عبد السادة جبار
تمثيل : كولين فيرث ، نيكول كدمان ، هيروبوكي سابادا اخراج : جوناثان تبيلتز الانتاج : استراليا – امريكا -2014
عندما تنقلب الامور وتتاح الفرصة للضحية ليكون جلادا لجلاده في زمن مضى ما لذي يجب ان يحدث ؟ وخصوصا عندما يختبئ الجلاد في قناع يتيح له الخلاص ..هل يترك الضحية ثأره واثار تلك الايام التي ذاق فيها مرارة الظلم والامتهان والتعسف ؟ هذا هو موضوع فيلم ” رجل سكة الحديد THE RAILWAY MAN ” لمخرجه الاسترالي ” جوناثان تبيلتز ” ويلعب الادوار الرئيسية فيه ” كولين فيرث ” و” نيكول كدمان ” الفيلم اشترك بعدة مهرجانات عالمية منها مهرجان تورنتو ومهرجان دبي وهو مرشح للاشتراك في اوسكار 2015 انتاج مشترك بين امريكا واستراليا ، الفيلم يصور قصة حقيقية اخذت من سجلات الحرب العالمية الثانية ولم يزل بعض ابطالها احياء ،فهو فيلم يستذكر اثار الحروب ومعادن المشتركين فيها وما تتركه من تأثيرات على تكوينهم السيكولوجي وحاجتهم الحقيقية للاندماج في زمن السلام ،فهو يصور التعذيب والخوف والاضطهاد ثم ينقلنا الى مرحلة السلام والحياة الاعتيادية والعلاقات الانسانية والحب والاستقرار لكن الفيلم لا يجعلنا ننسى تلك الايام القاسية التي تتحول الى كوابيس تطارد من عاشها ووشمت آلامها على جسده وعقله وروحه ، الفيلم وثيقة ادانة وتحذير وذاكرة انسانية.
قصة الفيلم
يروي الفيلم قصة حقيقة عن مهندس قطارات انجليزي ” ايريك اوماكس ” الممثل (كولين فيرث ) يلتقي صدفة في احد القطارات امرأة جميلة ” باتي ” الممثلة ( نيكول كيدمان ) حيث يدور بينهما حديث عفوي ينتهي اللقاء السريع بنزوله في المحطة الا انه يكتشف بانه يحبها ،وبما انه يعرف مسارات القطارات واوقاتها فيلاحقها لتكتشف هي ايضا انها تحبه فيتزوجان ليعوض في حياته الماضي المؤلم الذي كان يعاني من ذكرياته ،لكن تلك الذكريات لم تنته حيث تطارده وتتحول الى حالة مرضية لم تدرك زوجتها اسبابها الا بعد الاستعانة بصديقه الحميم الممثل (ستيلان سكارسيكارد ) ايريك لوماكس اسير حرب لدى اليابان من قوات الحلفاء، وقد ارغموا على العمل الشاق في بناء سكة الحديد التي تربط بين تايلندا وبورما خلال الحرب العالميه الثانية. وقد تسببت هذه التجربة بصدمة ايريك وانعزاله عن العالم ،يحكي لها تاثيرات ذلك الاسر المرير والتجربة التي مر بها اوماكس تحديداحيث تمكن بذكائه للاستفادة من تجميع القطع الكهربائية التي يسرقها من اليابانيين ليصنع منها راديو يستمع به للاخبار ليخبر اصدقاءه سرا بان الجيش الامريكي يحقق انتصارات على الجيش الياباني ، فيكتشف اليابانيون الامر ويظنوا ان اوماكس كان يتصل بالقوات المقابلة ويدلهم على مكان المعسكر فيتعرض هو واصدقاؤه الى تعذيب شديد ومهين وعلى وجه التحديد من ضابط ياباني مترجم ” ناغازا” الممثل (هيروبوكي سابادا ) الذي يتحول الى جلاد حيث يحفر في ذاكرة اوماكس الآم تعذيب واهانات لا تنسى تستمر معه وتقض مضجعه ،حين تنتهي الحرب يفلت ناغازا من العقاب حيث يدعي انه مترجم وليس له علاقة بموضوع الاسرى ،يعرف اوماكس ان ناغازا يعمل الان كدليل سياحي في نفس المكان ،وتشتعل في داخله الرغبة في الانتقام من ناغازا فيقرر ملاحقته ليحقق العدل بنفسه بعد ان نجا من العقاب بحجة كونه مترجما ،ويتمكن منه حيث يعتقله بنفس الأمكنة التي تحولت إلى مواقع سياحية ،وكلما يحاول اوماكس شفاء غليله يتراجع في اللحظة الاخيرة اذ لا تطاوعه ذاته على الانتقام ،كان يجري المحاكمة معه ويحصل على الادانة لكنه لا ينفذ العقاب ،يعترف الجلاد بجرائمه ” لقد دفنت وعذبت كثيرين بهذه يدي لكني اتعذب