حوارات وتحقيقات

الحافلات العامة…منتديات الناس للتعبير عن آرائهم

دريد ثامر

 

كلما كان يريد الخروج من منزله يشعر بضجر كبير بسبب النقاشات التي سوف يسمعها في حافلات نقل الركاب أثناء ذهابه الى عمله، فقال المواطن محمود هادي (28 عاماً): ما يحصل من احتدام في النقاش بين المواطنين عن أي موضوع يطرح أمامهم في تلك الحافلات يسهم في بعض المشادات الكلامية وربما يتحول الى شجارات لا معنى لها، وأضاف : أنني أشعر بعدم الارتياح عند الصعود في هذه الحافلات عندما أرى تلك الصورة ماثلة أمامي وهي تتكرر يومياً، وأشار أنه لو كان يمتلك مبالغ كافية لاستئجار سيارة أجرة لقام بها يومياً من دون هذه الازعاجات التي يشعر بها وهو يسمع صراخ الرجال والنساء معاً في نقاشات لا تنفعهم بل تضر أعصابهم ونفسياتهم، وأكد محمود على إن الحافلات أصبحت مكاناً للتعبير عن الآراء بشكل حر وديمقراطي بعيداً عن الاضطهاد الذي كانوا يعيشونه سابقاً في التكلم خوفاً على حياتهم، أما الان المساحة والفضاء الديمقراطي مباح للجميع، ليدول كل منهم دلوه بحرية تامة .

 

التكلم بحرية

يقول المواطن مهدي ياسين عباس ( موظف ): منذ مدة طويلة والحافلات العامة في بغداد أصبحت مكاناً للتعبير عن الآراء بمختلف أنواعها وقطاعاتها، حيث أجد في كل مرة أستقل هذه الحافلات، أن كثيراً من المواطنين يقتنصون هذه الفرصة للتكلم بحرية في شتى المواضيع ولاسيما السياسية منها .وأضاف مهدي: أن إبداء الرأي، كان نتيجة ما يحصل من حولنا من تداعيات مؤلمة قد حصلت في الشارع العراقي، فيجد هؤلاء أجواءً مناسبة وفسحة للحديث كيفما شاؤوا من دون رقيب، لتتبادل الآراء نظراً لتنوع فئات الجالسين وطروحاتهم وميولهم وقناعاتهم .وأكد المهدي على إن البطالة وتأثيرها على شرائح كبيرة من المجتمع كان لها النصيب الاوفر في تلك الاحاديث إضافة الى أحوال الاسواق الصعبة وارتفاع الاسعار بصورة غير طبيعية، والغلاء الذي صاحبها، وبات السمة البارزة في الوقت الحاضر .

 

نقاشات محتدمة

من جهتها قالت المواطنة مريم عبد الجبار طه (موظفة): عندما أذهب الى عملي في أحدى الحافلات العاملة على خط منطقتي، كنت أستمع الى نقاش كان محتدماً بين رجل قد غزا الشيب رأسه وآخر أقل منه عمراً، وكان الموضوع المطروح حينها، هي معاناة الناس في بداية كل عام دراسي بشراء ملابس وقرطاسية لأطفالهم مهما كان ثمنها أو مناسبات الاعياد التي تتحول الى حرائق في الاسعار، فتشهد حينها الاسواق العراقية ارتفاع غير مسبوق في الغلاء بسبب ذلك الامر . وعزت مريم أسباب هذا النقاش الى إن عدم مقدرة جميع أرباب الاسر على التوفيق بين شراء مستلزمات الطلاب في هذه المرحلة والويل كل الويل اذا إقتربت معها مناسبات العيد، وهذا يعني أن الاسر سوف تشتري الملابس مرتين في مدد قصيرة .ولامت المواطنة بدورها على ما يحصل على جشع معظم التجار واستغلالهم لهذه المناسبات، ليتحول حديث الجالسين الى أحوال الاسواق وغلاء الخضراوات والفواكه وشنوا هجوماً عنيفاً على جميع القصابين الذين حرموا العوامل العراقية من تذوق اللحوم المحلية .

 

الكهرباء محور الحديث

غير أن المواطن كريم عبد الواحد جاسم (صاحب محل لبيع المواد الغذائية) قال: في غالبية الاحيان يكون لي دور في النقاشات التي تحصل في حافلات النقل، فعندما يقوم أحدهم بالتطرق في حديثه عن الكهرباء، أتذكر معاناتي وخسائري المالية بسبب إتلافي للكثير من المواد المجمدة في محلي ورميها مع النفايات بعد أن أشتريها بألاف الدنانير بسبب الانقطاعات التي تحصل، فالطاقة الكهربائية ليست مستمرة في جميع المناطق، وصاحب المولدة لا يشغلها ليلاً لأحاول المشاركة معهم بألم وحسرة .وشاهد كريم أنه كلما انتقل النقاش على لسان أحد الجالسين الى موضوع الكهرباء فان جميع ركاب الحافلة لا يتوانون من المشاركة فيه، إذ تتنوع أحاديثهم عن مختلف المعاناة منها رغم إنها مستقرة في بعض الايام وفي أيام أخرى غير مستقرة وتنقطع كثيــراً .وسخر المواطن من وعود بعض المسؤولين بتحسنها ووصولها الى (24) ساعة كي يتخلص الناس من أصحاب المولدات الذين ما زالوا يستلمون المبالغ منهم  كل شهر، وإن لم يقوموا بالتشغيل ساعة واحدة يومياً، لانهم لا يثقون بالكهرباء رغم استقرارها وخوفهم من انقطاعها، لتكون هذه المولدات ملاذهم ثم يحتدم النقاش مرة أخرى لحين وصول الحافلة الى المرأب فينقطع الحديث .

 

حفر الشوارع

في حين قالت المواطنة ناهدة محي عبيد ( ربة بيت ) وأنا في طريقي الى زيارة أبنتي المريضة، مرت المركبة فوق أحدى الحفر المنتشرة شوارعنا جعلت جميع الركاب يترنحون باتجاهات مختلفة بصورة شديدة، فانتقدت هذه الظاهرة التي لم تقم بعض الشركات المحلية أم الاجنبية في إنجاز أعمالها بصورة صحيحة وتركت مثل هذه الحفر والمطبات فيه، فشاركها بعض الركاب واستلموا زمام المبادرة بالحديث عنها وعن ضعف المتابعة من قبل الجهات المعنية لهم من دون راع،  كي تكون عبرة لغيرهم ممن لا ينجزون تلك المشاريع على أكمل وجه، بالرغم من استلامهم ملايين الدولارات لقاء هذه الاعمال. وتابعت حديثها بانه لا يوجد موضوع واحد يستطيع الركاب الثبات عليه في الحديث، حيث أنتقل موضوع حفر الشوارع الى العاطلين وضرورة توظيفهم من أجل مشاركتهم في تبليط الشوارع واستغلالهم في هذه الامور بدلاً من تركهم يتسكعون من دون هدف .وختمت ناهدة حديثها بان حديث الناس قد تطور وابتعد عن البطالة، وأخذ كل مواطن يتكلم عن معاناته والمدة التي قضاها سابقاً من دون عمل، وأحوال أبنائه وإخوانه الذين لا يجدون عملاً من أجل إعالة أنفسهم عوائلهم، وصار الكلام هرجاً مرجاً ولم يفهم أحد منهم عما كانت نهاية حديثهم .

 

فيه أشياء مفيدة

وأوضحت المواطنة ماجدة عباس شاكر (طالبة جامعية ) بقولها: صحيح أني أنزعج كلما ذهبت الى الكلية حين أستمع لأحداث الركاب مضطرة، ولكن ليس كل ما يقولون ليس فيه شيء مفيد يذكر، وذكرت ماجدة: إن أحد الجالسين عندما تحدث عن العمل وأبدى رأيه في أن العمل متوفر في العراق، لمن يريد أن يعمل، ولكن غالبية الناس تفكر بالوظائف فقط ؟ ولا يفكرون بالأعمال الحرة وهي موجودة في كل مكان .وانتبهت المواطنة وهي تستمع الى أحاديث الركاب أن هناك آخرين قد قاطعوا المتكلم وتدخل آخر بعصبية، وفرض غيره رأيه بسخرية واحتدمت النقاشات حتى تحولت الى أصوات عالية فلم يعد من الجالسين يفهم ما يقال، حتى كانت خطوة السائق برفع صوت المذياع بصورة مرتفعة جداً، على أحدى الاغاني كي يهدأ الوضع وتخفت حدة النقاشات التي ربما كادت تتحول الى شجار، وسكت الجالسون وهذا يعد الهدوء قبل العاصفة، إذ قام أحدهم باستكمال موضوع البطالة مرة أخرى، فتعالت الاصوات مرة ثانية.

 

الحالة النفسية

وترى الباحثة الاجتماعية منى عبد الله حاتم: أن هذه المسألة تعود الى الحالة النفسية التي يعيشها معظم المواطنين في مفردات حياتهم اليومية وهم يعانون من ألم الحسرة والفقر أتجاه الظروف التي لا يستطيعون مواجهتها في عدم تمكنهم من تأمين قوت عوائلهم .ووجدت الباحثة أن هؤلاء المواطنين يجدون أن حديث الحافلة هو المتنفس الوحيد الذي يمكن أن ينفثوا غضبهم كله فيه عند الخوض في غمارها، لكي يشعرون ببضع الراحة عن صدرهم الذي جثم عليه الهم والحرمان، بهذه الاحاديث التي ربما قد تطول الى وصولهم للمرأب .ودعت الى ضرورة التمسك بالهدوء عند الدخول في هذه الاحاديث، التي لا تغير من واقعهم شيء سوى القاء بعض الكلمات في الحافلات من دون جدوى.

 

مسك الختام

في أغلب الاحيان تنسجم سلوكيات أفراد أي مجتمع مع طبيعة الأجواء والحياة التي يعيشونها، فالعراق حالياً يمتع بحرية وديمقراطية ودستور تكفل له مختلف الحريات العامة والخاصة، فأصبحت حتى وسائل النقل منتديات واسعة، تبيح لجميع الركاب من دون استثناء المشاركة في طرح مختلف وجهات النظر والمناقشة في أي موضوع يريدون الخوض فيه من دون تحفظ أو خوف من أحد ، أو خوف من قانون يعاقبهم على أرائهم، ويلاحظ أن ما يحدث في وسائط النقل أشبه بعقد ندوات أو مؤتمرات متجولة، ولكنها دائماً ما تعقد بلا موعد أو تبليغ أو عنوان مسبق، ويكاد مجمل الحضور فيه لا يعرف بعضهم البعض.

 ولكن حصيلة هذه النقاشات التي قد تحتدم، ليبقى الرأي النهائي.

 لا يتعدى فترة معينة على طول الطريق الذي هم فيه، ثم يتفرق المجتمعون الى غاياتهم، والشيء الجميل في هذه اللقاءات أنها تضم مختلف شرائح المجتمع ذكوراً ونساءً، وأطفالا أيضاً، وبكافة الاعمار والثقافات والاتجاهات.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان