لاحد ان يرفض مثل هذا الامر، هو انتشار اخر بصحبة هذه الفرقة الجوالة التي ما كانت تستقر عند بلاد حتى تاخذها الخطى الى بلاد اخرى ، كان الحلي وقتها يعمل سائق سيارة اجرة بين علاوي الحلة والوشاش، وكان يملأ روحه بعذوبة الاغاني، مرة ثانية كان الامتحان صعبا، واللحظة رهيبة، بل وقاسية ايضا، عند اول الزمن وجد هناك جبار عكار بربابته ومحمد قااسم الاسمر، وكلهم يعرف كلهم، من ذا لايعرف ابو خالد، وكيف ان كان الراس لايحب الطرب وهو المطرب اصلا، يطلق اول الاسئلة الملتاعة(( تناشدني عليك الناس وتحير شجاوبهه) حيرة الاجابة تمنحه جواز مرور انساني تتلاقفه اكف اصحاب اللحن البارع (( محمد عبد المحسن، محمد نوشي ، محمد جواد امورس، ياسين الراوي، ) ومع هذا الاختيار تتوسع القاعدة، وتنتمي الحنجرة الى براعتها بعد ان كانت شبه غارقة بالارتجال، تتهذب الكلمات ويثير اختيارها الف محطة دهشة، ( كلهه منك زاد همي وكثر… وانت وحدك علمتني القهر… شجابني شوصلني يمك .. الف هم والنوبه همك)) تتكاثر الهموم اذن، ومع انبثاق الهموم يجد نفسه فجأة في قصر الامير ((خليفة بن زايد ال نهيان،) حفل زفاف مختلف عن تلك التي كان يحييها في احياء الفقراء، بذخ اخر، وهدوء يخيم على الزفاف ، ينطلق الحلي، ليغني( بوسه من وجنتك انت ومروتك ) ويبوح ( بالك وحدك اغنيلك،) ثم يتجرأ ليعلن تحديه فيغني أنا وانت ظلمنا الحب، وكلما تعالت اصوات الاعجاب راح الحلي ينفخ في قرب الارواح بعطر احلامه الشجية ( ليله ويوم ) الليالي فجيعة، والتعب وسيلة الهدوء، وبين سفر واخر عبر الاجواء كلها من امريكا الى القاهرة كانت علامات سعدي الحلي تتصاعد وانصاره يزدادون تعلقا به ، برغم القصدية التي رافقته باشاعات لاتمت اليه بصله، امتلأت افواه الناس بقصص وحكايات ومزح ما كان الانسان له بها صلة، حتى انه كان يطرق خجلا حين يجيء ذكرها ، ويبتسم متمتما // اشاعات وهذه الاشاعات ليست وليدة الساعة بل هي قدر الفنان وخاصة من يمتلك شهرة سعدي الحلي يضاف الى ذلك ان اول اسباب الاشاعات هو حب الناس كما ان الاشاعات لم تطارد سعدي الحلي بل كان ضحيتها محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش وعبد الحليم حافظ وام كلثوم// الحجة معقولة ومهمة والاتي مجرد رغبة في اثارة الشبهات لان العارف بروح الحلي يعرف ما توفر عليه من خجل وطيبة وحب للناس ورضا عنهم، ولانه محب يغني معاتبا ( لايولدي) وهنا نتوجس خيفة تبدأ المأساة بالتشكل، يرحل فجأة ولده خالد، بعد ان اراد الحاق بخطى العملاق، وتتبع الاحزان احزانا اخرى حيث تغادر رفيقة الدرب، فيظل الحلي محاصرا بين احزانه يردد مواويل الصبر والرجاء، وبرغم هذا ما هجر الحنجره كان يرغب بأن يشيع الامل بين الناس ، عاد الى حلمه الاخضر البهي، وعادت الاسئلة، لكنه وجد نفسه بساق واحدة،، وهو يجلس على كرسي الانتظار، هل يمكن ان يستسلم مغنٍ مثله الى سر الفجيعة ، ستكون الاجابة .لا .. لان سعدي الحلي باق ، بقاء الفرات، وأن قرر الرحيل للبحث عن تلك السيدة التي رافقته، مثلما فعل ديموزي حينما ذهب الى العالم السفلي ليعيد عشتار الى وجوده الدافئ الجميل، وهو يردد ما بقي الزمن( الك وحدك اغنيلك) انه كان يغني لمواجعنا بصوت لن يتكرر ابدا !!





_1617644865.jpg)



