ثقافة شعبية

أحياء بغداد ومقاهيها الشعبية منبع الأدب والثقافة

 عجيب السحر والكنز المرصود
ومن العجيب عجيب السحر والقوى الخفية والكنز المرصود لصاحبه لا يناله إلا هو، ومنه ما يحكى عن أسرة بائسة فقيرة، الأب فيها لا يكاد يحصل لقمة العيش، والأم لا شغل لها ولا عمل، وحدث أن رأت في عنق جارتها قلادة فاشتهت لنفسها مثلها، فطلبتها من زوجها، فوعدها أن يحضر لها واحدة في الغد، وفي اليوم التالي وعدها بسوار بدلاً من القلادة، وفي اليوم الثالث وعدها بخلخال، ثم وعدها بشراء دار، وكانت في كل مرة تصدق وعده، وتنسى فقره، وحدث أن سمع منادياً يعلن عن بيع دار بفرشها وأثاثها، وما على الراغب في الشراء إلا أن يسكنها سبعة أيام، ثم له أن يدفع ثمنها أو يغادرها، وأسرع إلى هذا المنادي، وأخذ منه مفتاح الدار، ومضى إلى زوجته يدعوها إلى الانتقال إلى الدار الجديدة، فجن جنونها فرحاً، وأخذت تباهي الجارات وتفاخرهن، وسعدت بالدار الجديدة الواسعة المفروشة وطهت لأولادها أطايب الطعام، وهي ذاهلة، ففي الدار كل شيء مما تشتهيه النفس، وكان زوجها قد أخبرها أنه مسافر في شغل لسبعة أيام، فلما كان الليل أوت إلى فراشها ونامت، وإذا هي عند منتصف الليل تسمع صوتاً مخيفاً يسألها: ” هل أقوم؟ ” وتكرر السؤال ثلاث مرات، ولكنها لم تبال به، وفي اليوم الثاني استمتعت مع أولادها بسعة الدار وما فيها من فرش وأثاث، ثم نامت هانئة، وعند منتصف الليل تكرر السؤال، فأهملته واستغرقت في النوم، ولما كانت الليلة الثالثة أحضرت عصا غليظة وضعتها إلى جوارها، ولما سمعت السؤال طوحت بالعصا بأقصى ما تستطيع من قوة صوب الصوت، وإذا بشيء ضخم صلب يسقط على الأرض تاركاً دوياً عظيماً، فنامت مطمئنة، وفي الفجر استيقظت لتجد على الأرض عموداً من ذهب، فأدركت عندئذ أن الدار كانت مسكونة بعفريت مرصود، وأن ساكنيها أرادوا بيعها للتخلص منها، وأدركت أيضاً أن زوجها قد هرب من الدار خوفاً، ومرت أربعة أيام وإذا زوجها يقرع الباب ليطلب منها أن تعود مع الأولاد إلى الدار القديمة، لأنه لا يملك في الحقيقة ثمن الدار، فدعته إلى الداخل وأطلعته على عمود الذهب، فكسر قطعة منه واشترى الدار، وعاش مع زوجته والأولاد في سعادة ورخاء.
ويتضح العجيب في ذلك الكائن المجهول الذي لا تراه المرأة إنما تسمع صوته، ومن المتوقع أن يكون شريراً يريد بها السوء والأذى، وإذا هو كنز مرصود لها، وهو قوة مجهولة غريبة تمتلك القدرة على التحول إلى ذهب، انطلاقاً من قوة الرصد والسحر والجن، كما يظهر العجيب في هذا التحول من حياة البؤس والفقر والحرمان إلى حياة الغنى والوفر، بفضل قوة مجهولة .
