ثقافة شعبية

التماهي بين الروايتين في.. زمن الفئران

دراسة نقدية

يوسف عبود جويعد

رواية “زمن الفئران” للروائي نبيل جميل، يبدو لنا، ومن خلال بنية العنونة، أن هناك صلة واضحة بينها وبين متن النص، لأنها جزء من الأحداث السردية الروائية، وكذلك هي العتبة النصية التي سوف تتكشف لنا لاحقاً من خلال المسار السردي للأحداث. وقد عمد المؤلف إلى جعلها ذات معالجات فنية حديثة، حيث نجد فيها مبنى ميتاسردياً، ونجد داخل هذا المبنى نصاً آخر مضمراً بين الأحداث، ونكون مع بطلين للرواية: الأول خالد، الذي تعرض للاعتقال والتعذيب وأصيب بلوثة عقلية جعلته يعاني من مرض نفسي أثر في مسيرة حياته وعلاقته الزوجية، بينما نجد في المبنى الميتاسردي أن بطل هذا المبنى هو حامد، وقد اعتقل وتعرض للتعذيب وأصيب بفقدان الذاكرة.

وهكذا نكتشف أن الأحداث في الروايتين، الخارجية والداخلية، تقدمان شخصيتين متشابهتين من حيث ما لحق بهما من ضرر إبان الحكم الدكتاتوري الصدامي. كما نتابع التوجس الحاصل لدى خالد وهو يتابع تصرفات زوجته سناء، مما أثار الشك في داخله:

“امتازت سناء بممازحتها الزملاء، يسبقها عطرها ما إن تخطو في مكان، وهي أجمل بالماكياج وتنسيق الملابس، هكذا كان يراها، ربما لأنهما يعيشان معاً ويرى منظرها في العمل يختلف عما هو في البيت، فراح يقارن ويتأمل، وقال في داخله: ربما كان زميلي يقصد ما له علاقة بحياتي السابقة؟ يوم كنت مسؤولاً عن الصفحة الثقافية وأمتاز بنشاط دائم يشهد له الجميع.” (ص 8)

وربما أراد خالد، بطل هذه الرواية، عندما قرر أن يكتب، أن تكون حياة بطله شبيهة بحياته إلى حد بعيد، فكلاهما أصيب بعجز جنسي أثناء التعذيب، وكذلك هناء زوجة حامد في المبنى الميتاسردي تشبه أيضاً زوجة خالد.

لكنني أرى أن خلط متن الرواية مع المبنى الميتاسردي بشكل متواصل يربك القارئ ويقلل من حدة التركيز، وكان ينبغي على الروائي فصل الروايتين عن بعضهما، وأن يكون الانتقال إلى الرواية الداخلية من خلال فصل جديد وعنوان جديد، فما إن نقرأ عن حياة خالد والتفاصيل التي يعيشها حتى ننتقل بشكل متواصل إلى حياة حامد، حتى نكاد نشعر بنوع من التماهي بين الشخصيتين، وكأن كلاً منهما يكمل الآخر.

ونجد كذلك أن ياسين صديق خالد يقابله في المبنى الميتاسردي شاهين، صديق حامد، إلا أننا نكتشف أن الزمان والمكان مختلفان، فخالد يعيش في محافظة البصرة، وحامد يسكن بغداد.

ومن خلال حالة القلق والخوف والتأكد المستمر من أن الباب مقفل، نتابع تدهور الحالة النفسية لبطل الرواية خالد، والتي نكتشف من خلالها أنه عاش ويعيش خائفاً مذعوراً، ويختبئ في البيت كلما داهمه الخطر. ومن خلال ذلك تتضح لنا بنية العنونة التي رافقت مبنى السرد، فهو يشبه الفأر الذي يبقى دائماً خائفاً مذعوراً ويبحث عن مكان آمن، وهو حال حامد أيضاً. وهذا الخوف والاستسلام وفقدان الإرادة بسبب الحكم القمعي التعسفي للطاغية كان سبباً في تدمير حياة الكثير من أبناء البلد وإصابة الكثير منهم بعوق جسدي ونفسي، إلا أن خالد لا يزال يشعر بهذه الفأرة في داخله، مما اضطر سناء إلى عرضه على طبيب نفسي:

“سبقته سناء إلى غرفة الطبيب، لأنها فضلت شرح حالته المرضية لتتكون فكرة عامة عنه وما تعرض له من تعذيب في سجن النظام السابق، ثم ما تلا ذلك من أعراض بعد خروجه وإلى هذه اللحظة، بعد معاناة أشهر طويلة قضاها بمراجعة العديد من الأطباء.” (ص 26)

وتدور الأحداث بين ما يحدث في متن الرواية والمبنى الميتاسردي، والذي ينتقل إلى الزوجتين؛ سناء التي تخون زوجها خالد، ويكتشف بعد أن نشهد سير العملية السردية أنها تخونه مع مديره، وتتأزم الأحداث أكثر عندما يكتشف أنها حامل، وهو يعرف جيداً أنه عقيم. وكذلك الحال مع هناء التي كانت منذ بدايتها تمارس الخيانة الزوجية بشكل أوسع.

وبالرغم من أننا نتابع تفاصيل حالة الشك المضنية التي عاشها خالد، بطل الرواية، إلا أننا نلاحظ أيضاً أن الحلول غير حاسمة وقوية، وفيها الكثير من الاستسلام والخنوع، مما يعزز الرؤية الرمزية والتأويلية لدى القارئ عن الذعر والخوف الذي يشبه خوف الفئران.

كما أن خالد يذكرنا بمجريات روايته التي يكتبها قبل الولوج في الأحداث:

“أخذت فكرة الرواية تتطور لدى خالد، وأراد أن يجعلها نوعاً من التجريب في تجربته السردية، فما إن يدخل الشقة حتى يذهب مباشرة إلى غرفة المكتبة، ويفتح مذكرته ويستنشقها بعمق قبل أن يمسك القلم. كان يكتب أحياناً وينسى أن يغير ملابسه، مثلما حصل هذا المساء حين واصل الكتابة إلى ما بعد منتصف الليل.” (ص 82)

ومثلما تتأزم أحداث الرواية الأصل ونشهد تفاصيل مهمة وشيقة وممتعة، كذلك هو حال المبنى الميتاسردي الذي قاده المؤلف بكل إتقان، وفي النهاية نكتشف وضوح بنية العنونة:

“حمله من ذيله، وربطه من ساقيه بحبل، وعلقه في مروحة السقف وقام بجلده. فتح النافذة، وأطل على الشارع، وتنفس بعمق وقال: انتهى زمن الفأر الواحد، هذا ما أشعر به الآن، لكن متى ينتهي زمن الفئران؟ ثم دخن سيجارة، ودخل إلى غرفة المكتبة، وفتح مفكرته وبدأ يقرأ.” (ص 112)

رواية “زمن الفئران” للروائي نبيل جميل تحمل بين ثناياها أسلوباً من السرد التجريبي تتماهى فيه الروايتان مع بعضهما، وهي تحمل خطاباً إنسانياً وسياسياً كبيراً.

من إصدارات دار روافد للنشر والتوزيع لعام 2023

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان