ولد هنري دارغر (1892 /1973) في شيكاغو من أب ألماني مهاجر، فقد أمه وهو في سن الرابعة، فرباه أبوه ردحا من الزمن، ثم عهد بتربيته إلى مؤسسة كاثوليكية، قبل أن يودَع الطفل في مصحة للأمراض العقلية بمدينة لنكولن نظرا لاضطراب سلوكه، كما جاء في سيرته الذاتية “قصة حياتي”.
كانت المصحة تضم أكثر من ألف شخص يعانون أمراضا عقلية مختلفة، وكانت تضم أيضا بعض المنحرفين البسطاء. هناك شهد الفتى حالات عديدة من سوء المعاملة والتعنيف وحتى التعذيب، وطبعت في ما بعد رؤيته الفنية.
وفي عام 1908 توفي أبوه، فقرر أن يغادر المصحة بغير رجعة، ولم تمض سنة حتى تمكن من الفرار، وقطع مسافة 250 كلم مشيا ليعود إلى شيكاغو، حيث ظل يمارس أعمالا هامشية في المستشفيات كغسل الماعون وتنظيف الغرف والأروقة.
في الأعوام العشرة الأخيرة من عمره، لزم غرفته لا يغادرها إلاّ لماما، ولم يكن أحد يعرف كيف كان يقضي أيامه ولياليه إلاّ حين أرادت مؤسسة اجتماعية نقله إلى دار العجّز والمسنين قبل وفاته ببضعة أشهر. عندها فقط اكتشفت صاحبة الغرفة كيوكو ليرنر وزوجها أنه حوّل الغرفة إلى مستودع حاجيات، وأنه راكم في سرّية تامة طوال أعوام إقامتِه رصيدا ضخما من الآثار الفنية الغريبة والعجيبة.
عاش دارغر حياة رتيبة، حياة عامل بسيط، يمارس هوايته في أوقات فراغه بمعزل عن الناس، وعن الوسط الفني، ولم يكتشف المولعون بالفن تجربته إلاّ قبيل وفاته. تجربة تتمثل في رصيد هائل من أعمال جنونية لا تناسب ما يوصم به ذلك العجوز من بساطة تبلغ مبلغ البؤس.
هذه الأعمال تعكس تأثره العميق بالديانة المسيحية وانبهاره بالعواصف والحرائق، يتجلى فيها مزيج من العنف والرقة، وعوالم تتراوح بين جحيم جيروم بوش وبراءة الطبع الزائفة لـ”ساحر أوز” (قصة الأميركي ليمان فرانك بوم).
فخلف الحرب الدامية التي تدور رحاها بين جيوش لا تعرف الرحمة، يجسد دارغر معركة شرسة بين الطفولة والكهولة. إما بطريقة مباشرة حين يقوم من يسميهم الغلانديين بفَري بطون الأطفال، وإما من خلال المواربة والتلميح حين تقاوم البطلات الملونات المزهرات قوى شريرة متمثلة في رجال أشداء لهم هيئة عساكر أو مدرسين قساة.
فما يرسمه في الغالب هو تعبير مزعج يقف على حافة الكابوس الباتولوجي، وهو ما جعل النقاد يصنفون تجربته، في نوع من التعالي، بالفن الخام، أو فن “الآوت سايدر”، دون أن ينسوا أثر الأعوام التي قضاها في مصحة الأمراض العقلية. معرضه الأخير بمتحف الفن المعاصر بباريس ما كان ليرى النور، لو لم يتلق متحف الفن المعاصر هِبة بخمس وأربعين لوحة من كيوكو ليرنر صاحبة الغرفة التي عاش فيها هنري دارغر.
ويعطي المعرض فكرة واضحة عن العالم الذي بناه بدقة عالم الحشرات وصرامة المؤرخ. فكل عمل من أعماله يخضع لتفكير مسبق وسيناريو وشرح. فهو يرسم خرائط المعارك، ويتخيل أعلام كل جيش، ويرسم بورتريهات كل الشخوص، ويصف بتدقيق مفرط المخلوقات الغريبة التي نصادفها في ملحمته، وهو ما يبهر حقا لدى هذا الفنان العصي عن التصنيف.
فالواقعية الدقيقة التي يطبعها على مشاهده الخارقة للطبيعة -والهاذية في مجملها- تلخص وحدها الأناة التي تحلّى بها طوال تلك السنين، حيث ترك رواية من خمسة عشر ألف صفحة عنوانها “ممالك اللاواقع” وتجري أحداثها في كوكب متخيل يدور حول الأرض، تعترف مندوبة المعرض شوغاكيت كازاريان أنها عصية معقدة لم يستطع أحد إنهاءها، وتسرد قصة حرب لا تنتهي نشبت عند تمرّد أطفال مضطهدين من قبل شعب الغلانديين، وتحولت إلى ثورة يسندها الأنجلنيون، بطلاتها سبع بنات صغار الحجم بأعضاء تناسلية ذكورية يطلق عليهن اسم “بنات فيفيان”. كما ترك أعدادا هائلة من الرسوم المائية والرسوم العادية والكولاج.
فدارغر يتوسل بعدة تقنيات، من الكولاج الذي يسِم أشهر أعماله أي “معركة كالفرهاين” (وهي لوحة من ثلاثة أمتار طولا تمثل معركة الاستهلال في ملحمة تصوّر ثورة الأطفال العبيد)، إلى النسخ الكربوني عن الصحف والمجلات والأشرطة المصورة التي كان يجمّعها عن الحرب الأهلية الأميركية (1861 /1865) بين الشمال والجنوب، أو الحرب العالمية الأولى، ذلك أن عالمه الغريب يتغذى كثيرا من عالمنا نحن حتى ليكاد ينقلب صدى له، ولكن في انحراف مربك وغموض مريب.
ورغم ما في تجربة دارغر من خصوصية، فإنها نالت إعجاب مجموعة من الفنانين من بعده، وتركت أثرها في أعمالهم، نخص بالذكر منهم الأخوين جاك ودينوس شابمان وبول شان وبيتر كوفين، ونجد أثرها في أعمال بعض الكتاب المعاصرين كالأميركي جيس كيليرمان في رواية “الوجوه”، والفرنسي كزافييه موميغان في رواية “أميركان غوطيك”، ما يدل على أن سحره متواصل، ولا يزال مفعوله ساريا منذ أعوام.









