أمير العمري
ولعل فيلم الجريمة الكلاسيكي الشهير “بدم بارد” (1967) لريتشارد بروكس، يظل المثال الأفضل في مجال فيلم الجريمة الناجح. في هذا الفيلم المأخوذ عن رواية ترومان كابوت وقد كتبها انطلاقا من أحداث حقيقية، كان أمامنا اثنان من المجرمين اللذان يرتكبان جريمة متعددة، أي يقتلان أفراد عائلة كاملة دون أي دافع واضح، بعد فشل السطو على منزل تلك العائلة وفشلهما بالتالي في العثور على مبلغ مالي كبير في خزانة للمال، بعد أن اتضح أن لا وجود لتلك الخزانة في المنزل أصلا.
كانت لدينا شخصيتان رئيسيتان يعود الفيلم في فلاش باك إلى طفولتيهما وعلاقة كل منهما بوالديه، ويرسم العلاقة في ما بينهما بطريقة مشوقة ومقنعة كثيرا، كما يجعل الجريمة تبدو وكأنها تعويض عن نقص في الشخصية وتعويض عن الفشل في الحياة الذي يصل إلى ذروته مع الفشل في ارتكاب هذه الجريمة البسيطة، أي السرقة.
عبادة الشيطان
فيلم “الأماكن الداكنة” مأخوذ عن رواية الكاتبة غيليان فلين، مؤلفة الرواية التي اقتبس عنها فيلم “فتاة مختفية” الذي حقق نجاحا كبيرا. الشخصية الرئيسية في الفيلم الجديد هي ليبي داي (تقوم بالدور تشارليز ثيرون). وهي امرأة في أواخر الثلاثينيات من عمرها، تعيش وحيدة على الإعانات التي يقدمها لها فاعلو الخير، بعد مقتل والدتها وشقيقتيها بطريقة وحشية قبل، وكانت وقتها في الثامنة من عمرها.
نجت ليبي وشقيقها بنيامين من القتل، وكان هو في السادسة عشرة من عمره، ورغم أن ليبي لم تشاهد بوضوح ما وقع في منزل أسرتها في تلك الليلة، إلاّ أنها شهدت ضده تحت تأثير الضغوط التي مورست عليها، وبسبب ما أحاط بشقيقها بنيامين من علامات استفهام حول تورطه في جماعة من المراهقين الشباب المنغمسين في عبادة الشيطان، ونفورها الشخصي منه بسبب ما كان يتردد في مدرستها حول علاقته بفتيات صغيرات، والنتيجة أنه حوكم وصدر في شأنه حكم بالإعدام.
ليبي التي لم تلتق بشقيقها منذ وقوع الجريمة عام 1985، أي منذ نحو 30 سنة، تجد نفسها أمام شاب يطاردها لكي تقبل مقابلة أعضاء ناد يسمى نادي القتل، ويضم مجموعة من المهووسين بالجرائم الغامضة، يحاولون نسج نظريات أخرى مضادة للتفسيرات الرسمية، وهم يعتقدون أن شقيقها بريء، ويريدون مناقشتها في الأمر. بعد تردد تقبل ليبي العرض مقابل الحصول على مبلغ من المال تحتاجه بعد أن تراكمت الديون عليها.
تذهب ليبي بعد ذلك، للقاء شقيقها الذي يؤكد لها أنه لم يرتكب الجريمة، ولكنه لا يفصح عن سبب صمته وامتناعه عن تقديم استئناف طوال تلك المدة.
ومن هنا يبدأ سعي ليبي إلى معرفة الحقيقة من خلال البحث عن كل الشخصيات التي أحاطت بالقضية في تلك الفترة: الفتاة التي ادّعت أن بنيامين كان يحاول إغواءها وأصبحت الآن راقصة تعرٍّ في أحد النوادي، والشاب الهندي الذي كان ضالعا في جماعة عبادة الشيطان بما في ذلك الطقوس الخاصة الوحشية في قتل الأبقار، ووالدها الذي يعيش الآن في العراء في منطقة مليئة بالنفايات السامة، وصديقة شقيقها التي أصبحت حاليا تقيم مع ابنتها التي هي ابنة بنيامين منها، والتي نعرف في فلاش باك أنها كانت موجودة في المنزل وقت وقوع الجريمة، وأنها هي التي قامت بقتل إحدى شقيقتي ليبي خنقا، بينما قتل الأم والشقيقة الثانية رجل كان قد اشترى مزرعة الأسرة نتيجة حاجة الأم للمال، وعقد معها اتفاقا على أن يقتلها ويصور الأمر على أنه انتحار، وذلك كمخرج مشرف للأم أمام أبنائها.
كل هذه المشاهد تتداعى من خلال أسلوب العودة إلى الوراء، فلاش باك، على مرات متقطعة وفي سياق مشوش، فهذه الاستعادات تتداعى هنا من وجهة نظر ليبي التي يستحيل وجودها في الكثير من المشاهد، خاصة ما يدور في عالم عبدة الشيطان وقتل الأبقار وما إلى ذلك.
