فنون

مستقبل السينما السياسية بعد الثورات العربية

مينا ممدوح

 

 انقسمت الافلام السياسية إلى مشاغبات تكتسب أرضاً من فيلم إلى آخر قاصرة على أناس بعينهم و أخرى أفلام دعائية  تمجد النظام الراهن و تضعه فوق مستوى النقد و ترفعه إلى مصاف الأولياء الصالحين و تنعت كل ماسبقه بتهم البطش و الظلم والفساد فنجد أفلاما تمجد الثورة و تسب الملك فى عهد جمال عبد الناصر  بل و وصلت إلى تشويه أي مشهد فيه صورة الملك فى الافلام السابقة على ثورة يوليو 1952 بأكثر الطرق بدائية عن طريق تشويه شريط الفيلم ذاته ونجد أفلاما تتنقد جمال عبد الناصر و تصفه بالباطش الذى يعذب أصحاب الرأى و المعارضين له في السجون في عهد أنور السادات و أفلاما تصف عصر السادات بعصر الفساد و عصر  انتشار التخلف و بزوغ التيارت المتطرفة في عهد مبارك  ,و كأن كل حاكم يعطي الحق للسينما السياسية في التعبير عن نفسها فقط في حالة التعرض إلى من سبقوه و البعد عن سياسيته و شخصه بل و تمجيده فى بعض الاحيان  في عادة فرعونية أصيلة لمحو كل أمجاد السابقين و تمجيد الحاضرين . و على ذلك عانى الفنانون السياسيون أصحاب القضايا و المبادئ القوية مواجهات قوية مع السلطة بدءًا من تعسف الرقابة و منع أفلامهم من الخروج إلى النور أو تشويهها مروراً بالنفي خارج البلاد انتهاءً بالسجن أو النفي ،و من أمثلة الافلام التي مازالت ممنوعة من العرض على شاشة التلفزيون الرسمى فيلم زائر الفجر لممدوح شكرى من بطولة ماجدة الخطيب وعزت العلايلي وسعيد صالح و فيلم البريء لعاطف الطيب  الذي لا يعرض بنهايته الاصلية التي فيها يقتل المجند ( أحمد زكى ) السجان ( محمود عبد العزيز ) و فيلم الكرنك و غيرها من ألافلام و لعل من أبرز الافلام السياسية الجريئة  و التي تعتمد على الرمزية فى الطرح:  شيء من الخوف \المصير \البداية \فوزية البرجوازية \النوم فى العسل \شروق و غروب \المخطوفة \الهروب\ قهوة المواردى و هناك أخرى اختارت المباشرة كقالب صادم عنيف لفضح النظام السياسى مثل : الكرنك \احنا بتوع الاتوبيس\ البريء\ كشف المستور\ هي فوضى\ ضد الحكومة\ معالى الوزير/ عمارة يعقوبيان\ دم الغزال\ زائر الفجر.

 

من أبرز أفلام الدعاية السياسية:

جواز بقرار جمهورى للمخرج خالد يوسف الذى يظهر فيه الرئيس بوصفه المواطن البسيط الذى يحضر فرحا شعبيا و كذلك  الحال فى  طباخ الريس  الذي يقدم لنا الرئيس بصفته البسيط المتواضع المغيب عن الشارع و مشاكله بينما ناصر 56 و أيام السادات  اللذان جسدهما أحمد زكي لإشباع رغبته فى التقمص مثالين واضحين لتبييض وجوه رؤساء مصر حتى لو كان ذلك بنية طيبة، أما أفلام الجاسوسية و المخابراتية و الحروب فتصف النظم الشمولية بالذكاء الحاد و تنسب لهم التفوق على إسرائيل و العالم الغربى مجتمعاً  فى سخرية من العقل العربى و كان آخرها فيلم ولاد العم للمخرج شريف عرفة .

 

السينما المستقلة والهم السياسى

و كما ذكرت من  قبل استخدمت السلطة السينما و الفن عامة كأداة لتغيب العقول العربية و غسل أمول الفساد و نشر الإسفاف و لم يكن السوق السينمائى بمفهوم شباك التذاكر و الإيرادات و تحقيق المكاسب مستعداً بالتضحية بالمكسب المادي التجاري و إنتاج أو حتى عرض و تسويق فيلم سياسي ينقد النظام الحاكم، فكان النقد مقصورا على أسماء بعينها و لحدود واضحة لا يمكن تخطيها وعلى ذلك لم يجد السينمائيون الجدد إن صح التعبير متنفساً سوى فى السينما المستقلة بوصفها مجالا لحرية التعبير دون أية اعتبارت سلطوية أو تجارية فهي لا تتطلب إنتاجا أو دور عرض أو توزيعا ، تفعل كل ذلك بجهود ذاتية و تعرض فى المنابر الثقافية غير التابعة للدولة و ترفع على مواقع التواصل الاجتماعى. وعلى ذلك نجد جرأة تحسب لافلام من التيار المستقل مثل عين شمس لإبراهيم البطوط الفيلم الذي تناول قضايا غاية في الخطورة مثل المبيدات المسرطنة و الحرب على العراق و الفساد السياسى فى الانتخابات و القروض و رصد بعين تسجيلية مشاهد لاحتجاجات 6 إبريل فى المحلة و عنف الشرطة  في قمع المتظاهرين بالقوة لاول مرة على شاشة السينما و كذلك نجد في هليوبوليس لاحمد عبدالله رصدا لحالة الـ لا غد و الشعور باليأس الذي يسيطر على المصريين كافة و يدفع بعضهم إلى الهجرة و بعضهم إلى الاستسلام إلى الواقع و فقدان الأمل فى المستقبل .وكان النظام رغم مضايقاته لصناع السينما المستقلة كان يحقر من شأن صناع السينما المستقلة  مشككاً فى أن تصل أعمالهم إلى الشباب أو إلى المجتمع و رغم ذلك نجحت تلك الاعمال بالمفهوم الفني و السياسي و قدمت صورة واقعية لمصر في المهرجانات و المحافل الدولية بل و حصدت الجوائز و التقدير أيضاً .

 

سؤال حول المستقبل

بات من المؤكد أن السينما السياسية قد أزيل من أمامها الكثير من المعوقات و العقبات القمعية السلطوية و أصبح عليها أن تتفادى أخطاء الماضي و تلك العادة الفرعونية التى تشوه كل من سبق و لا تذكر له أية إيجابيات و تمجد في النظام القائم و لا ترى فيه أي سلبيات نأمل فى سينما سياسية لا تغلب عليها القضية فتتحول إلى خطبة  بلا جماليات فنية  و لا يغلب عليها الهوى فتكون ثأرا شخصيا على شاشة فضية بل نحملها الآن مسؤولية التأريخ الحيادى التأملي  التحليلي لواقع الشعوب العربية في مرحلة من أحرج مراحل التاريخ العربى المعاصر .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان