د. عماد عبدالسلام رؤوف
ولما كان عباس العزاوي معنيًّا في أثناء جمعه مواد كتبه العديدة، بالتقاط كل ما به علاقة بتاريخ العراق في القرون المتأخرة، فقد ضم هذه الترجمة الموجزة للرحلة إلى مكتبته الغنية بأفانين الكتب والمخطوطات؛ عسى أن يفيد منها في دراسة مقبلة، إلا أنه لم يفعل، وبقيت الرحلة بعيدة عن اهتمام الباحثين.
وخلاصة ما كتبه أنه كان واليًا في طربزون، فصار مدير إدارة الديون العامة، وأنه أوفد في مهمة تتعلق بتفتيش الأمور المالية لعدد من الولايات في الدولة العثمانية، فبدأت رحلته بأن غادر إستانبول في يوم الخميس 3 كانون الثاني من سنة 1300 رومية (الموافقة 1301هـ/ 1884م)، مارًّا بـ: (مدللو)، و(أبو النور)، و(أزمير)، و(مرسين)، و(اسكندرونة)، ومنها توجه إلى (حلب)، و(كليس)، و(عينتاب)، و(بيرجك)، و(ديار بكر)، و(سعرد)، و(بتدليس)، و(موش)، وماردين)، حيث كانت له صلات بعشيرة شمر، ومنها ركب (كلكًا) في 2 أيلول 1301 رومية (الموافقة 1302هـ/ 1885م) انحدر به في نهر الفرات، فمر بـ: (حصن كيفا)، و(جزيرة ابن عمر) التابعة لبلدة ماردين، ثم وصل إلى قرية (الحمدات)…
ومن هناك غادر الكلك وذهب برًّا إلى الموصل، وبعد وصوله إليها ركب الكلك أيضًا، فانحدر به إلى تكريت، ثم سامراء، ومنها إلى الأعظمية، ومنها إلى بغداد، حيث أقام بها مدة من الوقت، وبعدها انحدر إلى البصرة، ومنها إلى أبو شهر، فبومباي في الهند، ومن الأخيرة إلى عدن، ومنها السويس، فالقاهرة، ثم الإسكندرية، ومنها إلى إستانبول، وكانت عودته إليها في 1304 رومية (1305هـ/ 1888م،
وواضح أن الرحلة امتدت لتشمل مُدنًا وقصبات ومعالم عديدة، إلا أن المعرب اقتصر منها على ما له صلة بمدينة بغداد فحسب، وحتى هذا جاء مختصرًا، بل إنه سكت عن معلومات تخص أعمال بغداد نفسها، مكتفيًا بالخطوط العريضة لإقامة صاحبها فيها، ومشاهداته لملامح الحياة فيها،ومنهج المعرب في هذه الرحلة يتراوح بين أن يعرض كلام صاحبها منسوبًا إليه، وحينذاك يكون الضمير للمؤلف، أو أن يعرض بنفسه وقائع الرحلة، وفي هذه الحال يكون الضمير للكاتب.
ونظرًا لوجوه الأهمية التي ذكرناها، فقد قمنا بتحقيق هذه الرحلة الفريدة، والتعليق عليها على النحو الذي يراه القارئ الكريم،ومن الواجب القول بأننا أبقينا على نص الترجمة كما أوردها كاتبها دونما تغيير يذكر، إلا أننا اضطررنا في حالات قليلة إلى إعادة صياغة جملة بذاتها لتبدو مفهومة، إذا كانت ثمة ضرورة إلى ذلك، وأضفنا في بعض العبارات كلمات لإتمام السياق، حصرناها بين معقوفين […]،كما أضفنا عنوانات جانبية، حصرناها بالمعقوفات ذاتها.
وأخيرًا، لا بد لنا بهذه المناسبة أن نشكر الصديق الباحث السيد زين النقشبندي على توفيره نسخة مصورة من أصل الرحلة المحفوظ في دار المخطوطات ببغداد فور طلبنا إليه ذلك، جزاه الله خيرًا، والله تعالى من وراء القصد.
الرحلة
كان عالي بك قد وصل سامراء وزار مراقدها المباركة، ثم مضى في طريقه نهرًا حتى وصل مصب نهر العُظيم، ويسميه الترك (شط أدهم)، وهو غير صحيح ،ومنها تحرك الكلك ووجهته قرية السندية ،ثم وصل إلى قرية (الجديدة)، ومنها وصل إلى قصبة الأعظمية، وسميت بذلك لأن الإمام الأعظم أبا حنيفة قد توفي فيها، ونسبت إلى اسمه، وتقع في الجانب الأيسر من دجلة، وفي الجانب الآخر بلدة الإمام موسى الكاظم، وقد شاهد التربة والجامع الشريف والقبة والمنارات من مسافة بعيدة.
الأعظمية
ولما وصل إلى الأعظمية دخل دار نعمان أفندي متولي وسادن حضرة الإمام الأعظم، فرأى الدار مفتوحة، ورأى الناس يدخلون إليها، فاستقبله مَن في الدار من أعوان، فصعدوا إلى الطابق الثاني، ورأى شيخًا هناك وعلى رأسه عمامة، وكان قد بشر به، وقد أبدى لطفًا وقال له: يظهر أنكم أتيتم من سفر، فاستريحوا ثم توضؤوا، وسنذهب معًا إلى الجامع الشريف، وعلمت أن هذا المحل لم يكن خانًا ولا قهوة.
وأبدى المتولي اعتذاره، وبيَّن أنه سادن، وأن هذا بيته، وأخذني إلى غرفة أخرى فتوضأت، ونفضت الغبار عن أثوابي،ثم إن أعوانه قدَّموا لي طعامًا وافرًا، مع أن الموما اليه لم يعلم مَن أنا، ولا من أين أتيتُ، وكل ما عَلِمَه عني أني ضيف، فأكرمني وأعزَّني، ثم أذَّن المؤذن، فذهبنا لأداء صلاة الجمعة، ففتح نعمان أفندي التربة الشريفة، ووفقنا لزيارة مرقد الإمام الأعظم، وإن الجامع ذو منارة واحدة جسيمة، وله جبهتان على الطريق والسوق، وله ساحة كبيرة، [وهو] ذو بابين.وفي [هذه] الأثناء رأيت حفيد الوالي الأسبق مجيد باشا، وهو مجيد بك من أحبائي، وكان معه بهجت بك ناظر الديون العمومية في بغداد، فأديت لهم شكري لما قاموا به من التفاتٍ نحوي، كما أني كررت شكري الخاص لنعمان أفندي؛ لما أبداه من حُسن ضيافة، فودعته وركبت عربة مع نجيب بك وبهجت بك، فوصلت بعد نصف ساعة إلى بغداد، وقضيت [النهار] في دار بهجت بك.
عناصر السكان وأزياؤهم
إن سكان بغداد يبلغون نحو مائة ألف نسمة ، والقسم الأعظم من المسلمين، ومنهم ستة آلاف بيت لليهود، وقسم منهم من الكلدان والكاثوليك، [و]عدا هؤلاء قد اختار الإقامة في بغداد قسم من التجار، وبعض الزوار، وتكونت منهم مجموعة من الإيرانيين، وإن الأهالي بالنظر لصنوفهم ومذاهبهم تختلف ألبستهم وقيافاتهم، فتظهر الفروق بين بعضها البعض؛ فالأشراف والأعيان مثلًا ممن يعيشون في إيران عقارهم يلبسون الزُّبُون والجُبَّة والمشلح ، وبعضهم يلبس في رأسه العمامة، وبعضهم (الفيس)، وإن الموظفين في أشغال الحكومة يلبسون الزبون والمشلح، وفي رؤوسهم كَفيَّة من إبريسم أصفر، وقسم [من] العمال يلبسون الزبون من جثاري وأبيض رماني أو أحمر، وكفية من إبريسم أحمر شطرنجي ،وإن اليهود أيضًا يلبسون الزبون والمشلح وبرؤوسهم عمامة عليها نقوش،والنصارى يلبسون الزبون والمشلح، وعلى رؤوسهم (الفيس) ، ونساء المسلمين تلبس جَرجَف من حرير وكَلَبدُون حينما تخرج إلى السوق، وتلبس في رأسها (بيجة) معمولة من قماش أسود، وتلبس في رجلها حذاء يقال له: جدك (جيبك) أصفر وعال،ونساء اليهود يلبسن جرجف معمول من تيل أصفر، وفيه نقوش بيضاء ولارج وردية (لازوردية)، وتضع على رأسها بيجة من القماش الأسود، وحذاء أصفر،ونساء النصارى يلبسن جرجف كنساء المسلمين، إلا أنهن يكشفن عن وجوههن، وبعضًا يضعن غشاء من تول رقيق أو أسود فيتسترن به، وبأرجلهن يلبسن البوتين في الأكثر، والغالوش (كالوش) .
الأزقة ببغداد
إن أزقة بغداد كلها ليست مبلطة؛ ولذا لا تخلو من غبار في الهواء يابس، وفي المطر: من طين لا يمكن أن يجتازه المرء بسهولة،إن المملكة التي ليس لها صخور لا يعمل فيها تبليط، حتى أن الحمامات في مجازاتها ومواطنها تبلط بالقير أو الأسفلت ،فإذا مطرت فإن الأزقة بسبب ما فيها من تراب لزج لا يستطيع الإنسان أن يجتازها دون أن يزلق، أو يقع في الطين بسبب لزوجته،ثم إنه ليس للمملكة…. ؛ ولذا يستعملون (البالوعات) في الأزقة أو في البيوت، فإذا أمطرت السماء تمتلئ البالوعات، وإن الأزقة تعود إلى حالة جيدة، وإن البالوعات توضع في أفواهها طابوقة (آجرة) ذات ثقب، ولم يدم استعمالها، بل في الغالب تكسر أو يوسع فمها، وإن المشاة أو الفرسان العابرين والمارين يكون ذلك تهلكة عليهم .
سنة؛ [إذ] تأسست شركة مساهمة ، و[إلى] الآن يشتغل هذا الخط ، وإن الزوار من الإيرانيين في مواسم الزيارة ينتفعون منه.









