قراءة : داود سلمان الشويلي
ان الرسم على الزجاج فن من الفنون التي عرفتها الحضارات القديمة – شرقية وغربية – ، إذ عرفت الحضارة الإغريقية ،و الحضارة الرومانية هذا الفن منذ قديم الزمان ، اما في فترة انتشار واتساع الديانة المسيحية – خاصة في الغرب – فقد لاقى هذا الفن رواجا كبيرا ، خاصة في تلوين زجاج نوافذ الكنائس والاديرة ، وكذلك من خلال رسم الايقونات والفسيفساء التي تصور غير النباتات شخصيات دينية ايضا، وان ما يميز تلك الرسوم هو تمثيلها للرموز الدينية المقدسة ،و ما تحمل من رمزية كبيرة و مقدسة ، اذ تمرر ضوء الشمس ونور القمر داخل البناية التي كانت نافذتها او ابوابها قد تزينت بهذه الالواح الزجاجية بصور رمزية ومقدسة.
دخل الزجاج الملون الى البيت الشرقي ليظفي جمالية كبيرة من خلال تحلية الابواب والشبابيك والاثاث برسوماته والوانه ، حيث ازدهر وراج هذا الفن التزييني الجميل في العمارة الحديثة في العراق ، كما في العمارة القديمة ايضا.
قالت مرة الفنانة « مروة الحائك « وهي تتحدث عن ازدهار فن الرسم على الزجاج في بيئتنا العراقية كما هو يزدهر في البيئات الاخرى:
(( ان نجاح هذا النوع من الفن هو جلب الفرح والمتعة للناظر وذلك بتنزين المدن والبيوت و… الخ.. فهو يزيد في تنمية الذوق الفني وينشر الثقافة القومية ويزيد في القيمة الحضارية لتلك البقعة من العالم ويزيد من سمعة تلك الأمة..كما ان المواطنين الذين يعيشون متجاورين مع الأعمال يحسون بها وتكون نقطة دالة لهم لحياتهم الخاصة ويحسون بحركة الحياة اكثر..
والإحساس بالحياة ثمرة كبيرة لا يمكن الحصول عليها بالشكل الحسي فهي تتكون من مجموعة العلاقات الحسية التي تتجمع وينظم بعضها البعض لابراز حقيقة ما كانت مكبوتة داخل الإنسان وهذا لايتكون إلا بتكوين الشخصية الذاتي للفرد الذي يمتلك من الوعي والإدراك ما فيه الكفاية للوصول إلى ما يحقق له وجهه النظر في الرؤية ، والتصور.. ان من يتعشق الطبيعة ويفهم معنى البيئة يعيش بمشاريع فنية تصويرية للبيئة التي يعيش فيها ويتفاعل معها فيخطط لها وبذلك على الفنان أن يرتبط ارتباطا عمليا بطبيعته وهذا الارتباط يعزز فيه حب الوطن والتضحية من أجله…)).
والرسم على الزجاج يحتاج الى مهارة فنية ، نجدها مجسدة عند الفنانة التشكيلية العراقية مروة الحائك ، تلك الفنانة التي تنوع خطابها التشكيلي ، وتعددت نظرتها الفنية للحياة ، حيث جسدت في منجزها الفني التشكيلي الكثير من اللوحات التي شاركت في معارض عامة وشخصية ، وقد طغت المأساة التي تعيشها في الموصل ، ويعيشها الشعب العراقي بعد 2003 على هذا المنجز التشكيلي.
تنوع منجز هذه الفنانة التشكيلي وأخذ مناحي عديدة ، و انواعا مختلفة ، فتعددت مساراته ، منها :
– تمثيلها للبيئة التي تعيش في كنفها ، مثل لوحة « الرحيل « التي عكست البيئة الجبلية ، والمناظر الطبيعية لتلك البيئة ، مصورة جمالها الاخاذ برؤية حزينة ، و ماساوية بعد ان حل بين جنباتها داعش الاجرامي فاحال جمالها الى قبح ، فبات اللون مستغلا بأحسن صوره عندما بات حزينا كئيبا.
– منجزها الابداعي الذي تمثل بلوحات رسمتها للمأساة التي ينوء تحت وطئها المجتمع العراقي ، وخاصة نصف المجتمع العراقي ، المرأة « التي حظيت بجل ابداع الفنانة الحائك التشكيلي ، فكانت المأساة ترتسم على كل شيء فيها ابتداء من ملامح وجهها الذي كان منيرا بالسعادة والفرح فاحالته المأساة الى وجه حزين يعكس الامها واوجاعها ، مثل لوحة ( الريفية التي تحتظن اطفالها ) ولوحة ( المرأة المتشحة بالسواد ، حيث تبرز من وجهها عين واحدة وتنظر الى الامام لترى مشاحيف فارغة ، وقبابا تعيش الظلام ) وغيرها ، فانعكس على ذلك الوجه المشرق للمرأة العراقية حزن والم المأساة التي نعيشها اليوم.
– منجزها التشكيلي لـ « حياة جامدة» ( الستيل لايف) التي انجزت منها لوحات كثيرة ، وعلى احدى اللوحات تكتب بتأثر كبير (حياة جامدة – مثل حياتي جامدة في ظرفي الحزين ) .
– اللوحات السياسية النقدية ، مثل لوحة (مظاهرات نحو التغيير والمستقبل الأفضل الجميع) و لوحة ( اين العدالة ) وغيرهما .
– لوحات للاطفال ، وزخارف متنوعة وجميلة ، التي تعكس خيالات واحلام الطفولة.
– لوحات «اوب ارت» ( الفن البصري ).
– لوحات الجرافيك.
– الرسم على الزجاج .
اما المواد التي استخدمتها في انجاز مفردات منجزها التشكيلي فهي متنوعة ما بين لوحة الكنفاص ، ولوحة القماش ، ولوحة الزجاج ، ولوحة الورق .
وقد استعملت الوانا عديدة في تقديم هذا المنجز التشكيلي مثل : الزيت ، والاكريليك ، والمائية ،والوان الرسم على الزجاج ، والقلم الخشب ، وقلم الفحم ـ، وقلم السوفت.
هذه الفنانة الموصلية التي تعيش الاحتلال الداعشي الظلامي ، تنوع اسلوبها الفني ، تقول في حوار معها ( بالنسبة لي انا اعتمد كل المدارس، الموضوع هو الذي يفرض علي الاسلوب الذي اشتغل به) فكانت كل المدارس من التجريدي ، والواقعي ،والتعبيري ( مثل لوحة الاوجه المتعددة )، والرمزي ( القوة من الطرف الآخر ) ،والانطباعي ، والسريالي، ميدانا لذائقتها التشكيلية ، فراحت فرشاتها تصب الوانها على كنفاص لوحتها بماساوية حادة.
ان تنوع اساليبها ، وتنقلها بين المدارس الفنية ، وتعدد الوسائل المستخدمة في انجاز لوحاتها قد جاء بسبب ان المجتمع الذي تعيش فيه هو مجتمع غير مستقر ، وغير امن ، وتشوبه الكثير من المعوقات التي تقف امام اعضائه ، بل امام الفنان نفسه ، فراحت ذائقتها التشكيلية ، تحت تأثير نفسيتها غير المستقرة وغير الامنة كما الواقع الذي تعيشه في العراق ، وخاصة الموصل المحتلة ، تتنقل بين المدارس والاتجاهات الفنية.
يتميز اسلوب مروة الحائك بالبساطة في طرح الافكار ، والبساطة في تجسيد تلك الافكار بلوحات تشكيلية ،انها بساطة الفكرة ، وبساطة في تخطيط اللوحة ،و في توزيع اللون ، حيث راحت خطوطها وتشكيلاتها والوانها ترتسم في اللوحة بكل راحة وبساطة.
في هذه السطور سنتحدث عن المنجز التشكيلي للفنانة الحائك بما له علاقة في رسم الزهور والورود والطيورعلى اللوح الزجاجي ، الذي سيأخذ مكانه على جدار ، او في اثاث ، او في باب ، او شباك ليعكس ضوء الشمس ، ونور القمر وهو في السماء ، بالوانه المتعددة ورسوماته الجميلة.
اذا كان الرسم على الزجاج اصبح بعد هذا التاريخ مهنة بيد العمال والاسطوات ، الا انها على يد مروة الحائك اصبحت فنا ،فن يستلزم الفكرة ، والخط ، واللعب بالالوان ، وفوق ذاك يستلزم المهارة، مهارة فنان حاذق ، اضافة الى مهارة الاسطة في هذا الفن الجميل .
امامنا اكثر من عشرين لوحا زجاجيا قد رسمت عليه ازهار و ورود ، واشياء اخرى ، اوراق الاشجار وبعض الطيور ، والفراشات.
انجزت الفنانة الحائك لوحاتها التي تمثلت في:
– رسم الورود واوراق الشجر التي تنتظم في غصن اخضر رفيع ، فيما الورود والازهار قد توزعت بشكل جمالي .
– رسم ورود متنوعة ، بالوان جميلة تضفي بعض البهاء والنضارة المفقودة في حياتنا الواقعية التي نعيشها يوما بيوم.
– رسم طيور ، حيث تتشكل لوحتها بها .
– رسم الورود والازهار مع الطيور بتنسيق فني جميل، مثل ( البجعة والطبيعة ) .
هذا المنجز الغني والثر للفنانة التشكيلية مروة الحائك قد وضعها في مصاف الفنانين المقتدرين من ادواتهم الفنية ، إذ انها تستطيع ان تستغل اللوح الزجاجي بفنية واحتراف عاليين ، فتنجز لوحتها عليه في وضع معين ، كأن يكون اللوح عموديا ، او يكون افقيا ، فتجسد فكرتها بالرسم عليه ، فتأت اللوحة على شكل كتلة مضمومة الاجزاء الى بعضها ، او ممتدة الى الاعلى او بصورة افقية .
—————— الفنانة مروة الحائك دبلوم فنون جميلة قسم تشكيلي ، و بكالوريوس فنون جميلة قسم تشكيلي ، عضو نقابة الفنانين ، عضو جمعية التشكيلين، شاركت في اكثر من معرض اقامته النقابة والجمعية ، اقامت معارض شخصية عديدة ، حصلت على جوائز ومداليات وشهادات تقديرية .