 والحكاية تعبر عن حلم الفقراء بالخلاص من الفقر، وهو محض حلم، لا يحمل شيئاً من الوعي بالفقر والإدراك لأسبابه ومعرفة سبل الخلاص الواقعية، فالحكاية تتوهم الخلاص في شكل ساخر وأهم عماده الحظ والسحر والجن، وليس الفعل الواقعي الصحيح، وهي بذلك تعبر عن خيال يستند إلى الرغبة والتعويض.‏
 والحكاية تجمع الوهم الجميل، والخيال الخصيب، إلى السخرية المرة، والألم الفاجع، فتصور حرمان المرأة من أسباب المتعة والزينة والحياة الرغدة، ثم تصورها وهي تنعم بأقصى أشكال المتع من طعام وشراب وسكن وفراش وأثاث ورياش وحرير وذهب محققة أبعد أشكال الوهم والحلم.‏
والحكاية تؤكد عدة قيم في المرأة، فهي صابرة على فقرها، وهي شجاعة في مواجهة المجهول، وهي حكيمة في تصرفها، وهي ذات حظ جميل، ولكنها في الوقت نفسه تصورها جاهلة بواقعها تحلم بالعقود والحلي والأساور متناسية فقر زوجها.‏ وهكذا فالحكاية ترد الغنى ووفرة المال إلى الحظ والسحر والجن، وتنسى استغلال الأغنياء وسيطرتهم على الأموال وتحكمهم في الأسواق والأسعار والأجور.‏
عجيب التحولات المتتالية
ومن العجيب ما هو مبني على سلسلة من التحولات في الحيوان والنبات والإنسان، وغالباً ما يكون هذا التحول من البؤس والشقاء إلى النعيم والسعادة، ويكون جزاء عمل خير ومكافأة على أخلاق نبيلة، ومن ذلك حكاية تروي أن حطاباً كان يحمل كل يوم فأسه، ويمضي إلى الغابة،‏ وكان من عادته أن يحمل معه ناياً، وبعد أن يقتطع الأحطاب، يقعد في ظل شجرة ليستريح، ويأخذ بالعزف على الناي ليسلي نفسه، وذات يوم هطل مطر شديد، فأوى إلى كهف، وأخرج الناي، وبدأ يعزف عليه، فبرزت له من جحر أمامه أفعى، وأخذت تقترب منه شيئاً فشيئاً، وهي تتمايل نشوى، وانتفضت، فإذا هي صبية حسناء، تقول له:‏ “اعزف، ولا تخف”،‏ فأخذ يعزف، والصبية تصغي إلى عزفه بكل جوانحها، ثم رمت إليه بصرة فيها دنانير ذهبية، ورجته أن يأتي كل يوم إلى المكان نفسه، لتستمتع بعزفه، وظل الحطاب والأفعى على هذه الحال أشهراً، وقد تعاهدا على أن يكونا أخوين، لا يجمعهما سوى نغم الناي الحزين.‏
وذات يوم أراد الحطاب أن يؤدي فريضة الحج، فدل ابنه على موضع الكهف، وأوصاه بتلك الحسناء خيراً، ونصح له أن يحفظ ما بينهما من عهد، ولا يفكر بنيل شيء منها، وإلا خسر، وأخذ الفتى بوصية أبيه، ولكنه كان يحسّ بميل إليها، وذات يوم راودها عن نفسها، فنصحت له ألا يقترب منها، ولكن هواه غلبه، فهمّ بها، فإذا هي تنقلب أفعى، وشد عليها قبضته، واندفعت تريد الخلاص منه، وإذا ذيلها ينقطع، فالتفتت إليه، ونفخت عليه، فاستحال رماداً.‏
 ورجع الأب من الحجاز، فلم يجد ابنه بين المستقبلين، فحمل نايه ومضى إلى الكهف، وأخذ يعزف، فخرجت إليه الحسناء، وهي تعرج، فدهش، فأخبرته بما كان، ثم أعلمته أنها ابنة ملك الجان، ولما رأى رجلها قد قطعت وعرف علاقتها مع الإنس، نقم عليها، وطردها من قصره، فهي الآن مشردة، ولا تملك شيئاً، فأكد الرجل أنه لا يريد منها سوى أن تصغي إلى عزفه، ولما رأت منه ذلك الوفاء، قدّمت إليه ذيلها المقطوع، ثم طلبت منه أن يغرسه في فناء الدار، ورجع كعادته، يمضي كل يوم إلى الكهف، يعزف لتلك الصبية الحسناء، وهو لا يريد منها شيئاً.‏
