فنون

النخلـــة في شعر حسب الشيخ جعفر

    علوان السلمان       

 

 إن عملية الخلق الشعري عند الشاعر حسب الشيخ جعفر تلازمها هموم الشاعر ومكابداته من أجل إيجادها للوصول الى إبداع متميز..مثير في اختراقه حركة التاريخ والوجود.. فالحلم الشعري للشاعر عبر عذابات الانسان وآماله للوصول الى الحقيقة الجمالية عبر تأملاته وقلقه وحزنه وغربته لتجاوز الوجود الابداعي بتعمق جدليته في رؤاه وهضم التراث للمزج بين الازمان لاستشراق المستقبل ..إذ أن الشعر الحديث بحسه الواقعي يدرك أن الحاضر باتكائه على الماضي خميرة المستقبل.. 

  إن الغربة التي تواجه الشاعر نفسيا لايمكن ازالتها الا في إطار التجربة الشعرية المتخيلة تحت ظلال النخلة (المرأة _ الوطن ) وهذا الخيال هو الذي يكنزه نفسيا وعاطفيا ليواجه به واقع الغربة وقساوته..حيث يستطيع الشاعر أن يتوازن مع واقعه.. لذا فهو يزاوج بين الحلم واليقظة..بين الحقيقة والخيال..

        مر صيف آخر ، والتهم الموقد الواح السفينة 

        فاركب الجذع المقيم ..

       أيها النورس في مقهى المدينة

       أيها النخل الذي يحمل في الجذر حنينه

       وانثر الملح على الجرح القديم  /نخلة الله ص5 

إن الاحساس بالطبيعة المتمثل في أجواء النخلة التي لم تفرغ شحنتها الدلالية والفنية فظلت ممتدة بعمق عبر قصائد الشاعر ..وهذا ما يمكن الشاعر من تجسيد حالته الشعورية واحاسيسه المكثفة والمتشابكة، فيلوذ بكل ما هو مخزون في ذاكرته ليذيبه في وهج الحالة الشعرية التي تدفعه يقوة للتعبير عنها..

 فالشاعر لايصور النخلة مشهدا طبيعيا بقدر ما هو يصور تأثيرها واقعا نفسيا في وجدانه ..

    وقبرات الريح والطفولة الشريدة …

    والنخلة الوحيدة 

    بللها المطر 

    أيقظها وسار في طريقه 

    المفروش بالحصى ،النهر/الطائرالخشبي ص 151 

  ان تصوير النخلة واجوائها الحالمة وجمالها الفني وترابطها النفسي يكشف عن حقيقة هذه الشجرة الصابرة من الناحية الواقعية في أوثق صلاتها بالانسان ..كونها رمزا للوطن من الناحية الفنية ..

فهي ضاربة الجذور في وجدان الشاعر لما ترمز له وتجسده في معنى الوطن فأصبحت معادلا فنيا للارض والانسان ..       

       أغوص في توحدي

      أبحث في تشردي

     عن نخلة ومسجد قديم

      يأوي اليه مثلما العصفور ..وجهي الضائع اليتيم

      فجرعة من كوزه المبترد

     وحفنة من تمره الندي 

     كنزي الذي وجدته

     كنزي الذي فقدته   / الطائر الخشبي ص 159 

  فالنخلة الرمز تشكل المعادل الفني للواقع الموضوعي كونها رمز الصبر والمكابرة والشموخ بتواصلها بكل نسيج الشاعر الفني..أذ أن الحلم الشعري لايتشكل الا من طينة الواقع..ومن هذا انبعثت ظاهرة التضاد بعلاقاتها الدرامية في الصورة الشعرية وهذه ظاهرة فنية تميز بها الشعر الحديث..وهي تعكس مدى القلق والتوتر في معاناة الشاعر كما تعكس مواجهته للواقع وعلاقاته ..

والشاعر حسب الشيخ جعفر في شعره تتجسد غربته وحزنه بشكل لايفارقه حتى في عالم الرومانتيكية والمتعة..فالنخلة دلالة الخصب لاتخلو منها أكثر قصائد الشاعر..إذ عبرها يؤكد الشاعر صورة الالتصاق بالارض..إنها الرمز المكثف لكل ما فينا، فهي ظلنا الذي نتظلل فيه وطعامنا ورمز حضارتنا…وقد وظف الشاعر الطبيعة توظيفا واعيا من الناحية الفكرية والاجتماعية والفنية والجمالية ..فلم يصورها في ذاتها بل دخلها بوعي تأملي وبصيرة جمالية.. 

فكانت قصائده مواقف وتفسيرات عكست تجربة شمولية عاشها الشاعر داخل حركة العصر وانسانه بحلم يحاول تجاوز الغربة والحزن والالم بمزجه الذات بالموضوع كي يعطي وحدة متراصة لاتعرف الانفصال لبناء عالمه الذي يحلم به ..

         نديا وجهك الذهبي يتبعني

         كطير البحر يحضن غيبة السفن

         ويلمح في رفيف جناحه كفني

         طريدا أذرع الدنيا 

         على كسرات حبك جائعا أحيا

          بلا أهل ولا وطن   / نخلة الله ص 118 

  فالشاعر بخياله الرقيق وحسه المرهف وعاطفته الكونية استطاع أن يصب أفكاره في أسلوب شعري خصب معتمدا عناصر الطبيعة ومظاهرها وتفسير حركتها وعلاقاتها ..كون التجربة الشعرية الناضجة تتسم بالوعي الذي أساسه الموقف الفكري والرؤية الثورية اللذان بوساطتهما يكشف الشاعر عن المضمون الانساني للطبيعة ..لذا كان تعامل الشاعر عبر تجربته الشعرية مع الطبيعة تعاملا اتسم بالنضج الفكري والفني حتى صارت العلاقة بين الطبيعة والانسان علاقة حميمة امتازت بالتوحد والانصهار في بوتقة  المعالجة الفنية الناضجة ..

    فالوعي الواقعي يجب أن يقترن بالوعي الفني لان وعي الانسان يعني أنه يعرف ويتخيل في آن واحد..كما يقول ترونوفسكي ..

 والشاعر حسب الشيخ جعفر ينتمي الى بيئة ريفية وفي قصائده يفتح نافذته على واقعه الذي ينتمي اليه فهناك(النخلة_النهر_اغنياتالقرى_الحندقوق_السواقي) فالشاعر بانتمائه الواقعي يشعرنا بالصدق والواقعية.. لذا فذاكرته ظلت تسجيلية واقعية للنخلة مع ذوبان ملامحها وأبعادها الجامدة فتحولت الى صور نفسية في مخيلة الشاعر ..كونها مفتاح الذاكرة والحلم في شعره لتعلقه نفسيا بمجتمعه الريفي واهتمامه النفسي .. والتصاقه العاطفي بالتراب والطين الذي يشكل الانتماء الروحي للارض كالنخلة في ولعها الجوهري وانغمار جذورها المتشابكة في أحضان الارض ..

فغدا مظهر النخلة عند الشاعر مظهرا إنسانيا ينطوي على شمولية التجربة الانسانية ..كونها تمثل الاحساس بالامان والراحة وهو الاحساس الذي يشعر به الانسان عندما يلوذ بظلها .. 

   فهي الوطن والمرأة كونها مكان الامان والاطمئنان وقتل حالة الاضطراب وعدم التوازن النفسي ..

فلفظة النخلة عند الشاعر معادل فني مشحون بموقف  الشاعر ورؤيته وقدراته الفنية ..لذا وظفها في قصائده وأجزائها توظيفا نفسيا عميقا يدل على تعلق وجداني والتصاق عاطفي بواقعه ..فيشكل صوره الشعرية التي هي(مجموعة ثقافية وعاطفية معقدة في برهة من الزمن)كما يقول أزرا باوند…

     إني مطر يصفح طفل النخل في فينا ،وعشب

     يابس يوقد في ضاحية تلتف بالسرو

     وشمس تنضج التمر الجنوبي 

     وعظم مقمر/ زيارة السيدة السومرية /ص 302

 إن النخلة في هذا التعامل الشعري شكلت عنصرا مستقلا في مشهد مكثف امتاز بعمق دلالته مع توظيفه توظيفا نفسيا وفكريا وفنيا اتسم بالحيوية والحركة لما فيه من أبعاد فنية وفكرية ..أصبحت النخلة جزءا من صورة شعرية مرتبطة بجو القصيدة العام ..تكشف عن رؤيا الشاعر في ربط النخلة كرمز بقضية الانسان والوطن ..وبهذا أصبح للشاعر موقف وجداني وفكري من الطبيعة ومظاهرها ..هو جزء من موقفه العام من الانسان وقضاياه ورؤياه للكون ..فالطبيعة بمظاهرها اصبحت كونا أثيريا قابلة للتشكل والتخلق فانتفت ماديتها الصلبة واشكالها المحددة وثباتها ..وفي هذا يقول سان جون بيرس (إنما فخر الحياة في اقتحامها لا في استهلاك الشيء ولا في تملكه ..) 

إن ارتباط الشاعر بالنخلة رمز الصبر والشموخ ينعكس في شعره بشكل مذهل ..انعكس على حياته وشعريته بصبره وصمته..لذاكانت القصيدة عنده مشحونة بالانفعالات واختلاف الاجواء واضفاء الالوان وحركة الاشياء وترديد الازمنة الماضية..العاصفة بالمغامرة والمكتظة بالحب..والملونة بالتفاصيل والجزئي ..حتى أن المرء لايملك غير أن يعيش حزن الشاعر وغربته بعد أن فقد مملكته تلك كما يقول  الناقد محمد الجزائري… 

      يانخلة في الريح كنت أقول : ياقلبي الولوع

     من بعد عام أو يزيد أعود ،تسبقني اليها

     خطواتي المتعثرات 

     فكل ما ضيعت باق في يديها/ نخلة الله /ص 59

  فالشاعر يرتبط بالماضي..بالذكرى..وهذا يعمق من حزنه ويزيد من غربته حتى أنه يعيش(غريبا أكثر من الغرباء)على حد تعبير _ كافكا _ وهذا الابتعاد يزيد غربته وحزنه…لذا فهو ينشد الراحة تحت النخلة طرف معادلته الشعرية الآخر ..

         يانخلة الله الوحيدة في الرياح 

        في كل ليل تملئين علي غربتي الطويلة بالنواح 

        فأهب : جئتك ..غير أني لاأضم يدي   وحبي 

       الا على الظل الطويل ، ولا أمس سوى التراب

        وأنا وحيد مثل جذعك 

        ظل يلفحني الغياب     / نخلة الله / ص 58 

 وبهذا تعتمد القصيدة زخرفا نغميا الى جانب الحس النفسي والمكاني الحاد..اضافة الى الصدق الخالص في التعبير عن التجربة عبر إضفاء الخلود على الزمن الماضي بالاسترجاع والتلوين واضفاء الشواهد التراثية..فيشكل شعره طقوس غربة وحزن مكثف لذاكرة صادقة موالية ومرتبطة جدليا بماضيها الاليف الذي ماانفك يغازلها كل لحظاتها… 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان