بقلم / محمد علي محيي الدين
وكان لبرامجه الإذاعية الكثيرة تأثيرها المباشر على المستمعين،بما فيها من جدة وأصالة،وخصوصا برنامجه الذائع الرائع عن الشعر الشعبي الذي يقدمه من دار الإذاعة العراقية وقد استحوذ على اهتمام المستمعين وإعجابهم وأضاف جديدا لمدرسة الشعر الشعبي العراقي ،ومن خلاله ظهرت عشرات الأصوات الشعرية التي شكلت علامات بارزة في ميادين الشعر والأدب،وكانت تساعده في تقديمه الفنانة القديرة زكية خليفة ذات التوجه الوطني المعروف،ولكوني من شداة الشعر وبغاته ومن الراكضين وراء من يكبرنا من الشعراء،ومن المحسوبين على الخط اليساري وإن كنت في وقتها من الهامشيين،فقد أعجبت به الإعجاب كله وكنت أجمع في دفاتري الغرر من قصائده وقصائد النخبة الوطنية المقاتلة من شعرائنا الشعبيين،وبدأت أتسقط أخباره وأتابع أثاره،وكنيت نفسي بأبي زاهد رغم أني لم أكن متزوجا آنذاك،فكنت أكتب أشعاري وأذيلها بكنيتي الأثيرة (أبو زاهد)حتى أني أشرت لذلك في قصيدة كتبتها عام 1970 بعد الرحيل الإجباري عن بغداد قلت فيها:
كضيت أيامي ابغداد حسرة تغار من حسرة
أقاوم للدهر مرات ما ذليت فد مرة
وعلى ليل القهر سليت سيفي وما ظهر فجره
أقاوم وبأمل غركان بلجي تلوحله العبرة
وأناضل والدهر ما لان عوده ولا ضعف أمره
جلولاء وتكت احزان
نسافرله بجدم تعبان
مقرنة صار هالمرة
وعندما ولد ولدي البكر أسميته (زاهدا) رغم معارضة الأسرة واختيارها لأسماء عدة منها ما هو جديد يتلاءم وطبيعة أسماء تلك الفترة،ومنها ما هو على أسماء آبائي وأجدادي الميامين،ومنها ما هو على أسماء الأئمة من آل البيت،ومنها ما عبد وحمد وجمد إلى آخر الاعتبارات في اختيار الأسماء للعراقيين،ولكني رفضت الجميع وأعلنتها ثورة عاصفة بإصرار غير مسبوق على أن يكون زاهدا،وحجتهم أنه ليس من الأسماء المألوفة،فقلت لهم ولكن هناك الشاعر زاهد محمد وهو أثير في نفسي،فقالت الوالدة رحمها الله(منين اجاني زاهد هذه زهده البين) تلك هي علاقتي بالشاعر زاهد محمد زهدي،وهي علاقة طويلة امتدت لعقود،وعايشته متمثلا بولدي البكر لثلاثة عقود،رغم أنه لم يصبح شاعرا أو أديبا،بل اختار الطب،فكان زاهد الأول طبيبا للعقول والقلوب،والثاني همه أن يأخذ ما في الجيوب.
وكانت لي سياحة طويلة مع دراسته الرائعة عن الملا عبود الكرخي التي صدرت عن وزارة الإعلام العراقية،في أوائل السبعينيات،وكانت دراسة واسعة رائعة تناولت جوانب مثيرة من شاعرية الكرخي أبدع فيها أيما إبداع،والرائدة بين الدراسات التي تناولت الأدب الشعبي نحى فيها منحى أدبيا رائعا،وبمنهجية عالية دلت على قدراته في الدرس والتحليل والاستنباط،ولا زالت جديدة رغم مضي أكثر من ثلاثة عقود على صدورها،ولا أعتقد أن أحدا كتب عن الكرخي دون أن تكون هذه الدراسة من مصادره لما فيها من جدة وإبداع،وكانت لي عليها ملاحظات وتعليقات نشرت في مجلة التراث الشعبي آنذاك.
واليوم حاولت أن أطوف في عوالم الفقيد زاهد محمد الشاعر والأديب والسياسي والإعلامي الذي احتلت برامجه مكانا خاصا في الذاكرة العراقية،ولا زال الكثيرون يتذكرونها لما تركت من آثار وبصمات على الكثير من البرامج التي جاءت بعدها، لما تميزت به من جدة وإبداع.
لقد كان برنامجه عن الشعر الشعبي مدرسة حافلة بكل ما هو جديد،وقد تخرج عن طريقها الكثير من الشعراء،وعرفهم الجمهور،وكانت له ملاحظاته على القصائد التي لا تصلح للنشر ،وكانت ردوده في منتهى الرقة والشفافية بما لا يحبط من معنويات الآخرين ،فكان يختار كلماته بدقة للتعبير عن رفض هذه القصيدة أو تلك بما لا يؤثر على نفسية قائلها،وربما تكون له توجيهاته النافعة لكاتبها بما تنفعه في محاولته القادمة،لذلك كان الجمهور يتابعها بترقب،كما يتابع برنامج خالد الذكر شمران الياسري(احجيها بصراحة يبوكاطع)،وكان لهذين البرنامجين تأثيرهما الواضح في الأوساط الشعبية العراقية وخصوصا بين الجماهير الفلاحية التي أخذت تستنير أفكارها بفضل ما تستمع إليه من هذين البرنامجين،وكان لهما التأثير المباشر في الاستقطاب الشعبي لجانب الثورة في بداياتها الأولى,
وكان برنامجه الآخر الصوت المعبر عن الهم الوطني والفكر الشعبي الرافض للتدخلات الخارجية في الشأن العراقي عندما وجه عبد الناصر سمومه إلى الثورة العراقية من خلال المأجور أحمد سعيد الذي كان بوقا من أبواق الردة والعمالة وإشاعة الأراجيف ضد الشعب العراقي فكان لزاهد محمد قلمه الشجاع الذي أفحم هؤلاء وكال لهم الصاع صاعين وبرنامجه الرد الحاسم على تخرصات إذاعة صوت العرب التي كانت رأس الرمح (كما هي اليوم) في محاربة الشعب العراقي وثورته ،لغايات دنيئة همها الاستحواذ على الأموال العراقية تحت ستر باهتة تلفعت أبراد القومية المزيفة،والعروبة التي تأبى أن يكون هؤلاء من قادتها والذائدين عنها لما في أنسابهم من الزيف والغش الذي يعرفه الجميع. وبرنامجه الرائع (غيده وحمد) من البرامج التي ألهبت الجمهور وجعلته يتابعها باهتمام ،وأشركت الريف العراقي في الاهتمام بمتابعة الإذاعة العراقية،مما جعلهم على شيء من المعرفة والاطلاع ،والمتابعة لما تذيعه وسائل الإعلام.