وذات يوم فوجئ بالذيل المغروس في فناء الدار، قد نبت في موضعه شجرة صغيرة، تفتحت عن جوهرة كبيرة، نزل بها إلى السوق، فباعها واشترى بثمنها الطعام والثياب، وفي كل يوم كانت الشجرة تزهر جوهرة، يبيعها، حتى اغتنى الحطاب، وامتلك محلات ودكاكين، وأصبح من كبار التجار.‏
 وذات يوم سأله التجار عن مصدر ثروته، فقال لهم: ” إذا عرفتم مصدر ثروتي، فإن مالي كله حرام عليّ، حلال عليكم”، وأعطاهم مهلة عشرة أيام، وكادت الأيام تمضي ولكن من غير أن يحصلوا على جواب، ولكن أحدهم لجأ إلى عجوز، وطلب منها أن تدخل على زوجة الحطاب، وتحاول معرفة مصدر الثروة، ودخلت هذه العجوز على زوجة الحطاب، وأسمعتها كلمات حلوة، أثرت فيها وأخذت تسألها شيئاً فشيئاً عن زوجها وعمله، فحدثتها الحديث كله، وفي الموعد المحدد التقى التجار، ودخل عليهم الحطاب وهو مطمئن إلى أن أحداً لم يعرف مصدر ثروته، ولكن تاجراً قال له: “مصدر ثروتك الصبية الحسناء، التي تعزف لها كل يوم في الكهف “، وتنازل الحطاب عن ثروته كلها لذلك التاجر، وقصد على الفور إلى الكهف.‏
 وحدّث الحطاب الصبية الحسناء بما كان، فأخبرته أن حظّه في بستان ” السعود”، ثم زودّته ببكرة من لخيطان، ألقاها، فأخذت تتدحرج، وهو يتبعها، حتى بلغ شجرة تين، هم بقطف تينة، ولكن الشجرة قالت له: “دعه، فهو سام هالك”، فتركها، وتابع رحلته، وبينما هو في الطريق رأى ابنة ملك تطل من شرفة قصرها، أدهشه جمالها، حياها، فردت عليه بتحية أحسن من تحيته، ثم تبين له أنها عمياء، وتابع طريقه، حتى بلغ بحراً يقع وراءه “بستان السعود”، فحار في أمره كيف سيقطع البحر، وظهرت له سمكة، عرضت عليه أن تنقله إلى بستان السعود على شرط أن يبحث عن حظها في ذلك البستان، إذ إنها شقية بما كتب عليها من أن تطفو على سطح البحر، ولا تتمكن من الغوص فيه، فيظل ظهرها معرضاً للعواصف والشمس والرياح.‏
 ودخل الحطاب البستان فذهل مما رأى، فثمة أناس يرقصون، وآخرون يبكون، بعضهم في الظلال الرطبة، وأمامهم الأنهار، وبعضهم غارق في المياه العكرة الآسنة، ثم رأى شاباً يرقص ويغني، فسأل عنه، فعرف أنه حظ صديقه التاجر الذي سلبه ماله كله، فسأل عن حظه هو، فأشاروا إلى رجل غارق في الوحل، فأسرع إليه، فأخرجه إلى الشاطئ، ثم غسله بالمياه، وألبسه الثياب الجديدة، ثم سأل عن حظ السمكة، لماذا لا تغوص؟ فأخبروه أنها كانت قد ابتلعت جوهرتين كبيرتين، وما عليها إلا أن تقذفهما، ثم سأل عن ابنة الملك، لماذا هي عمياء؟ فأجابوه بأن بصرها سيعود إليها إذا هو تزوجها، ثم سأل عن التينة، لماذا ثمرها سام، فعلم أن تحت جذرها سبع جرار مملوءة ذهباً، متى استخرجها، عاد ثمرها حلواً.‏
 وأسرع الحطاب إلى الشاب الذي كان مستغرقاً في الرقص، فحمله، ثم رمى به في الماء العكر، وهو يمثل حظ التاجر الذي سلبه ماله، وفي تلك اللحظة بدأ الشاب الذي اخرجه من الوحل بالرقص ، وهو يمثل حظه، ثم قدم إلى شاطئ البحر فبرزت له السمكة، فطلب منها أن تنقله إلى الشاطئ الآخر، وهناك أخبرها عن الجوهرتين اللتين في جوفها، فقذفتهما على الفور، وغاصت في البحر، فحملهما الحطاب ومضى، ثم مرّ بابنة الملك، فأخبرها أن بصرها سيرجع إليها إذا قبلت به زوجاً لها، فوافقت، وكان الزواج، فارتدّت بصيرة، فأخذ ها ومضى إلى شجرة التين، وبادر على الفور إلى الحفر عند جذعها، واستخرج جرار الذهب لنفسه، فأصبح ثمرها حلواً، ومضى مع زوجته ابنة الملك حتى بلغ مدينته.‏
 وهناك اشترى قصراً ودكاكين كثيرة، ورجع إلى السوق، ودهش التجار لما رأوا تلك الأموال التي فاقت ثروته الأولى، ولما سألوه عن المصدر، عرض عليهم عرضه السابق قائلاً: “مالي كلّه حلال لكم، إذا عرفتم مصدره”، أما إذا لم يعرفوه، فإن أموالهم كلها ستؤول إليه، فوافق التجار، ووضعوا مدة عشرة أيام، بتحريض من التاجر الذي كان قد عرف مصدر الثروة أول مرة، وعلى الفور أرسل ذلك التاجر العجوز نفسها إلى منزل الحطاب، فرحّبت بها زوجته، وحاولت سؤالها عن مصدر تلك الثروة، ولكنها لم تظفر بشيء.‏
 ومرت الأيام العشرة، ولم يعرف أحد من التجار مصدر ثروة الحطاب، فتنازلوا له جميعاً عن ثروتهم، ولكنه كان أكرم منهم، فرد عليهم أموالهم، ثم قصد إلى الكهف وأخذ يعزف على الناي، فبرزت له الصبية الحسناء، وأخبرته أن هذا هو آخر لقاء بينهما، فقد تقدم إلى خطبتها ابن عمها، ورضيت به زوجاً لها، ورجته ألا يرجع بعد اليوم إلى الكهف، وكانت زوجة الحطاب الأولى التي باحت بمصدر ثروته قد نال منها المرض، ندماً على بوحها بمصدر ثروة زوجها، فاعتلت وماتت، وهكذا عاش الحطاب مع زوجته ابنة الملك التي شفاها من العمى، وسعدا معاً بالحياة.‏
 والحكاية تكشف المفارقة الكبيرة بين عالم المدينة وعالم الغابة، فهنا البراءة والنقاء والصدق، والكسب بوساطة الجد والكدح والتعب، حيث الجنّ تتعاطف مع البشر وتحبهم، وهناك، في عالم المدينة، الخداع والكذب والغش، والكسب بوساطة التجارة والتزييف والكذب، حيث الإنسان لا يحب أخاه الإنسان بل يمكر به، والحكاية تدين مجتمع المدينة وما فيه من زيف، وتنتصر لمجتمع الغابة وما فيه من صدق، وهي تعبر عن حنين جارف إلى هذا المجتمع، بوصفه عالماً قديماً تحوّل عنه الإنسان.
 والحكاية تدل بصورة غير مباشرة على الفن النقي الصافي المبرأ عن الأهواء والأغراض، وبه يتحقق السمو والخلاص، فالحطاب يعزف للصبية الحسناء، ويظل يعزف لها بعد موت ولده بسببها، وبعد انقطاع عطائها له، وهو لا يريد سوى العزف والجمال، ولا يحدث بينهما شيء من صلة أو علاقة، خلاف ولده الذي تطلع إلى شيء من هذا فاحترق.‏
والحكاية مبنية على حكاية عربية قديمة معروفة قبل الإسلام، ذكرها النابغة الذبياني في قصيدة له مطلعها:

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان