الحقيقة / قسم التحقيقات
إن تبحث عن العوالم السحرية وصور حياة لم تعشها لكنك قد تكون سمعت عنها في الحكايات والأساطير التي تحتفظ بها ذاكرة المدن العراقية ، ما عليك إلا أن تتصفح أوراق الفاو القديمة ، تلك الأوراق التي لم تقرأ فصولها بعد ففيها من الفانتازيا ما لم يحمله كتاب ، صحيح أن وجهها قد تغيّر كثيراً إلا أن حكاياتها ما زالت مُخبّأة في صدور شيوخها وعجائزها .. كانت الفاو في أواخر القرن التاسع عشر عبارة عن بستان كبير سكنه أفراد يطلق عليهم اسم ( النياندة ) أي النجديون ، وهم قوم اشتغلوا في التجارة ووجدوا في الفاو محطة لهم لهم في تنقلاتهم ففتحوا فيها شارعاً تضيؤه الفوانيس المعلّقة على أعمدة ( الجندل ) . في وحشة ذلك المكان المكتظ بالزرع بدأت المدينة تلتقط أول انفاسها ولأنها منطقة بعيدة فقد أصبحت فيما بعد منفى ومعتقلاً لفئات سياسية مختلفة في العهدين العثماني والملكي مثلما هو الحال ومنطقة السلمان في أطراف السماوة . •
طوب الفاو العثماني والبارجة الإنكليزية
بعدما انقضى العقد الأول من القرن الماضي ، وحينما بدأت دولة الرجل المريض ( العثمانية ) تفقد معظم أراضيها وممتلكاتها ، بدأت نوايا بريطانيا في احتلال العراق ، وازدادت الأطماع في ذلك الكنز العظيم ، موقع جغرافي متميز ، أراضٍ خصبة ، وسوق كبيرة يمكن أن يمتص ما ينتجه الغرب بعد الثورة الصناعية الكبرى . وسرعان ما جاء عام 1914 حتى دخلت الخليج العربي قوات إنكليزية كاسحة ، لم يكن في حامية الفاو آنذاك غير قلعة يتحصّن فيها ( طوب ) عثماني ( الطوب : المدفع ) ما كان ليستطيع مقاومة القوة الهائلة التي قذفت بها أمواج الخليج المتلاطمة وصخب جنود ( الكركة ) المنتزعين من وطنهم وهم اناس هنود استقدمتهم قوات الاحتلال من الهند ( وهي مستعمرتهم ) بحجة تشغيلهم بعد أن دبّ هناك الفقر والجوع ، لكنهم اكتشفوا بعد حين ما هم إلا وقود لحربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل ! هذا المشهد الذي ذكرت بعض فصوله كتب التاريخ بينما احتفظت بجزئه المطوّل ذاكرة المدينة عاد مجدداً في الربع الأول من القرن الذي تلا الاحتلال الأول ، وكأن التاريخ يعيد دورته بذات الوجوه وبأساليب أخرى ، والفاو التي لم تر طائرة إلا طائرة شركة الـ ( بي بي سي ) في مطارها القديم في ستينيات القرن الماضي ، رات هذه المرة عشرات الطائرات الهليوكوبتر وهي تحط على جسدها النازف مثل تلك التي رأتها في أيام حرب الثمانينيات . أيام قلائل من شتاء عام 1914 وتصبح الفاو أول مدينة عراقية تحتلها قوات الأنكليز لتكون مثابة الأنطلاق حيث مدن العراق الأخرى ، وطويت صفحة العثمانيين إلى الأبد لتبدأ الفاو حياة أخرى .
آراء ومسمّيات
أحياناً ، يحلو للمرء أن يعرف سبب التسميات ، وهو أيضاً فضول يبعث المتعة في اكتشاف شيء ناهيك عن الفائدة . لكل شيء أسم ، ولكل اسم معنى ، والمعنى أن يدلّك هذا الاسم على ماهيته .. وكثير من الأسماء أطلقت لأسباب ، والأسباب مختلفة .. وقد تختلف الآراء في هذا الاسم أو ذاك ، وكذا الحال بالنسبة لتسمية الفاو بالأسم هذا .. وما نذكره هنا لا يعدو كونه مجرد آراء وتخمينات استللناها من ذاكرة الذين عاشوا أيام مدينتهم القديمة . هناك من يقول ، أنه اسم باخرة أجنبية جنحت عند مشارفها في الخليج العربي ، كان اسم السفينة ( فاو ) وأخذت منها هذه التسمية. وهناك رأي آخر ، في إن بحارة إسبان وصلوا إلى شمال الخليج العربي بعد أيام مجهدة وأجواء عاصفة حيث كان الخليج يومذاك عنيفاً ، مزمجراً .. كان البحارة يتوقون شوقاً لرؤية اليابسة وإذا بأحدهم يصرخ وهو يشير إلى الفسحة الممتدة أمامه والتي تبدو اليابسة في نهايتها مثل نقطة صغيرة سوداء .. صاح : ( فاو .. فاو ) وهو يعني الخبز ، أو الأرض . ولكن هناك رأي ثالث يقول : أنها سمّيت بذلك نسبة إلى ( الفيء ) – الظلال – وهي حقاً أرض تظللها الأشجار من شتى الأنواع .. وتحولت فيما بعد مفردة ( فيء ) إلى ( فاو ) ، حيث اعتادت الذاكرة الجمعية الشعبية أن تنحت مفرداتها بما هو أسهل وأيسر .
بقايا الفاو القديمة
لم يبقَ من الفاو القديمة سوى بعض الشواهد التي تحكي قصص أبنائها ، فإن عملية اعادة البناء للمدينة ما أضرّت إلا أولئك الباحثين عن ذكرياتهم وطفولتهم ، فكل شيء جميل داسته بساطيل الجنود وحرقته نار الحرب .. ما بقي من المدينة ، جامع السوق الكبير ، ما زال كما كان ، شامخاً ، منتصباً ، تحمل منارته العالية ثقوب شظايا الحرب وكتابات أعجمية شوّهت جدرانه الداخلية .. وهناك أيضاً ملعب الفاو ، بمدرجاته التي ما زالت تحمل صخب مجاميع التلاميذ وهم يحضرون كرنفال المدارس الابتدائية ( الاستعراض التمهيدي والاستعراض الكبير ). وهناك ( كازينو الفاو ) العائم الذي يطفو فوق صفحة الماء لكنه الآن التصق بالطين وابتعد عنه الشط ، ومن الكازينو تستطيع أن تشاهد أشجار الحديقة ( حديقة الخليج ) التي كانت مكاناً ترفيهياً لشباب الفاو وهناك أيضاً سدرة بيت الحاج أحمد القصاب في منطقة الجبيلة والتي يعرفها الجميع ، باقية للآن . كل الأنهار طمرت ، نهر الجبيلة ، نهر حوز الميناء ، وتفرعات أخرى استعيض عنها ببحيرة خاملة ترقد الآن ميتة قرب ساحة الأحتفالات . وهناك أيضاً محطة الوقود ( البانزينخانة ) لم يبقَ منها سوى صهريج صدئ وقد ثقبّه الرصاص . الشارع الوحيد الذي بقي من الفاو القديمة هو شارع الفاو الجنوبي الذي يقودك إلى المملحة .. وقلّما تجد أرضاً تنتج أملاحاً مثل أرض الفاو .. أرض تحمل النقيضين الخصب والملح ! لم تمت الفاو القديمة ، هي صورة نقية وجميلة باقية في ذاكرة أهلها . •
مدارس الفاو القديمة
أغلب أبناء الفاو تلقوا تعليمهم في مدرستها المركزية : (مدرسة الفاو الابتدائية للبنين ) وهناك مدرسة أخرى للبنات بنفس الاسم .. أسستا بعد انجلاء عصر الكتاتيب والملاّ .. ولأن الفاو صغيرة فأن مدراسها تشكّل وحدة مكملة ومتجانسة معها .. فالمؤسسة التعليمية والتربوية تكمّل ما تقدّمه العوائل لأبنائها .. لهذا فإن المعلمين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالمجتمع والمعلم يقف في قمّة الهرم الاجتماعي ، فهو المعلم والمربي ، ولن تجد تلميذاً يرى معلمه في شارع دون أن يهرب عن أنظاره ومن مدارس الفاو أيضاً مدرسة التهذيب وحضرموت ومدارس اخرى ظهرت في السبعينيات مثل ( الأحواز وجنين – وهي متوسطة كان يدرّس فيها الفنان المبدع جابر ميرزا ) . وهناك أيضاً مدرسة الدورة في ناحية البحار ومدرسة الفاو الجنوبي .. مدارس علّمت الكثيرين أبجدية الحياة . •
لهجة أهل الفاو
مثلما لكل مدينة عراقية لهجتها التي تمتاز بها ، فإن الفاو تميزت بلهجة اخترقتها بعض المفردات الواردة من دول مجاورة بحكم موقعها الجغرافي – الحدودي – الملاصق للخليج وإيران .. فالفاويون يتلهجون بالخليجية وإذا استعرضنا المفردات ستجد التشابه الكبير مع كثير من مفردات أهل الكويت وساحل الجزيرة العربية . وقد لا تستطيع فك طلاسم اللهجة إذا التقيت بفاوي من الطراز الأول وهو يقول لك ( أصطبي نِجّونه هَسِتْ مامِنْ ! ) .. وترجمتها الحرفية : ( أنظر قليلاً ولا أرى شيئاً !! ) . وكذلك الحال مع مفردات أخرى ، فهم مثلاً لا يطلقون على الكبير ( الجد ) أو ( الجدة ) هذه التسمية أنما يطلقون عليهما ( بابا العود ) و( ماما العودة ) والعود بمعنى الكبير.
راس البيشة وعلم عبيّس
المثلث الأرضي ، المتوّج بالماء ، ذو المنقار الطيني الذي يغوص بزرقة الخليج ، يشبه إلى حد ما رأس بطة ، هو رأس البيشة : (البشّة في لهجة أهل الفاو : البط ) هناك شيّد الفاويون فنارهم ، من حكاية يعرفها الجميع ، وتوارثها الأبناء عن الآباء حين قادت الأقدار الصياد ( عباس ) وولده الصغير إلى لجّة البحر وهما في زورقهما الصغير ، انطبق البحر عليهما في شتاء بارد ، حاول الأب ( عباس ) أن ينقذ ولده فاستطاع لكنه لم يستطع أن يتجنّب الكارثة فابتلعه الخليج وصار المكان الذي غرق فيه يُعرف باسم ( علم عبيّس ) و( عبيّس ) هو تصغير وتحبيب للأسم ( عباس) ومنذ ذلك الحين راح الناس يزورون المكان فاشتهر بهذا الاسم حتى الوقت الذي شيّدت فيه إدارة الموانئ فنار رأس البيشة الذي يهدي السفن إلى مرفأ آمن •
كدو الفاو
إن لم تزر الفاو من قبل وزرتها الآن ستجد بقايا ذلك التاريخ الموغل في البعيد ، في المقهى الشعبي تجد الشيوخ يدخّنون ( الكدو ) وهو أشبه بالنارجيلة المعروفة في مدن العراق الأخرى لكنه يختلف عنها ببعض مكوناته : فالـ ( شيشة ) مصنوعة من الفخار يخترقها ثقب توضع فيه عصا بدلاً من المبسم ( القامجي ) .. والكدو معروف لدى أغلب دول الخليج وإيران واستخدمه الفاويون في رحلات الصيد والغوص حين كانوا يغيبون عن المدينة اسابيع . لا تستطيع أن تستخدم ( الكدو ) إلا جالساً على الأرض ، لهذا فإن مقهى الفاو الوحيد يفترش الأرض عدا مصطبة واحدة أعدّت للزائرين . ومدينة لفاو احتفظت بهذا التقليد .. أما عن التبغ المستخدم في الكدو فهو ذات التبغ الذي يستخدم في تدخين النارجيلة•
مكيد الفاو
المكيد هو المكان الذي تعقد فيه الجلسات الخاصة بـ ( الزيران ) وهذه الجلسات يتم فيها استنطاق الجن الذي يتخذ من الجسد البشري سكناً له ووعاءً ومن ثم ترويضه كي لا يؤذي صاحب ذلك الجسد ! .. وقد عرفت الفاو حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي تلك الطقوس التي تصاحبها التراتيل الخاصة والدفوف والمراويس وتذبح خلالها الأضحية (القرابين) وتقدم الهدايا للمتسلطين على البشر من أقوام الجن .. وصاحب المكيد أو صاحبته هو الذي يسكنهُ جنّي متنفّذ ، كأن يكون شيخاً أو سيّداً لقومه ، ويسمى ذلك الرجل ( البابا ) بينما تسمى المرأة ( الماما ) . وهناك في الفاو عدد منها وقد يكون مكيد ( أم سعيّد ) و ( أم خميّس ) الأشهر بينها في الفاو الجنوبي ، عالم فنتازي ساحر في كل شيء ، وهو مكان روحاني اكثر من كونه عيادة خاصة !! .. هناك لا يسمح للأطفال بالحضور أو المشاهدة أو حتى التقرّب من حرمه .. غرفة كبيرة مثل تلك التي يسمّيها أهل الفاو ( الديوانيّة ) ، لا تغادرها رائحة البخور طيلة ايام الإسبوع ، لكنها تشتد كثافة في مساءات الخميس حتى فجر اليوم التالي حيث يردد فضاء جنوب الفاو صدى النوبان والسامري والسادة .. اصوات مختلفة لدفوف وطبول ومراويس وغناء مبحوح يخترق البيوت القصب والبيوت الطين ! . حكاية الجن هذه ( مثلما وجدت في أوراق الفاو ) ليست من نسج خيال أنما هو واقع لم توقفه الحرب تلك التي لم تترك مكيد أم سعيّد وأم خميّس إلا أطلالاً وخرائب لكنك الآن قد تجد شجرة السدر في مكانها ، شاخت ولم تمت ، تطلّ بأغصانها حيث الزمان البعيد . وطقوس ( الزيران ) هذه ليست غريبة على منطقة الخليج العربي وقد تنفرد الفاو بها ولكن يوجد في مناطق البصرة القديمة والزبير بعض منها• تشتهر الفاو بزراعة النخيل والحناء ونظرا لطبيعة ارضها فهي تنتج الملح. احتلت الفاو من قبل إيران عام 1986 وتم تحريرها عام 1988 حيث اعيد بناؤها وعاد اهلها المهجرون بعد ذلك في عام 1989 . وكانت في الفاو شركة نفط البصرة المحدودة التي اممت وأصبحت تعرف بشركة النفط الوطنية العراقية حتى أصبح اسمها فيما بعد شركة نفط الجنوب .





_1617644865.jpg)



