أ.د. الصفصافي أحمد القطوري
أثبتت الدراسات أن مسرح خيال الظل قد تطرق إلى جميع التراجيديات والكوميديات في حياتنا. وبنظرة أكثر عمقا، نجد أن مسرح “العرائس” و”قَرَه كُوزْ”، يرمز كل منهما إلى عنصر الخيال الذي تتسم به حياة الإنسان، وأن خيال الظل يؤكد هذا التشابه الواهم بينه وبين جوانب حياتنا المترعة بأطياف الخيال.
منشأ خيال الظل
هناك دليل قاطع على أن مسرح خيال الظل كان معروفا في مصر في العصر المملوكي، وأنه وفد من مصر إلى بلاد الأناضول بعد الفتح العثماني لمصر والشام. فنرى مسرحيات ابن دانيال (1248-1311م) سارت على درب سابق لعروض ظلية قبلها، وهو ما يتضح من مستواها الفني والأدبي الناضج نسبيا. هناك وجهتا نظر حول منشأ خيال الظل؛ الأولى: أن هذا الفن ظهر في آسيا وانتقل منها إلى الغرب. والأخرى: أنه ظهر في الغرب ومنه انتقل إلى الشرق وآسيا. ولوجهة النظر الأولى ثلاثة آراء: الأول: أن هذا الفن ظهر في جاوه، وأن خيال الظل الجاوي ومصطلحاته موجودة في اللغة الجاوية القديمة. وكما أن مسرحيات هذا النوع ممتدة إلى ألف سنة قبل الميلاد، فإنها تُعد نوعا مستقلا بذاته. والرأي الثاني: يُحدد مكان ظهور خيال الظل “قَرَه كُوزْ” في الهند بدلا من “جاوه”، وأن اسمه في اللغة السنسكريتية “جاينا طاقه” ومدلولها هو نفس مدلول خيال الظل، ولكن هذا ليس بالأمر المقطوع به. وهناك رأي ثالث يقول بأن خيال الظل يرجع إلى الصين. ويستند هذا الرأي إلى أسطورة صينية تعود إلى سنة (121 ق.م)، حيث تحكي أن “الإمبراطور “ويو” قد سيطر عليه حزن عميق إثر وفاة زوجته التي كان يحبها حبا ملك عليه كل جنانه، ولم تفلح كل المساعي التي بُذلت لتسليته والترفيه عنه. وقد حاول فنان صيني أن يرفه عن الإمبراطور باختياره لسيدة شديدة الشبه بالإمبراطورة المتوفاة، وجعلها تمر أمام ستارة بيضاء على بُعد مناسب من الإمبراطور، وادعى له أن هذا هو طيف الإمبراطورة الحبيبة. وقد نجح بذلك في الترفيه عن الإمبراطور بهذا الشكل”. أما وجهة النظر الأخرى فهي تُعارض خروج فن “قَرَه كُوزْ” من “جاوه” أو الهند أو الصين أو آسيا عامة، مدعية أن هذا الفن قد ظهر أولاً في الغرب وانتشر منه إلى الشرق، وتزَعّم الباحثون الألمان هذا الرأي. وإن كنت أوضح، إن هذا الرأي قد خلط بين خيال الظل وبين فن العرائس الذي ظهر عند اليونان، وتكلم عنه أفلاطون وأرسطو ومعظم فلاسفة اليونان. وذلك لأن كل النماذج التي يضربها أصحاب هذا الرأي تنتمي إلى مسرح العرائس المحرك بالخيوط، وليس إلى مسرح خيال الظل المعكوس على الستارة البيضاء.
الأسطورة التركية
يروى أن السلطان العثماني “أورخان غازي” الذي تولى العرش سنة (1326م)، أمر ببناء جامع في مدينة بورصة. وكان بين العمال الذين يعملون في البناء عاملان يُدعى الأول منهما: “قَرَه كُوزْ” والثاني “حاجي واد”، وكلاهما يملك من خفة الدم والمرح والفكاهة ما يجعلهما يقومان بحركات طريفة وفكاهات هزلية تجعل العمال يلتفون حولهما لمشاهدة ما يقومان به من ألعاب مُسَلّية تاركين العمل، وعندما سأل السلطان عن سبب التأخر في إنجاز العمل، أخبروه عن “قَرَه كُوزْ” و”حاجي واد”، فأمر أن يقوما بما يقومان به أمامه، فسعد بما رأى، حيث إنهما مثّلا أمامه “محاورة الحمام” ولكنه أمرهما أن يعدلا عن هذا حتى لا يتعطل البناء. وكان هناك في مدينة “بورصة” رجل يدعى “الكشتري” أراد أن يُسري عن السلطان ويذهب عنه الحزن. فعكس خيال كل من “قَرَه كُوزْ” و”حاجي واد” على ستارة بيضاء، ونجح في تسلية السلطان. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان “الكشتري” أول رائد لفن “قَرَه كُوزْ” في بلاد الأناضول. ومَدْفَن “قَرَه كُوزْ” موجود في مدينة “بورصة”، ولكن لم يستدل أي باحث على مدفن “حاجي واد” في المدينة حتى الآن. وهكذا قام أرباب هذا الفن بتشخيص هاتين الشخصيتين بمحاوراتهم الشيقة بهذه اللعبة الظلِّية. وعلى كل حال، فإن التعبيرات المستخدمة في تركيا -كغيرها من دول العالم الإسلامي- للتعبير عن هذا الفن، فهي “قَرَه كُوزْ” و”خيال الظل” و”ظل الخيال” و”طيف الخيال” وما شابه ذلك. وهناك دليل قاطع على أن مسرح خيال الظل كان معروفا في مصر في العصر المملوكي، وأنه وفد من مصر إلى بلاد الأناضول بعد الفتح العثماني لمصر والشام. فنرى مسرحيات ابن دانيال (1248-1311م) سارت على درب سابق لعروض ظلية قبلها، وهو ما يتضح من مستواها الفني والأدبي الناضج نسبيا.
مسرح ابن دانيال
بين أيدينا ثلاث مسرحيات لـ”محمد بن دانيال بن يوسف” ما بين شعرية ونثرية وزجلية. وهي “طيف الخيال” و”عجيب وغريب” و”المتيم”. وتبدأ “طيف الخيال” بحمد الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء للسلطان، ثم يقدم الراوي بمقدمة تُشير إلى حملة السلطان على الشر وتخريبه أماكن الفسق والفساد. أما أبطال المسرحية الخيالية فهم: الأمير وصال، أحد أمراء الجند، ومجموعة من الشخصيات المعروفة في المجتمع المصري المملوكي. ويدور الموضوع حول رغبة وصال في الزواج من امرأة ذات حسب وجمال. ولكن الخاطبة “أم رشيد” تُوقِعه في عروس شديدة القبح، فيغضب ويتوعد، ولكنه يقتنع في النهاية بأن الله أوقعه في شَرَك بما قدم من أفعال الشر. فأعلن التوبة وغسل معاصيه بالحج لبيت الله الحرام وزيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. والمسرحية الثانية “عجيب وغريب” فهي استعراض لأنماط ونماذج معينة من واقع الحياة الشعبية، في الشارع والسوق حيث مصدر المعرفة والتكسب والتحايل على الرزق بشتى الحيل؛ ففيها النصب والاحتيال والسلب والمراوغة والمساومة. فهي بهذا معرض لكثير من مظاهر الحياة اليومية للمجتمع وعيوبه.
والتراث العربي يسجل لنا أن الشاعر العربي عمر بن الفارض تكلم بشكل مسهب عن خيال الظل، وله بابية شعرية نطالع فيها مرور الجمال وعبور السفن للبحار، وجيوشا تخوض المعارك في البر والبحر، ومرور الجُند، سواء أكانوا مشاة أو خيالة. وكذا الصياد وهو يلقي شباكه، والوحوش وهي تُغرق السفن في البحار، والسباع وهي تفترس صيدها من الحيوانات الأخرى.
أثبتت الدراسات أن مسرح خيال الظل قد تطرق إلى جميع التراجيديات والكوميديات في حياتنا. وبنظرة أكثر عمقا، نجد أن مسرح “العرائس” و”قَرَه كُوزْ”، يرمز كل منهما إلى عنصر الخيال الذي تتسم به حياة الإنسان، وأن خيال الظل يؤكد هذا التشابه الواهم بينه وبين جوانب حياتنا المترعة بأطياف الخيال.
فصول المسرحية
وبدراسة التراث الذي وصل إلى أيدينا، نجد أن المسرحية الظلية في شتى منابعها قد انقسمت إلى أربعة فصول:
1-المقدمة: وكانت عبارة عن افتتاح ثم الغناء ثم ابتهال إلى الله سبحانه وتعالى ودعاء للحاكم وشكر للمتفرجين وتمنيات لهم بالمتعة والعبرة.. وكل هذا عن طريق الراوي الذي يقوم بدوره “حاجي واد”.
2-المحاورة: وهي في الغالب الأعم تدور بين “قَرَه كُوزْ” و”حاجي واد”، وتعتمد على اللفظ اعتمادا كليًّا، وهدفها تسليط الأضواء على الفوارق الواضحة بين شخصيتي “قَرَه كُوزْ” و”حاجي واد” التي تمثل كل منهما نمطا معينا من البشر.
3-الفاصلة: وهي المسرحية نفسها، وتشتمل على كل الأحداث التي تتكون منها البابة وتشترك فيها بقية الشخصيات والشخوص الموجودة.
4-الخاتمة: وفيها إذا كان “حاجي واد” هو الذي قدم المقدمة فإن “قَرَه كُوزْ” هو الذي يقدم الخاتمة؛ وفيها يتمنى للمشاهد أن يصيبه ما أصاب البطل من خير، ويجنبه ما وقع فيه من مآزق، ويعتذر عن أي قصور بدر منهما في هذا العرض متمنيا تلافيه في العرض القادم الذي يعلن عنه.









