الدكتور أحمد زياد محبك
عجيب المسخ من إنسان إلى كائن آخر
ومن العجيب نوع يعتمد على مسخ الإنسان في هيئة غير إنسانية من طير أو حيوان أو نحوه، كي يمر هذا الإنسان بمشاق وصعوبات إلى أن يحين موعد عودته إلى ما كان عليه وزوال المسخ عنه، وغالباً مايكون الخلاص بوساطة الحب، وليس ثمة قوة محددة أو معروفة تقف وراء ذلك المسخ، وعلى كل حال هو مسخ مؤقت، ومنه ما يحكى عن ابنة ملك كانت تستحم في بركة القصر، فيحط طائر ليسرق أساورها، ثم يزورها ليلاً، فيحط في نافذة غرفتها، ليخلع عنه الريش، وإذا هو شاب مترف الحسن، يؤكد حبه لها، ويظل هذا دأبه عدة ليال، ثم تضطر إلى إخبار أمها، فتوصيها أن تطلب منه هدية لتعرفه من خلالها، وتطلب منه هدية فيخبرها أنه يترك لها كل ليلة تحت وسادتها صرة ليرات ذهبية، فتفطن عندئذ إلى أن المربية التي تهيئ لها الفراش هي التي تأخذ الصرة، فتطلب منها أن تترك ترتيب الفراش، وتستاء المربية منها، فتفرش في غيابها أرض النافذة بزجاج مكسر، ويحط عليه الطائر فيجرح جسمه، فيغادر النافذة ولا يعود إلى زيارتها، وتدخل ابنة الملك إلى غرفتها لتجد خيط دم يسيل من النافذة، فتدرك أن هذا من فعل المربية، وينقطع الطائر عن زيارتها، فتغتم وتصاب بالاكتئاب ويعتريها المرض، ويعجز الأطباء عن شفائها، ثم ينصح أحد الحكماء لوالدها الملك أن يبتني لها حماماً، وتكون أجرة الاستحمام حكاية غريبة تتسلى بها، وتتفق جارتان في الريف فقيرتان لا تخلوان من حمق على المضي إلى المدينة للاستحمام في حمام ابنة الملك، وتنامان باكراً، وتستيقظ إحداهما، فترى القمر يتوسط قبة السماء، ولشدة حمقها وشوقها إلى الحمام تحسبه الشمس، فتسرع إلى جارتها توقظها، وتمضيان معاً، وبينما هما في بعض الطريق تدركان أنهما في منتصف الليل، فينتابهما الخوف، وتسرعان إلى شجرة تتسلقانها، لتمضيا بقية الليل على أغصانها، وبينما هما على هذه الحال، إذ تنشق الأرض وتخرج جوقة تبدأ العزف والغناء، وسرعان ما يؤتى بشاب محمول على سرير، ملفوف بالضماد، وبين يديه أساور، يستمع إلى الغناء، ويشكو قسوة صاحبة هذه الأساور، وفور انتهاء الجوقة من العزف والغناء وانصراف الشاب، تسرع القرويتان الساذجتان إلى المدينة، وتدخلان الحمام، لتقصا على ابنة الملك ما شاهدتاه، وفي الليلة التالية تمضي معهما إلى حيث الشجرة، فتختبئ فيها مع المرأتين، ويتكرر المشهد أمامها، وإذا ذلك الفتى هو نفسه حبيبها، فتنزل من الشجرة وتمضي هائمة على وجهها وهي أشد حزناً، إذ لا تعرف كيف الوصول إلى من تهواه نفسها، وبينما هي في بعض الطريق إذ ترى حمامتين تتناجيان متألمتين لحال الشاب ابن الملك، وما هو عليه من جروح، ثم تقول إحداهما: ليته يعلم أن شفاءه فينا، وتسأله الأخرى: وكيف، فتجيب أن يذبحنا ويعجن لحمنا مع العظم والدم والريش ويصنع منه مرهماً يشفي به جروحه، وتبادر ابنة الملك الإمساك بهما فتذبحهما وتمزج العظم باللحم والدم والريش تصنع به مرهماً، ثم تتنكر في زي طبيب، وتطوف في البلاد تنادي عن طبيب يداوي القروح، حتى تبلغ بلداً يدعوها فيها الملك إلى معالجة ولده، وتدخل عليه، فإذا هو الشاب نفسه، فأقامت في القصر وهي متنكرة تداوي جروحه إلى أن شفي، ولما سألها ما تطلب من أجر، أبت أن تأخذ أي شيء، ولكنها رجته أن يمنحها منديله الخاص هدية، ورجعت في الحال إلى قصر أبيها، وما هي إلا بضعة أيام حتى حط الطائر الأبيض في النافذة، وخلع ريشه وهبط إليها، وأخذ في لومها وتقريعها، فأخرجت المنديل الذي طلبته منه هدية، ثم عرفته إلى حقيقة الأمر، وتقدم إلى خطبتها من أبيها، وتزوجا ليعيشا في هناءة وسرور.
والغاية من هذا العجيب هي التعبير عن الحب، فالحب حاجة عليا، ولكنها مقموعة، لذلك يتم تحقيقها بأسلوب عجيب وهو التحول إلى طائر، ويظهر العجيب في مسخ الإنسان إلى طائر، ويدل هذا المسخ على معاناة الشاب قبل الوصول إلى من يحب، وما يجب أن يمر به من صعاب وتحديات، كما يدل على صعوبة الحب نفسه، فالحب محرم وممنوع ولا يمكن أن يتم إلا من وراء قناع، أو من خلال تنكر يخفي الشخصية الحقيقية ولابد فيه من المعاناة، ومهما يكن فإن مسخ الحبيب هنا في هيئة الطائر هو مسخ للخير والحب والجمال، وليس من أجل الأذى أو القبح، ولذلك كان في شكل طائر.
ومسخ الحبيب في هيئة طائر يرجع إلى مؤثرات من الحياة اليومية ومؤثرات من الثقافة، ففي الحياة اليومية يرى الإنسان حرية الطائر في الانتقال والتحليق والسفاد، وما يكون بين الذكر والأنثى من الطيور من لطف وجمال وسمو في ممارسة الحب، وهو الطائر الذي يسكن البيوت ويعيش مع الناس، ومن التراث الثقافي ما ورد في تفسير بعض آيات القرآن الكريم المتعلقة بقصة نوح عليه السلام، من أن الحمامة حملت له غصن زيتون علامة على بلوغه شط الأمان ينظر تفسير الآيات 35ـ 48 من سورة هود 11)، ومنه ماورد في القرآن الكريم من قصة الغرابين اللذين علما ولد آدم كيف يواري سوأة أخيه بعد أن قتله، إذ قتل أيضاً أحد الغرابين أخاه، ثم حفر في الأرض وواراه التراب، ينظر سورة المائدة 5 الآيات (26ـ31)، ومن التراث الثقافي أيضاً ما يروى في الأساطير الإغريقية من تحول كبير الأرباب زيوس إلى طائر وزيارته من يهوى من نساء بهذه الهيئة، وفي هذا دلالة على ما للطائر في الوجدان والحس والخيال والتاريخ والثقافة من أثر.
ويؤكد ذلك في الحكاية الحمامتان اللتان كان من دمهما ولحمهما وريشهما الدواء الذي شفى قروح العاشق الشاب، وفي هذا عجيب آخر، يؤكد علاقة الألفة بين عالم الطير ولاسيما الحمام وعالم الإنسان، ويلاحظ وجود حمامتين يضحى بهما وهما أنثيان في سبيل شفاء الشاب الذي هو طائر واحد ذكر، وفي هذا دلالة على تصور المجتمع للمرأة على أنها الأضعف والتي يجب عليها أن تضحي وهي الأنثى في سبيل الرجل الذكر، ويلاحظ أنهما حمامتان اثنتان في مقابل طائر واحد، وهذه كلها بنى فنية ناتجة عن أفكار راسخة في المجتمع تعد المرأة العنصر ( الأنثوي) الضعيف في مقابل العنصر ( الذكوري) القوي، مع أن الحقائق العلمية لا تؤكد ذلك، فالمرأة في بنيتها الجسدية أقوى من الرجل، فهي التي يمكن أن تحمل عشرين مرة وأن تضع وترضع، وهي الأطول عمراً من الرجل، والأكثر في العدد إذ نسبة الإناث إلى الذكور في معظم المجتمعات هي 55%.
عجيب التحول
ومن العجيب تحول الكلام الذي هو صوت إلى ورود وأزاهير أو إلى أفاع وعقارب، إذ يحكى أن حماة كانت تحب كنتها، وكانت عذبة الحديث، حلوة المعشر، وذات يوم صادفها رجلان هما الشتاء والصيف، فسألاها إن كانت تحب الصيف أكثر أو الشتاء، فأثنت على الاثنين وقالت إن في كليهما خيراً كثيراً، وحين وصلت إلى بيتها وبدأت الكلام أخذ كل ما تنطق به من كلام يتحول إلى ورود وأزاهير، ثم إن حماة أخرى كانت لا تحب كنتها وكانت تقسو عليها دائماً بالقول وكانت لا يعجبها شيء، وبينما هي في الطريق صادفها رجلان اثنان هما الشتاء والصيف، فسألاها إن كانت تحب الشتاء أكثر أو الصيف، فتذمَّرت من كليهما، وأنكرتهما، وتأففت، وقالت فيهما كلاماً قاسياً، وعلى الفور أصبح كل ما تلفظ به من كلام ينقلب إلى أفاع وعقارب.
وقد يكون من المألوف في الخيال ظهور الشتاء والصيف في هيئة رجلين، ولكن لا يمكن إغفال مثل هذا التشخيص الجميل وهو نوع من أنواع العجيب، ولكنه مألوف لكثرة ما في الواقع من أشكال للتشخيص غدت عادية ومألوفة، ولكن مما لا شك فيه أن تحول الكلام إلى أفاع وعقارب أو إلى ورود وأزاهير هو ضرب من العجيب المدهش. وهذا التحول عفوي وبسيط ولا تعقيد فيه، ومن الطبيعي تحول الكلمة الطيبة إلى وردة أو زهرة، وكذلك تحول الكلمة المرة القاسية إلى عقرب أو أفعى، ولقد ورد في القرآن الكريم تشبيه الكلمة الطيبة بشجرة، حيث يقول عز وجل: ” ألمْ ترَ كيف ضربَ اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ، تؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها ويضربُ الله الأمثالَ للناسِ لعلهم يتذكرون، ومثلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اُجْتُثَّتْ من فوق الأرض ما لها من قرار” ( سورة إبراهيم 14 الآيات 24ـ 26) .