الخليط المشوش في الفيلم يشمل كل ما يمكنك تخيله في فوضى درامية مخيفة، فلدينا مشاهد تجسد عبادة الشيطان وطقوس قتل الأبقار، مزاعم الاعتداءات الجنسية على الأطفال ورد فعل أسرة طفلة تدّعي أن بنيامين تحرش بها، كيف تصل الأم إلى حافة الإفلاس واليأس، الفتاة الثرية التي كان يحبها بنيامين والتي حملت منه وأنجبت ابنة لم يرها بعد دخوله السجن، تدخين المخدرات، اعتداءات الأب المفلس على زوجته وسرقة مدخراتها… إلى غير ذلك من المشاهد والتداعيات والاستعادات المربكة تماما.
ليس من المقنع أن ليبي التي بلغت نهاية الثلاثينات من عمرها، لم تقم بزيارة واحدة لشقيقها في السجن، وليس مقنعا أن يبقى شقيقها صامتا يقبل عقوبة الإعدام لمجرد حماية صديقته القديمة التي أصبحت أما لابنته التي لم يرها ولا يعرف مصيرها، وليس مقنعا أننا عندما نشاهد تلك الفتاة/ الابنة مع أمها نراها لا تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها في حين يكون من المفترض أنه قد مرّت على الأحداث ثلاثون سنة.
وليس مقنعا أن ليبي، التي تضع على رأسها طوال مدة الفيلم قبعة البيسبول وترتدي قميصا باليا، لم تجد أي عمل يجعلها لا تضطر لقبول 700 دولار (وهو مبلغ هزيل) مقابل الظهور أمام أعضاء نادي القتل الذين يسلخونها بالأسئلة والاتهامات، وأنها كانت تعيش طول هذا الوقت، على تبرعات المتعاطفين معها، وليس مقنعا أخيرا، أن تقبل الشرطة بتقديم شخص للمحاكمة دون وجود أدلة واستنادا إلى شهادة ضبابية من طفلة لا تدرك شيئا، وليس مقنعا أن يقضي المحلفون بإدانة بنيامين رغم عدم وجود أدلة مادية على ارتكابه للجريمة.
فيلم فاشل
لو كان موضوع الفيلم قد وقع في يد مخرج آخر يمتلك رؤية وقدرة وخبرة وخيالا، لما تعثر هكذا في العشرات من الخيوط، ولكان قد استغل فكرة واحدة فقط مثل فكرة نادي القتل لكي يجعل من هذا المكان شيئا فريدا في سياق الفيلم، أو لما اكتفى بجعل شخصية ليبي (التي تؤديها تشارليز ثيرون بصورة نمطية أحادية)، شخصية باهتة غير مقنعة على نحو ما شاهدنا، ولكانت الأحداث قد توزعت بشكل أفضل، وتداعت من ذاكرة أطراف عدة، كما شاهدنا في فيلم “بدم بارد”.
ومع ذلك ليس من الممكن أن نفترض فيلما آخر غير ما لدينا، وما لدينا يفتقد للإقناع وللتشويق، ولوضوح الشخصيات وخلفياتها النفسية، ولهذا فهو فيلم فاشل حتى لو رأى البعض أنه مثير لاهتمامه.
هناك انفصال كامل مع المكان، على العكس من بروز دور المكان في “بدم بارد”، حيث صور الفيلم في المنطقة الحقيقية التي وقعت فيها الجريمة، بل وداخل نفس المنزل، أما هنا فالمخرج الفرنسي غير ملم، ليس فقط بطبيعة منطقة وسط الغرب الأميركي، بل وبالتكوين النفسي لسكانه أيضا، الأمر الذي ينعكس على الفيلم فيجعله باهت الملامح، يمكن أن تدور أحداثه في أي مكان وزمان.
يبدأ الفيلم في الماضي، في 1985، بلقطات للطفلة ليبي وهي في المستشفى، وقدمها اليمنى في الجبس، تنصت لصوت محقق يسألها عما حدث ويكرر السؤال، حول ما إذا كان شقيقها هو الذي قتل أمها وشقيقتها؟ وبعد زيارتها لنادي القتل مباشرة تستعيد الماضي في لقطات ضبابية شاحبة بالأبيض والأسود، وهي تحاول الهرب بينما يلاحقها شقيقها مرددا اسمها إلى أن تقفز من النافذة وتبتعد. هذه الاستعادة في الذاكرة منطقية، لكن من غير المنطقي أن تتداعى في ذاكرة ليبي أيضا تفاصيل تتعلق بلقاء أمها مع ذلك الرجل الغامض الذي يحاصرها بشبح الإفلاس المحدق بها، وبأن عليها أن تعثر على المال بأي طريقة.
يظل الفيلم ينتقل من الحاضر إلى الماضي عبر مونتاج غير مترابط، منتقلا بين شخصيات عديدة على العكس من “بدم بارد” الذي كان يدور حول شخصيات محدودة واضحة العلاقات، وبتركيز خاص على الشخصيتين الرئيسيتين، مسلطا الضوء ببراعة على تكوينهما النفسي. لذلك ففيلم “الأماكن الداكنة” يظل يدور حول نفسه بعيدا عن الاستنارة.









