حمدي العطار
يعد الحديث عن ثورة الرابع عشر من تموز 1958 حديثاً عن واحدة من أكثر اللحظات العراقية تعقيداً وتأثيراً في التاريخ السياسي الحديث فهي ليست حدثاً عابراً في الذاكرة الوطنية بل نقطة تحول كبرى نقلت العراق من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، وفتحت الباب أمام تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم. ولهذا بقيت تلك الثورة أو ذلك الانقلاب كما يسميه البعض مادةً مفتوحة للتأويل والجدل والصراع الأيديولوجي بين القوى السياسية والمؤرخين والباحثين.
في هذا السياق يأتي كتاب ثورة 14 تموز العراقية – قراءة في المغيب والمسكوت عليه للكاتب علاء اللامي، الصادر عن دار أنساق للنشر والتوزيع سنة 2026 بوصفه محاولة لإعادة قراءة ذلك الحدث بعيداً عن الروايات التقليدية الجاهزة، ومن خلال تفكيك السرديات التي ترسخت في الوعي العراقي خلال العقود الماضية سواء تلك التي مجدت الثورة بصورة مطلقة أم تلك التي اختزلتها بانقلاب عسكري دموي.
ينطلق المؤلف منذ الصفحات الأولى من إشكالية المصطلح فهو يفرق بوضوح بين “الانقلاب” بوصفه فعلاً عسكرياً نفذته مجموعة من الضباط الأحرار، و”الثورة” بوصفها عملية تغيير اجتماعي وسياسي عميقة تلت ذلك الفعل العسكري وتحولت إلى حراك شعبي واسع. ولهذا يستعمل مصطلح “الانقلاب الثوري” في محاولة للجمع بين البعدين العسكري والجماهيري للحدث. وهذه المقاربة تكشف رغبة الكاتب في تجاوز الثنائية التقليدية بين “الثورة” و”الانقلاب”، إذ يرى أن حركة الضباط الأحرار ما كانت لتبقى مجرد انقلاب لولا الحاضنة الشعبية والقوى السياسية التي احتضنتها ومنحتها شرعيتها التاريخية.
ويبدو واضحاً أن المؤلف أراد أن يؤسس لكتابه على قاعدة منهجية صارمة فهو يؤكد أن قراءته تعتمد “التساؤل والشك والفحص والتفكيك النقدي” مع التوثيق والمقارنة بين الروايات المختلفة وهو هنا يقترب من منهج المؤرخ النقدي الذي لا يتعامل مع الوقائع بوصفها حقائق نهائية بل بوصفها روايات قابلة للمراجعة وإعادة الفحص. كما يلفت الانتباه إلى مسألة مهمة في كتابة التاريخ وهي أن المؤرخ ابن عصره وأنه لا يستطيع التحرر الكامل من “الشحنات الذاتية” التي تؤثر في رؤيته للأحداث مستشهداً بالمؤرخ المثير للجدل شلومو زند، وهو استشهاد يكشف رغبة الكاتب في منح كتابه بعداً فكرياً يتجاوز السرد السياسي التقليدي.
ومن أهم ما يثيره الكتاب محاولته مراجعة السرديات اليسارية والقومية معاً ولا سيما ما يتعلق بموقف الحزب الشيوعي العراقي من ثورة تموز وانقلاب الثامن من شباط 1963. فالكاتب لا يكتفي بإدانة انقلاب شباط بوصفه مؤامرة خارجية بل يحاول البحث في الأسباب الداخلية التي ساهمت في سقوط تجربة عبد الكريم قاسم ومنها الصراعات داخل تنظيم الضباط الأحرار، وأخطاء قيادة اليسار العراقي، إضافة إلى فردية الزعيم عبد الكريم قاسم وتردده السياسي. وهنا تكمن جرأة الكتاب، إذ لا يكتفي بإعادة إنتاج الرواية الشائعة بل يسعى إلى تفكيكها وإعادة تركيبها من جديد.
كما يتوقف المؤلف عند الجانب الإنساني المأساوي في تلك المرحلة داعياً إلى مصالحة تاريخية عراقية شاملة تعيد الاعتبار لجميع الضحايا بمن فيهم أفراد العائلة المالكة الذين قتلوا في قصر الرحاب وضحايا أحداث الموصل وكركوك، وضحايا العنف السياسي الذي سبق انقلاب شباط 1963 أو أعقبه. وهذه الدعوة تمنح الكتاب بعداً أخلاقياً وإنسانياً، وتكشف رغبة الكاتب في تجاوز عقلية الثأر السياسي التي طبعت التاريخ العراقي الحديث.
ولا يخفي المؤلف إعجابه بالباحث العراقي – الفلسطيني حنا بطاطو، صاحب الثلاثية الشهيرة عن العراق، معترفاً بأنه استفاد كثيراً من منهجه العلمي وتحليلاته الاجتماعية العميقة، وهو اعتراف يمنح الكتاب شيئاً من التواضع الفكري، ويؤكد أن الكاتب لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يقدم قراءة تحتمل النقاش والاختلاف.
إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن فقط في المعلومات أو الوثائق التي يقدمها، بل في الأسئلة التي يثيرها حول مفهوم الثورة، وطبيعة السلطة، وعلاقة العسكر بالأحزاب والجماهير، وكيف تحولت الأحلام الكبرى بالتغيير إلى صراعات دامية مزقت المجتمع العراقي لاحقاً. فالكتاب لا يقرأ الماضي بوصفه زمناً منتهياً، بل يحاول أن يفهم الحاضر العراقي من خلال جذوره الأولى. وفي المحصلة، يقدم علاء اللامي كتاباً إشكالياً وجريئاً يقترب من واحدة من أكثر المحطات العراقية حساسية، محاولاً كشف “المغيب والمسكوت عنه” في تاريخ ثورة تموز. وهو كتاب يفتح الباب أمام مراجعة نقدية هادئة للتاريخ العراقي بعيداً عن التقديس أو التخوين، ويعيد طرح سؤال ظل معلقاً منذ عام 1958: هل كانت حركة 14 تموز انقلاباً عسكرياً قاد إلى ثورة شعبية، أم ثورة حقيقية بدأت بالبندقية وانتهت بصراع السلطة؟ وربما تكمن أهمية الكتاب في أنه لا يقدم جواباً نهائياً بقدر ما يدفع القارئ إلى إعادة التفكير في تلك المرحلة بكل ما حملته من أحلام وإنجازات وأخطاء ومآسٍ.









