و كما اكتشف الجميع، عاش و مات من دون أن يخلف شيئا لورثته. حسابه في البنك و كل ما يملكه لم يتجاوز بضع مئات من الدنانير مما وفره من عمله و رواتبه عبر حياته الطويلة.احترامه للنظام و القانون و التعليمات شيء ينبغي ان يصبح مضربا للأمثال. لابد أن يأتي يوم يتكلم فيه العراقيون فيقولون ” انظف من نوري السعيد.”
كان في لبنان يحضر احد المؤتمرات السياسية ومر بأسواق بيروت فشاهد احد الباعة يبيعون النومي الحامض ، في موسم لم تنزل فيه الحمضيات بعد في العراق . وعرف عن ابو صباح حبه لأكل الفواكه كسائر المواطنين العراقيين. فخطر له ان يشتري كمية من هذا النومي الحامض و يأخذها معه الى بغداد. وهو ما فعله بالضبط. مأل له الفاكهاني سلة من الليمون حامض اللبناني. ودفع ثمنها واصطحبها معه في الطيارة.
نزلت به طائرة الخطوط الجوية العراقية في مطار بغداد الذي كان يسمى في تلك الأيام باسم مطار المثنى. انزلوا امتعته ونقلوها الى مأمور الكمرك ليفتشها كسائر امتعة المسافرين. ما أن بدأ بتفتيشها حتى لاحظ سلة الليمون الحامض.
قال ما هذا ؟ هذه السلة ممنوع دخولها. ممنوع استيراد الحمضيات الى العراق.
قالوا له هذه السلة لرئيس الوزراء. قال و شنو يعني؟ ممنوع استيراد الحمضيات من الخارج.
نادى على الفراش :” تعال يا ولد. خذ هذا النومي الحامض و اتلفه حالا.”
اسرعوا الى نوري السعيد ليخبروه بما ينوي عليه مأمور الكمرك بليمونه الحامض.
فهرع رئيس الوزراء بنفسه الى غرفة التفتيش لينقذ ما جاء به و تحمل كلفته و عناءه. سأل الموظف بكل أدب : ابني ليش تريد تمنع دخول هذا النومي؟؟.
فأخبره المأمور بأن لديه تعليمات صارمة بمنع أي فاكهة من الحمضيات من دخول العراق ، و يشمل ذلك النومي الحامض. ثم شرح مأمور الكمرك لرئيس الحكومة السبب في هذا المنع. وهو ان الحمضيات في سوريا و لبنان والأردن و غيرها من بلدان الشرق الاوسط قد ابتليت بالحشرة المعروفة بالمن الدقيقي التي تؤدي الى تدمير الفواكه و موت اشجارها. وحرصا على مصلحة المزارعين و اصحاب البساتين في العراق قررت مديرية الزراعة العامة منع دخول أي فواكه حمضية من الخارج !!!.
قرار معقول طبعا. ولكن نوري السعيد اجاب على الموظف قائلا ان ما جاء به من النومي الحاض لا يتجاوز بضعة كيلوغرامات للاستعمال الشخصي. لن تذهب الى السوق ولا تختلط بالفواكه الحمضية العراقية. وعده نوري السعيد بأن يستهلك ما جاء به في بيته في خلال أيام قليلة ثم يحرق كل قشورها و نفاياتها. و لكن مأمور الكمرك لم يلن او يذعن لقول رئيس الوزراء . اجابه قائلا: ” آسف باشا. التعليمات عندي صريحة والمسألة
مهمة يتوقف عليها مصير البرتقال والليمون العراقي. لا استطيع ان استثني أي احد!!!!.”
لم يستطع نوري السعيد غير ان يستسلم لقرار هذا الموظف الصغير الذي كان بإمكانه ان يطرده من وظيفته بشخطة قلم. و لكنه بدلا من ذلك، شكره على حرصه في التمسك بتعليماته و بأوامر الحكومة و خرج من غرفة التفتيش لا يلوي على شيء، آسفا على ضياع النوميات التي حلم بعصيرها. خرج الى سيارته وهو يسمع مأمور الكمرك ينادي مرة ثانية على الفراش : ” يا ولد انت هنا. جيب بطل نفط و احرق هالسلة النومي مال الباشا !!!.”









