ثقافة شعبية

الرثاء الحسيني بين الأصيل والدخيل

الحلقة الاولى

رامي احمد كاظم الغالبي

 

المقدمة
الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه حمداً كثيراً دائماً أبداً لا تحصي له الخلائق عدداً وصلاته وسلامه على خير خلقه احمد وعلى آله الغر الميامين صلاة وسلاماً دائماً سرمداً, أما بعد.
لا ريب بأن القصيدة الحسينية كانت ولا زالت لها حضور فاعل وصدى طيب في استحضار واقعة الطف الأليمة, وما جرى على أبي الأحرار وعائلته.
كما أن القصيدة الحسينية تحمل في مضامينها مسؤولية الحفاظ على روح الثقافة الحسينية، من خلال استعراض الجوانب المهمة للنهضة الحسينية، من مقارعة الظلم إلى الصبر إلى الإيمان إلى الصدق إلى الوفاء إلى كل المعاني والمعطيات التي أفرغت على ثرى الطف.
لكن وبعد التطور الذي دخل إلى العراق وخاصة بعد سقوط النظام البعثي, دخل التطور إلى جميع مفاصل الشعب العراقي, وفي كافة مفاصله الاجتماعية, ومنها الشعائر الحسينية, وبالأخص القصيدة الحسينية من أمور الهندسة الصوتية والفيديو كليب وما شابه هذه الأمور.
وبطبيعة الحال منهم من استغل التطور نحو الأفضل لتطوير القصيدة الحسينية, ومنهم من استغلها نحو الأسوة لتشويه القصيدة الحسينية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر مقصود أو من غير قصد.
وهنا بيت القصيد , لذا ارتأينا أن نسلط الأضواء على هذه المسألة المهمة وطرح موضوع ((الرثاء الحسيني بين الفكر الأصيل والفكر الدخيل)), ونرى ماهية الأسباب التي أدت إلى تحول القصيدة الحسينية إلى القصيدة الغنائية بالعنوان الحسيني إن صح التعبير.
لذا قسمت بحثي إلى ثلاثة مطالب :ـ
المطلب الأول: تبيان السند الشرعي في الكتاب والسنة للشعائر الحسينية ومنها الرثاء الحسيني.
المطلب الثاني : نوضح فيه الفكر الأصيل والمعتدل في طرح القصيدة الحسينية الهادفة.
المطلب الثالث :ـ نبين فيه الفكر الدخيل على الشعائر الحسينية وبالأخص القصيدة الحسينية وأسباب تغلغله في الوسط الشيعي.
من دون طرح أي اسم لأي رادود, بناءً على توجيهات المرجعية الرشيدة لنا عند استشاراتها في طرح هذا الموضوع على ساحة النقاش العلمي, فرب كناية ابلغ من التصريحِ.
علماً أن ما سأطرحه من محاولةٍ وجهدٍ لا فضل لي فيهما بأي مقدار يذكر, وإنما الفضل كل الفضل للذين سبقوني من مراجع دينٍ أكابر وخطباء المنبر الحسيني الأجلاء, ومن اهتموا بالقضية الحسينية من كتاب ومفكرين.
وما أنا إلا مكرر لهذه المحاولات, شاكراً لمن سبقوني مقراً لهم بالإجلال والاحترام.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد الأمين وعلى آله الغر الميامين.
المطلب الأول
السند الشرعي لإقامة الشعائر الحسينية والرثاء الحسيني
هناك استدلالات عديدة لجواز إقامة المأتم الحسيني والرثاء وبيان الأذى الذي تعرض له آل بيت المصطفى ((عليهم أفضل الصلاة والسلام)) نستدل بها على مخالفينا الذين يرون أن إقامتها بدعة، ومن هذه ما ورد في القرآن الكريم ومنها ما ورد في السنة النبوية المطهرة .
أما الأدلة الواردة في القرآن الكريم فمنها :ـــ
1. قوله تعالى : (( ذَلكَ وَمَن يعَظّمْ شَعَائرَ اللَّه َفإنَّهَا من تَقوَى القلوب )) “1”، باعتبار أن شعائر الله سبحانه هي أعلام دينة ، خصوصاً ما يرتبط منها بالحج ، لأنّ أكثر أعمال الحج إنما هي تكرار لعمل تاريخي وتذكير بحادثة كانت قد وقعت في عهد إبراهيم (عليه السلام) ، وشعائر الله مفهوم عام شامل للإمام الحسين (عليه السلام ولغيره من آل البيت الكرام.
فكما أن ذكرى ما جرى لإبراهيم ((عليه السلام)) من تعظيم شعائر الله سبحانه ، كذلك تعظيم ما للإمام الحسين “عليه السلام” يكون من تعظيم شعائر الله سبحانه .
2. قوله تعالى : (( ذكرهم بأَيَّام اللّه )) “2” ، فإن المقصود ، بأيّام الله ، أيّام غلبة الحق على الباطل ، وظهور الحق ، وما نحن فيه من مصاديق الآية الشريفة ، فإن إقامة الذكريات والمواسم فيها تذكير بأيّام الله سبحانه ومنها قضية عاشوراء التي كانت ولازالت قضية حق أما باطل انتصر فيها دم المظلوم على سيف الظالم.
3. قوله تعالى : (( قل لَّا أَسأَلكم عَلَيه أَجرًا إلَّا الْمودّةَ في القربى))”3″ ، بأن مودة ذوي القربى مطلوبة شرعا ، وقد أمر بها القرآن صراحة ، فإقامة الاحتفالات للتحدث عمّا جرى للأئمة “عليه السلام” لا يكون إلاّ مودةً لهم … إلاّ أن ما يدّعى أن المراد بالمودة الحب القلبي ، ولا يجوز الإظهار .

1. سورة الحج / آية 32 .
2. سورة إبراهيم / آية 5.
3. سورة الشورى آية 23.

أما ما ورد في أحاديث المعصومين ((عليهم السلام)) في الحث على إقامة المجالس الحسينية فقد وردت فيه أخبار كثيرة ، بل متواترة ، وهي على طوائف، منها:
1. ما ورد أن البكاء على الإمام الحسين ((عليه السلام)) يوجب غفران كل ذنب، كصحيح الريان بن شبيب عن الإمام الرضا عليه السلام في حديث : ((يابن شبيب ، إن كنت باكياً لشيء فابك الحسين بن علي ((عليه السلام))، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله)) إلى أن قال ((يا بن شبيب ، إن بكيت على الحسين عليه السلام حتـّى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً)) “1”
وخبر الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام: ((من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر) نفس المصدر الحديث”2″.
2. ما ورد أن البكاء عليه يوجب غفران الذنوب العظام ، كخبر إبراهيم بن أبي محمود ، عن الرضا عليه السلام في حديث: ((فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإن البكاء عليه يحظ الذنوب العظام)”3″.
. ما ورد أن البكاء عليه يمنع دخول النار على الباكي، كخبر الفضيل وفضالة عن أبي عبد الله عليه السلام: ((من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرّم الله وجهه على النار))”4″.

1. الفقيه المُحْدّثِ الشيخُ مُحمّدْ بن الحسن الحُر العاملي, وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة, تحقيق مؤسّسة آل البيتِ عليهم السلام لإحياء التُّراثِ, الجمهورية الإسلامية إيران, ط11412هـ. ج10 ص393، حديث 55 باب66 من أبواب المزار.2. المصدر نفسه , حديث 1.
3. المصدر نفسه ، حديث 8 .
4. المصدر نفسه حديث 19.

5. ما ورد أن البكاء عليه يُسعد فاطمة سيدة نساء العالمين ((عليها السلام)) ، كما في خبر أبي بصير عن أبي عبد الله ((عليه السلام)) في حديث: ((يا أبا بصير، إذا نظرت إلى وَلَدِ الحسين عليه السلام أتاني ما لا أملكه بما أُوتى إلى أبيهم وإليهم, يا أبا بصير، إن فاطمة عليها السلام لتبكيه وتشهق إلى أن قال يا أبا بصير ، أما تحب أن تكون فيمن يُسعد فاطمة عليها السلام ، فبكيت حين قالها، فما قدرت على المنطق، وما قدرت على كلامي من البكاء))”1″
فبالدمع يمتزج العقل بالمحبة ، والبرهان بالعاطفة ، فتدخل الولاية في الوجدان كما دخلت في القلب، ليكون الإنسان مدفوعاً للتمسك بهم شعوراً وقلبهاً بعدما كان متمسكاً بهم عقلاً.
و البكاء ممدود ومقصود، يأتي مع الهمزة وبدونها ، فالبكاء مقصود خروج الدمع من العين ، والبكاء ممدود خروج الدمع مع الصوت ، وإذا خرج مع الصراخ فهو العويل.
والبكاء من سبعة أمور: الحزن، الفرح، الخوف، الفزع، الشكر، خشية الله ، ومن الرياء.
والبكاء من الرياء كبكاء إخوة يوسف ، قال تعالى (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ)”2″ ، وباقي أقسام البكاء معروفٌ عند الجميع.
وحقيقة الأمر أن أعظم أقسام البكاء ثواباً هو الخشية من الله، ففي الخبر ((كل عين باكية يوم القيامة إلاّ ثلاثة أعين : عينٌ بكت من خشية الله ، وعينٌ غضّت عن محارم الله ، وعينٌ باتت ساهرة في سبيل الله))”3″ .

1. الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي , كامل الزيارات, تحقيق الشيخ جواد القيومي, الطبعة الأولى , مؤسسة النشر الإسلامي 1417هـ ص169 ـ 171 ، باب 26، حديث9.
2. سورة يوسف/ آية16.
3. وسائل الشيعة ج11 ص117، حديث8، باب 15، من أبواب جهاد النفس.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان