فنون

لوحات رياض نعمة: شاهد حقيقي على الإنسانية

منى أبو صبح

 

يعد رياض نعمة واحدا من الأسماء المهمة في الحركة التشكيلية العربية والعراقية، والذي قدم عبر السنوات الماضية تجارب لافتة، وأضاف إلى أعماله الفنية وإنجازات جيله الكثير عبر إخلاصه للمشهد الواقعي.الفنان نعمة جرب الرسم المباشر وطوع العديد من التقنيات الطباعية والفوتوغرافية لإنجاز لوحة بمواصفات عالمية، وهو الذي ظل حريصا عبر تناوله للإنسان وفي كافة المراحل التقنية التي قدمها، وخصوصا ما تعلق منها بالطفولة العراقية، في وقت اشتدت وما تزال فيه محنة شعبه وأمته. يروي نعمة : مقتطفات من مسيرته الفنية مع الرسم عندما بدأ في السادسة عشرة من عمره برسم بورتريه لامرأة، ومنها صار شغوفا بالرسم، حيث تنقل نعمة مع أصدقائه بالمقاهي وأصبحوا ينقلون جلسات كبار السن بتفاصيلها العديدة. يتابع نعمة “انعكاس هذه الفترة يظهر في أعمالي جميعها، وهي أن التخطيط بالمرحلة الأولى بالتفكير، ليصبح العمل الواقعي مميزا، فهناك الكثير من الرسامين يبدؤون بالتجريد، وهنا يكمن ثراء التجربة”.ويضيف “انتقلت للون العام 1990، ومن ثم دخلت لمجال المواد من خلال السطوح الخشنة والكولاجات وتلصيقها وتنوعت مواضيعها بين التجريد والتراث والذاكرة، وعدت للشكل الواقعي العام 2000 بعدما رأينا الرجوع للكلاسيك الواقعي الذي هو بالأساس جزء من ثقافتي في متابعة الحركة الواقعية بشكل أكثر معاصرة، حيث دخلت تقنيات الطباعة، وفتحت النافذة على العالم عبر وسائل الاتصال، ومنها انطلقنا بأعمالنا”.يوثق نعمة اللقطات (لقطة صغيرة تفتح أمامه بابا كبيرا)، فإحدى لوحاته بالمعرض تنقل مشهد الفقراء الجالسين أو المارين أمام محلات بيع الألبسة غالية الثمن، ولا يستطيع أي منهم شراءها، فيقف أمام (الفاترينه) ويبحر بخياله وكأنه يرتدي ذلك الجاكيت أو تتمنى الفتاة الحصول على ذلك الثوب بألوانه الزاهية، فيبدو المشهد حقيقيا وكأن الفنان التقط صورة المخيلة وجسدها بأسلوبه الواقعي الصادق. الدوائر والمفاتيح” تجسد رؤية الفنان كما يتخيلها وهو بعيد عن وطنه، فتأتي الصورة من التجريد والواقعية، فهناك الطفولة والأشخاص والأحلام التي يعبر عنها الفنان بخطوطه وألوانه ذات التأثير البصري. أعمال نعمة تخلق دهشة عبر الألوان والتكنيك والحجم، ويميل بطبعه للوحات ذات الأحجام الكبيرة التي يتحرك بها بحرية تنقل أفكاره وتصوراته. تمكن نعمة عبر معرضه هذا من تقديم لوحة تعد شاهداً حقيقياً لمشاهدة إنسانية حية عايشها الفنان، وهي التي جلبت للأعمال خصوصيتها وأهميتها، مستخدماً فيها ثقله الفكري وخبرته الكبيرة بالتعامل مع الغرافيك، مشاهد تنطق بحقيقة مؤلمة تدفع المتلقي دفعا إلى الارتداد، ليوقفك الطفل الشاهد الآخر في لوحة نعمة، يوقفك لتراه هو بكل براءته قد عاش كل الصدمة، لتسحب من جديد إلى داخل اللوحة لتشارك الطفل مشاهدته ضمن زاوية معينة تشارك الطفل فيها كما يراه الفنان، هذا التفاعل الذي تعيشه مع اللوحة خلق علاقة جديدة، علاقة شبيهة بانعكاس الضوء، فمشاهدتك للوحة تحولت إلى شيء يشبه إسقاط الضوء على عينيك وارتدادك أمام هذه المشاهدة صار مثل انعكاس المشهد عن عينيك ليترسب على كاهل الطفل الموجود أمام المشهد، ثم تترك اللوحة تاركاً ذلك الطفل وحده أمام الحقيقية، وتشارك آثماً في تكريس مأساته.إن الألوان التي اعتمدها الفنان كانت الرمادي الذي هو نتاج المتضادين الأبيض والأسود، مضاف إليه لون آخر بتدريجاته، لون صارخ صاخب، لون سيكون في الغالب هو الأكثر حضوراً بوجود تضاد بين الأبيض والأسود، هذه العلاقة الناجحة التي أوجدها الفنان بين الألوان تبدو وكأن الفنان يحاول إيجاد علاقة فيزيائية بين هذا الخليط من الألوان، وقد وفق في هذا الطرح، فقد بدت جميع اللوحات معشقة بدرجة لون واحد بدون أن تدفع بك إلى الملل، بل تحرضك للتقصي والبحث عن المخبأ بين الدرجات والظلال. يذكر أن الفنان رياض نعمة ولد في بغداد العام 1968، وهو حاصل على بكالوريوس فنون جميلة (رسم)- بغداد 1992، وعن معارضه الشخصية فهي، غاليري عشتار- دمشق، المركز الثقافي الفرنسي- دمشق، غاليري زمان- بيروت، صالة الفنانين التشكيليين- الكويت، وزارة الثقافة التشيكية- براغ، غاليري المدى- دمشق، كورت يارد غاليري- دبي، بارك سامي عبد الرحمن- العراق، مسرح بابل- بيروت، غاليري دار الأندي- عمان، رافيا غاليري- دمشق، “فينيو” سوليدير- بيروت. وله العديد من المعارض المشتركة، كما أن أعماله مقتناة في كل من أميركا، كندا، الدنمارك، هولندا، تشيكيا، بلجيكا، فنلندا، فرنسا، إيطاليا، بريطانيا، الكويت، بغداد، لبنان، مصر، اليمن، الجزائر، سورية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان