فنون

منطق اللامنطق السريالي.. التشكيلي المغربي إدريس بنادي نموذجا

قراءة : داود سلمان الشويلي

ما اجمل ان ياخذ شعورك راحة من رقابة العقل لفترة زمنية ، ويسود عندها منطق ( اللا منطق ) الخيال ، فيسوح بك في فضاءات وعوالم لم ترتادها مسبقا البتة ، فيقود عند ذلك منطق المخيال الشخصي ، والجمعي كذلك، في آن واحد ، فيكون بعد  امتزاج عالم الخيال بالابداع الحقيقي ناتجا رائعا هو لوحات من الفن التشكيلي . والفن السوريالي ” فوق الواقعي ” هو فن اريد به ان يعبر عن كل هذا ، عن الافكار ، والتصورات اللاشعورية المرتبطة بالعقل الباطن ، أي عن جميع الافكار والتصورات الخيالية المكبوتة في دهاليز العقل الباطن ، وكذلك الاحلام والكوابيس ،اي الابتعاد عن الواقع المعيش والاني ، والاستلهام من عالم اللاشعور المخزون في اعماق العقل الباطن ، والالية التي تحرك الفنان هي الية نفسية تلقائية بعيدة عن اي تحكم او رقابة خارجية ، ان كانت هذه الرقابة من العقل ، او من اي مصدر خارجي اخر. في هذه السطور سنقدم دراسة لاهم انجازات الفنان التشكيلي المغربي ادريس بنادي الذي يعتمد الافكار الاسطورية ذات الطابع السوريالي ليقدمها على شكل لوحات تشكيلية متميزة ، من منطلق “منطق اللامنطق ” في الفن التشكيلي ، وقد تعامل معها حاسوبيا.
 
يقول الفنان التشكيلي المغربي ادريس بنادي في حوار معه منشور عن الاساطير في فنه: (إنني شغوف برسومات الأساطير لأنها تترك فيك أثرا وتأخذك إلى عالم النشوة وتحلق بك في أفق غريب الرؤى والأحلام، فأنا متأثر بالأساطير العالمية. يقال في أسطورة عربية إن «تأبط شرا رأى كبشا في الصحراء فحمله تحت إبطه فجعل يبول طول الطريق عليه فلما قرب من الحي ثقل عليه فرمى به فإذا هو الغول». هذه الأسطورة أثارتني لأنها فكرة سوريالية فالأسطورة وليدة اللذة كما كانت وليدة الألم والخوف. أرسم لوحات للأساطير لتكون نافذة يطل من خلالها المشاهد على قبس من وهج التراث الإنساني ينير طريقه إلى المعرفة الإنسانية، وكما يقول سوفوكليس في أنتيجونا «إن هناك الكثير من العجائب الغريبة، ولكن ليس ثمة ما يفوق الإنسان عجبا».).
ونحن كذلك شغوفون بالاساطير التي نتلقاها من خلال النظر في لوحاته التشكيلية ،ذلك لانه انجز اربع مجاميع من اللوحات ، كل مجموعة تضم عددا من اللوحات التشكيلية، تشي بشيء من تجربته السريالية التي تعتمد الاساطير عالما لها ، لهذا نجده يسمي منجزه التشكيلي هذا ” تماثيل وهذيان” وهذه المجاميع هي:
– المجموعة الاولى التي تضم لوحات تشكيلية يمكن ان نسميها ” الفارس التائه ” حيث تشع المسحة الصوفية الباحثة عن عالم لا يمكن الوصول اليه إلا بالحلم .
– المجموعة الثانية التي تضم لوحات تشكيلية اطلق عليها  تسمية ” تشكيل على قماش” .
– المجموعة الثالثة ، و تضم لوحاته التشكيلية التي اطلق عليها تسمية ” اسطورة الكيلاني”.  
– المجموعة الرابعة التي تضم لوحات تشكيلية اطلق عليها تسمية ” لوحات مزيج من الصباغي والرقمي عنوانها اللبيدو او الهو ” .
واللبيدو هو الطاقة الحيوية, أو كامل الطاقة النفسية, المحركة للسلوك البشري.
و” الهو” هو الجزء الأساسي الذي ينشأ عنه فيما بعد الأنا والأنا الأعلى.ويتكون من جزئين: الأول هو جزء يضم الفطري من الغرائز الموروثة التي تمد الشخصية بالطاقة بما فيها الأنا والأنا الأعلى. وهناك جزء مكتسب، وهي العمليات العقلية المكبوتة التي منعها الأنا (الشعور) من الظهور.
ويعمل الهو وفق مبدأ اللذة وتجنب الألم، ولا يراعي المنطق والأخلاق والواقع، وهو لا شعوري كلية. ومن هذا الاساس راح الفنان بنادي يعتمد الاساطير ويصوغها باسلوب سريالي تشكيلي.
هذه المجوعات التي يضمها منجز الفنان بنادي قد طغى على رسمها اللون الازرق الذي يقول الفنان عليه : ( انه لون الماء و  السماء ) أي انه لون المطلق الذي يشكله وجود الماء بكثرة على الكرة الارضية ، وكذلك السماء اللامتناهية.
ان طغيان اللون الازرق على لوحاته هو دعوة للتخلص مما هو واقعي / آني والذهاب مع المطلق اللامتناهي، وهذا قد افاده كثيرا في ان يجعل من لوحاته قد طبعت بطابع اسطوري فريد .
 تتسم تجربة الفنان التي توزعت على المجاميع الاربع السابق ذكرها بسمات منها :
– ان اللغة التي يتكلم بها مع المتلقي هي لغة مجازية تأخذ من الاسطورة مفرداتها جميعا.
– في فنه التشكيلي تحريف لوني وخطي لما يرسم ، مما يقرب شخوص واشياء اللوحة الى عالم الاحلام والكوابيس ، فتأتي موضوعاته اسطورية في طرحها ، وباسلوب سريالي.
– اعتماده على اللون الازرق ومشتقاته، وذلك لتحديد البعد الثالث لاشياء اللوحة، واعطاء عمق اكثر.
– في رسم بعض أجزاء الجسم ، جعل شخوصه تبدو ذات طبيعة تحريفية، تشويهية ، مما جعلها تخرج عن إطار الشخوص الطبيعية الواقعية، وتدخل في اطار الشخوص الاسطورية .
– تشويه الشخوص ، وخاصة المراة ، ورسمها بنسب تشريحية غير جمالية مما منحها الطابع الاسطوري الذي يصنعه المخيال المتشبع بما هو اسطوري.
– المبالغة في استطالة أرجل شخوص اللوحة الانسانية والحيوانية ،وتجذر سيقان الفرس في الارض ، خاصة في لوحات “الفارس التائه” ، التي يقول عنها : ((إنها تمثل السؤال الوجودي الذي طرحه المتصوفة خاصة، والكائن البشري عامة، وانعكاسا لمسألة البحث عن الحقيقة التي هي تجل لحالة التيه التي نعانيها في جميع المستويات وعلى مدى كل العصور ولوحات التائه تشكل امتدادا لذلك .)). من مجموعة لوحات ” الفارس التائه ” هناك لوحة جسدت احدى الاساطير العالمية وهي اسطورة ابو الهول الذي يقف في مدخل المدينة ويسأل كل داخل لها سؤالا ومن يجيب عن السؤال يدخل المدينة والذي لا يجيب يقتل . قسم الفنان لوحته الى قسمين افقيين ، القسم العلوي ،وداخل كتلة من الغيم، رسم المدينة التي تشكل مدينة فاضلة عنده ، وقد استوحاها من اثار مدينة البتراء ذات اللون الوردي الذي يتماشى مع لون اللوحة. وفي القسم السفلي رسم الفنان ابا الهول بهيئة امرأة له ثديان ، وشعر راس طويل ، هزيل الجسم ، وبين يديه جمجمة دلالة على الموت الذي ينتظر الشخص التائه والذي يقف امامه.  ان التضاد بين الاسطورة واللوحة يبرز جليا للمتلقي ، وهو ما يريد ان يبرزه الفنان ، فالاسطورة تؤكد قوة وبطش ابي الهول ، فيما اللوحة لا تعكس هذا التصور ، ورغم كل ذلك فالشخص ( التائه ) يظل خائفا ، منكسرا ، لا يقوى على شيء ، وهكذا نحن في هذا الزمن حيث لا نجرؤ على فعل شيء. في المجموعة الثانية التي تضم لوحات تشكيلية اطلق عليها  تسمية ” تشكيل على قماش” ، نرى مجموعة من اللوحات التي رسمها بالزيت على قماشة اللوحة ، وقد اخترنا منها لوحة تصور امرأة نائمة وهي عارية ، وهناك ثلاثة ذئاب تحاول نهش جسدها ، وقد رسمت اللوحة على شكل خطوط ، او خيوط ممتدة حول جسدها.
اللوحة ترمز الى وضع المرأة في الواقع وهو يضغط عليها في حلم تعيشه ، انها محاصرة كما تحاصرها الذئاب ، انها التابوات الثلاثة ، فهي محكومة بها ، تابو الجنس ، والسياسة ، والدين  ، والمرأة ترمز الى المجتمع ككل ، لانها هي التي ولدته بايلوجيا. في لوحتين من لوحات “اسطورة الكيلاني” نرى في الاولى ما يشبه هيئة الشخص الذي يرتدي “الجلابة” لكنها هيئة لا شخصا محددا، فيما تبرز اللوحة الثانية من مجموعة هذه اللوحات ظهر شخص يركب حصانا وقد امتدت سيقان ارجل الحصان الى داخل الارض لتؤكد قوة جذور هذه الاسطورة الممتدة داخل الارض وفي نفس الوقت لاشيء فيها ، انها فارغة من كل اثر ، لان الارض التي تحملها وقد امتدت جذور الحصان فيها معلقة في زرقة السماء ، حيث هناك صبي في الزاوية السفلى من جهة اليسار يضحك.
هذا التضاد بين اللوحة الاولى والثانية هو ما يريد ان يبينه الفنان من ” اسطورة الكيلاني ” الولي ،الصوفي ، انه فارغ ، لا شيء يقدمه للاخرين.
الكيلاني،او الجيلاني ،او الخلاني حسب تسمية المناطق لها ، هي شخصية صوفية خيالية كما يرى الفنان ، في كل منطقة نرى قبرا لها . ويعمل بنادي على مزج الفن التشكيلي المنجز على لوحة القماش بالالوان والفرشاة مع فن تشكيلي يستخرجة من عمله على الحاسوب من خلال برنامج الفوتوشوب . فهو يرسم اللوحة على القماشة بالخطوط والالوان وبواسطة الفرشاة ثم يصورها ، وبعد ذلك يدخلها الى برنامج الحاسوب “الفوتوشوب” وهناك يتعامل معها مجددا بواسطة هذا البرنامج لتخرج لوحة جديدة. في المجموعة الرابعة التي تضم لوحات تشكيلية اطلق عليها تسمية ” لوحات مزيج من الصباغي والرقمي عنوانها اللبيدو او الهو ” انجز الفنان بنادي اكثر من لوحة معالجة بواسطة برنامج الفوتوشوب ، فظهرت لوحات تشكيلية دعت ذائقة المتلقي التشكيلية الحوار معها ومناقشتها للوصول الى فهم الدلالات التي تقف خلف الاشكال والخطوط والالوان . لننظر الى اللوحة التي رسمت بواسطة الاصباغ والفوتوشوب حيث نجد نصفها الايمن قد رسم بالاصباغ ، فيما نصفها الايسر عبارة عن صورة فوتوغرافية متداولة على الفيس بوك لطفل يريد ان يقطع قضيبه بآلة قاطعة ( بلايس ). ان المخيال الذي اوحى للفنان هذا التشكيل السريالي هو مخيال ياخذ من العقل الباطن كل تصوراته الحلمية التي تأتي ككابوس ينهل منه الفنان بنادي فيشكل لوحة سريالية تجمع بين الالوان الزيتية والالوان المفترضة في الحاسوب. ان الفنان بنادي من خلال منجزه التشكيلي هذا قد طور اسلوبه وطريقة تعامله مع اللوحة ، فيما ظل محافظا على مادته الاساسية وهي الاسطورة التي ينهل منها ما يشاء . يقول بنادي عن مادته الاسطورية : (( كان يا مكان، قصص منسية من زمان…إنني شغوف برسومات الأساطير لأنها تترك فيك أثرا وتأخذك إلى عالم النشوة وتحلق بك في أفق غريب الرؤى والأحلام، فأنا متأثر بالأساطير العالمية. قرأت حكايات بوشكين الخرافية وأساطير اليونان وبابل وآشور والخرافات عند العرب أيضا فمثلا يقال في أسطورة عربية إن «تأبط شرا رأى كبشا في الصحراء فحمله تحت إبطه فجعل يبول طول الطريق عليه فلما قرب من الحي ثقل عليه فرمى به فإذا هو الغول». هذه الأسطورة أثارتني لأنها فكرة سوريالية فالأسطورة وليدة اللذة كما كانت وليدة الألم والخوف. أرسم لوحات للأساطير لتكون نافذة يطل من خلالها المشاهد على قبس من وهج التراث الإنساني ينير طريقه إلى المعرفة الإنسانية)).
والفنان ادريس بنادي حاصل على دبلوم فنون الرسم المائي والصباغة ، وشارك منذ عام 1977 في اكثر من عشرة معارض على ارض المغرب وخارجها ، ورسم اغلفة كتب كثيرة منشورة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان