فنون

الفنان الكبير.. طه سالم .. العبور الى ضفاف المسرح

 

النخل وحداء طيور الغاق والكراسيع، كانت المسافة الاورية تمتد حتى مينائها  دلمون دون ان تترك شبرا  لم تشيد فيه حضارة مأخوذة من الحناجر والآهات، وهفو الارواح صوب وجوه آخذة بالاقمرار، تلك اللحظة .. اعطت للفتى الذي  لم يأت بعد ليدوس صرة الارض هدوءا متأملا، فثمة انتظارات قادمة صوبه، وعليه أن يغادر.. لهذا كانت صرخته الاولى تعني اكثر من احتجاج وأكثر من محنة، وأكثر من سؤال، حين لامس جبينه رذاذ أور ، قرر الرب أن يمنحه اسما ابديا فقيل له ( طه ) اخذ الاسم من كبد القرآن، لان الارواح الناصرية ترى في القرآن خلاصا، وكأن الاب عارف، متعلم، أما الجد فهو واحد من اولئك الذين شاركوا ناصر السعدون الاشقر في تأسيس قلب المنتفج، تلك الصورة ما كانت تغادر الرأس، صورة تمازجت لتأخذ غرابة الماضي بكل فنونه وتهبه للحاضر بكل فقره ويتمه، عند ليلة بن سا لم الأولى ودون ان يرى الوجه جيدا .. 

 
 