الان ” يحاول اوماكس ان يحقق المعادلة عبر تقييده او وضعه في نفس القفص الذي وضع به او يفكر بقتله لكنه لايجد معنى لهذا الانتقام يمكن ان يحقق له الراحة النفسية ،كانت نية إيريك لوماكس قتل المترجم الجلاد، لكنه أراد أن يجعله يعيش قليلاً من الرعب الذي زرعه في نفسه، حاول تعذيبه ففشل، حاول تقييده، وفشل أيضاً، زج به في القفص الصغير الذي كانوا يزجون فيه أسرى الحرب، وأغلق الباب عليه، استسلم ناغازا له كانه يريد ان ينهي حياته ، استسلم للموت للنهاية ، اغمض عينيه معتقدا ان الامر نافذ لكنه فتحهما ليجد ان حبل القفص قد انقطع بالخنجر الذي كان من المفترض أن يغرس في عنقه ، يكتشف اوماكس ان الجلاد نادم ويعذبه ندمه ،اذ تحول الى ضحية يعذبها ماضيها و قد حول المكان بكل محتويات التعذيب والاعتقال الى متحف كشاهد على اثار الحرب ونوع من التكفير عن الاثام التي ارتكبها ويعترف له انه كاذب وانه اسف لا خوفا من العقاب بل شعور بالعار ،وهكذا ينتهي الامر بالمصالحة والعناق حيث يبكي ناغازا باحضىان اوماكس وهويردد انا آسف ..يشير المخرج في نهاية الفيلم الى انهما تحولا الى صديقين حميمين لا يفترقان حتى توفى ناغازا عام 2011ومات اوماكس عام 2012 ودفن الى جانب زوجته. المعالجة السينمائية كتب القصة الحقيقية الشخصية الرئيسية ( ايريك اوماكس ) والذي عاش أحداثها الفعلية لكن كتابة السيناريو تمت بعد وفاته عن طريق فرانك كوتريل و اندي باترسون ،المخرج الاسترالي “جوناثان تبيلتز” قدم فيلما مبنيا على الطراز الكلاسيكي خصوصا في تصوير اجواء الحرب وتعذيب الاسرى وبناء السكة ، بشكل ينقل المشاهد لهذا الزمن بكل تفاصيله وآلامه، وتداعياته،الا انه كان مختلفا عن تلك الافلام التي حكت عن نفس المرحلة ، تعامل مع القصة بأسلوب واقعي وشاعري في نفس الوقت لكنه تجنب تصوير مشاهد التعذيب القاسية بشكل مباشر الا انه تمكن من توصيلها عبر مونتاج ذكي خلال مشاهد الفلاش باك التي ضمها بذكاء داخل مشاهد الحياة المدنية التي يعيشها اوماكس ، اعتنى تبيلتز بالتفاصيل الفنية لايصال الصورة بتجسيد حي مؤكدا على فكرة الموضوع الوثيقة ،وفي نفس الوقت عالج الحالات النفسية والتأثيرات الإنسانية بلغة سينمائية شاعرية فكان الفيلم مزيجا من الوثائقية التاريخية والواقعية الشاعرية ، ومن المشاهد الرائعة تلك التي صور فيها مشاهد محاكمة اوماكس لناغازا والمحاولات المترددة لمعاقبته ، كما ان المشهد الاخير الذي صور فيه الندم الشديد لناغازا واحتضان اوماكس له داخل شق ضيق في جبل وهو مكان حقيقي كان من أجمل المشاهد المؤثرة التي تدلل بعمق على معنى المصالحة الانسانية بين الناس .مثل دور اوماكس الشاب الممثل جيرمي ايرفين الذي عاش مرحلة الحرب والتعذيب ،لكن الممثل كولين فيرث نهض بدور اوماكس ما بعد الحرب وقدم اداء رائعا كما شاهدناه مبدعا في دوره الرئيس ” خطاب الملك ” ليفوز بجائزة البافتا عن دوره ،تمكن كولين ان يؤدي الشخصية الحقيقية ببراعة ،التحولات الأدائية في إبراز تلك الاعماق الغاضبة الساكنة السعي والاصرار على الانتقام والتردد في التنفيذ في اللحظة الأخيرة ،وقد لعبت الممثلة الاسترالية نيكول كيدمان دور الزوجة بالرغم من المساحة غير الواسعة لهذا الدور الا انها كانت مميزة منذ اللقطات الاولى الى نهاية الفيلم حيث كانت تراقب عناق المصالحة الرائع بين ناغازا واوماكس والدموع تترقرق في عينيها بصمت مؤثر .فيلم ” رجل سكة الحديد ” يستحق المشاهدة ومن اول تلك الاسباب كونه قصة حقيقية وليس من صنع الخيال وفيه دعوة واعية ورصينة لمعنى المصالحة والتخلص من عقد الماضي.