قرر الاب الرحيل، راح يتنفس بعمق ، ثم اغمض عينية وأعلن الشهادة، وارتحل ظل الولد يحمل صليب يومه الاول حتى الان وقد بلغ من الاحلام ما بلغ، وأعطى للحياة ما لايستطيع غيره ان يعطيه، حين تجره خطاه البسيطة المتعثرة باتجاه ازقة الناصرية ، وعقد هواها، يرى أن العالم لايشبه تلك العوالم التي كان يسمع عنها، ويدون معالمها في مدونات الجمجمة التي تحفظ كل شيء، لكن الناصرية ليلها بهي، ممحونة بالغناء ، ما ان يغسلها غروب سومر حتى تلتهب حناجر اهلها بالحنين ، الذي يبدد وحشة الموت ، لااحد يدري ، وهذا قد يكون اكتشافا مذهلا، أن الناصرية اقل مدن العراق قبورا.. وأكثرها هبات للموت..!! ليست هذه مفارقة عجيبة.. حقا ، ما ان يبلغ الذي اسمه طه ، سنواته الست، حتى تحمله رحال الاهل الى بغداد، حاول أن ينسى جنوبه المائي، والاستعاضة بدجلة ، لتعلمه السباحة والسؤال، هنا، في روح بغداد الخمسينية الاجمل من الأحلام ، قرر الولد أن يكون ملاكما، فراح يتدرب ويشترك في بطولات المدارس، ويعاند اللكمات حتى غدا  بطلا لفتوة بغداد وفارس مدارسها، لكن الهواجس تظل تحوس في دواخله ، ضاربة جدار الجمجمة بشيء من الاحتجاج والرفض، ثمة هنا اكثر من طريق غير ذاك الطريق العنيف، الرقة مأهولة بالارث، لانه ات من سومر… وسومر غناء… لأنه ات من الناصرية والناصرية معاني الشعر وحناجر منشدين وليل مفتوح على مصراعية بحنين السكارى ومنادي السينما ، والحالمين بالسياسة، حتى ان الفتى يوما دخل واحدة من التظاهرات، ولأنه خائف من شيء لا يعرفه ، راح ينادي …. بغير ما كان يجب أن يكون… وحين انتهت التظاهرة .. عاتبه الاصدقاء بعد أن رفضوا رد سلامه.. كأن الفتى يقول,,, تسقط فلسطين… بدل ان تعيش .. ستظل تلك المفارقة هي الفيصل الاهم في حياة طه، الاهم في كل مسارات وجوده السياسي الذي دفع من اجله ما دفع، والاهم في وجوده المسرحي التمثيلي فيما بعد، اللحظات هي التي تخلق كاتبا ملتزما بشروط الناس وتواريخهم ، وهي التي تبعده عن الاسفاف والسقوط في برك السفالات، عند لحظة تعود الذاكرة.. الى الناصرية، الفتيان يقدمون مسرحية تاريخية دون ان يعرفوا ما تعني حرفيات المسرح، جريد النخيل سيوفا.. ونيلج الفلين وسخامه مكياجا للحى ّ والشوارب.. وما صح من الملابس والأغطية.. ويكون الدخول للفرجة بفلسين لا غير، حين تتجرأ الروح لتجعل من سعف النخيل السومري سيفا هذا يعني أنها تحلم بشيء كبير وتريد أن تزيح الهموم عن الارواح الباحثة من جمال، يتقاطر الاولاد متحفزين للفرجه، ويشاع في روح المدينة ما فعله الفتية الذين غايروا الاشياء ومنحوها اجابات وأسئلة، حاولت الكشف عن كنه تلك المسرحية، لكن الذاكرة اضاعت الملامح وابقت على الهيكل فقط.. ترتبط بالتاريخ .. والتواريخ كثيرة وأفعالها عابثة لا تبعث على السرور ابدا ، ومن خلالها تتطاير غربان الأسئلة هي هكذا سؤال يحفز ابناء المدينة وفتيتها لقاء فلسين هما سلاح الديمومة والاستمرار ، حتى يقرر الاستاذ العارف بالمسرح ان يرى ما الذي يحدث، وحين يبصر الفكرة تبتهج الروح، يعرف أن مقاصد الاولاد فاضحة للارواحهم، تبتهج ملامحه ويحدثهم بالانضمام الى فرقة محترفة تعلم التمثيل، ويشير الى الولد الذي جسد دور اول فتاة في ناصرية الغناء، يقول المعلم ــ طه أنت ممثل رائع… ولابد وأن يكون لك مستقبل كبير؟!! لايعرف الفتى بماذا يجيب.. وماذا يمكن ان يفعل ثمة الكثير من الضيم واليتم داخله والوسيلة الوحيدة هي ان يكتب ويمثل، الاول يعرفه ولكن كيف يكتب وما الذي يكتبه؟ السؤال يلوح براياته الى حيث العاصمة، لم تعد احلام الناصرية تكفي.. وقد  لا تكفي احلام بغداد.. ولربما لا تكفي احلام الارض كلها،،، الممحونون بالجمال.. وإن كانت احلامهم ارق من ورق الورد ولكنها ثقيلة على الأكتاف يجيء الليل الاول صعبا .. لأن لبغداد اكثر من درب.. ودروبها عكرة مخيفة، مراقبة,,, شكاكة.. مشاكسة، فمالذي يختار.. في المتوسطة يجد ضالته ينتمي الى فرقة المسرح ، ونبدأ رحلة الاكتشاف والقراءة والاهتمام والتاريخ بين يسار مؤلم يتظاهر ويحتج، ومسرح يحاول في تلك اللحظة ان يكون يساريا بكل قواه، التاريخ عماد التأسيس الاول  للمسرح في العراق… هو ليس اكتشافا  ، ولا معرفة جديدة، بل ثمة تأثير بذاك الذي اسسه  (ابو الخليل القباني )وغيره في اعتماد التاريخ في المسرح المصري، وخطوات العقل العربي الباحث عن الخلاص  واحدة ، مثلما كانت هناك قيس وليلى، كانت هنا ايضا، ومثلما كان هناك الناصر صلاح الدين .. كان هنا ايضا .. ربما مجيء فاطمة رشدي وذهاب حقي الشبلي الى القاهرة كان واحدا من الاسباب ، للتم الناس، وهفت قلوبهم الى ألتشخيص وتجمعت القلوب على حقيقة ان المسرح غذاء الارواح ومعلمها الاول، فتلاحقوا اليه وحدانا وزرافات، حتى ان بغداد استيقظت ذات ليل لتجد نفسها محاصرة ومطلوب منها ان تلاحق عروضا مسرحيا لأكثر من عشر فرق بين مستقلة وتابعة الى معهد او كلية، وهذا العدد يشير الى التأثير والابتهاج معا، الوقت يسرع والسنوات فكرة لا يمسك لجامها غير مبدع، لهذا يجد طه سالم نفسه في المرحلة الثانوية، لكن الاقدار لاتريد له ان يستمر دون اشارات من معلميه، ذات عرض مسرحي، يرى الشبان أن ( حقي الشبلي)، شائع الصيت، نجم خمسينيات القرن  ، مسؤول الفنون المسرحية الباحث عن طلبة لقسم الفنون المسرحية  في  معهد الفنون الجميلة الذي اسس للتو ،قد حضر، ترتج الارواح وتسيح بين ثنايا المكان خوفا، وحده طه سالم كان  يتأمل لحظة الانبهار، كان يحاول جذب انظار مشاهديه اليه وبخاصة الاستاذ الذي بدا مثل جبل يجلس على كرسي، كلما  اتته لحظة دخول اكتشف ضعفها فرماها من اجل لحظة اكثر ابهارا وحين وجد الاجابة، ابتسم وقال لنفسه، تلك هي.. تلك ، يظل السؤال يمحو وجوه الأولاد ، وقد يغرقهم في بحور تراجعاتهم، لكنهم يتقدمون الى امام، وتبدأ الانهمارات، ويتعالى التصفيق، وتنتشي الوجوه وتبذر بذار الفرح، ينهض ( الشبلي  ) يتراجع  الجمع.. ، يتقدم … تطير النفوس باحثة عن ملاذ.. إن لحقي الشبلي سلطانا أخاذا، هيبة رجل منح نفسه لفكرة الجمال ، تمتد يده مباركا ومهنئا، ومن غير تودد كثير يهمس لطه سالم ــ ما الذي يبقيك هنا … تعال الى معهد الفنون الجميلة؟.. يغمض بن سالم عينيه يدور الكلام في خاطره.. يحلم بأشياء ما كانت تخطر على باله من قبل، هاهو الاستاذ يدعوه الى عرينه، الى بيت الفن .. الى اولى الخطوات الصحيحة.. المسافة غيرت الاتجاه .. المسافة غيرت الوعي نفسه.. المسافة هي التي تصنع الخطوات، يروح الفتى ليصبح تلميذا للفن.. وتروح احلامه تتسع لرغبات عمره المتصاعد، لكنه لما يزل يتأرجح بين السياسة بكل محبطاتها وأحلامها المتوحشة أحيانا وبين هدوء المسرح ووداعته وحبه للمكتشف والمسرات، يبدو الشاب موهوبا في التمثيل والتجسيد، ويعرف ما الذي تعنيه تلك الكلمة، لكن في الراس محطات تتجاوز محنة الممثل الى سؤال الاجابة ، من أين تجيء الاجابات .. وكيف؟ يمسك قلما ويضع امام عينيه بياض الورق ، ويفترش الارض محاولا اختراق كبد المعنى، يرسم ديكورا.. ثم يستدعي الشخوص التي لابد ان تكون حاضرة في لحظة التجسيد، ثم يقرر ان يرسم حدثا، وبهذا لم يبق غير الحوار،،، والحوارات المسرحية اصعب مكملات العرض المسرحي، بل هي الاهم على الإطلاق لأنها ان فشلت في توصيل الفكرة لسوف تطلق رصاص الرحمة على العمل كله وبهذا تضيع كل الجهود، وتنكسر الارواح وتباد الاحلام على بكرة أبيها تنجح الخطوة,, وينتج العقل مسرحية متكاملة تباركها الاكف وتصفق لها بحرارة، ويتطور الفهم والمعنى حتى تمطر سماء طه سالم الكثير من المسرحيات والتمثيليات والمسلسلات الاذاعية والتلفازية، يغدو الاهم كاتبا مغايرا في المسرح العراقي.. كلما جاء ذكر التجديد والمجددين فلابد من طه سالم في المقدمة.. فمن ذا يتجرأ وينسى او يهمل ، الطنطل والقرندل، وورد جنمي والكورة، وفلسطين تحت الجذر التكعيبي، وسواها الكثير، من يستطيع ان يمحو ذكر فارس امتطى جوادا جامحا حتى روضه بهذا الشكل البهي، التلميذ  ذاك… الناصري ذاك.. صار معلما وحكيما… صارت ملامح خطاه واضحة على ارض ارواح تلامذته من الذين ارتدوا عناد المسرح وجبروته.. الفكرة التي اطلقها المعلم ، صارت الان حلما لوجوه كثيرة، وتأريخا يمجد الكلمة التي ترتدي مسوح الصدق والايمان والفاعلية والتأُثير… لم يعد طه سالم فردا احب ومشى وأختار صارت مسرحياته الان محطة كبرى ، من محطات الجمال العراقي بل والانساني، عذبة روحه، وكماله كمال حكيم، ينثر احلامه فوق رؤوس الناس لتنتج احلاما جديدة… الفتى ذاك… المعلم ذاك.. الفارس ذاك.. كلما التقيته.. وهو يقص عليّ دهور العراق تمنيت لو اننا نشيد له متحفا خاصا، وندون كل ما يمكن ان يقوله… ونقيم له معالم من الابتهاج.. ولكن …. تظل الاحلام مساعي.. ويظل الامل اختيار الانتظار… وتظل المسافة محتاجة الى مقتحم يحدد معانيها .. المعلم طه سالم تجسيد كلام السلام في وطن يحتاج الان الى سلام !!
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان