فنون

السياسي والدبلوماسي عدنان الباجه جي: أنا أول عراقي يولد بعملية قيصرية

الحقيقة – وكالات

 

ولد عدنان الباجة جـي في بغداد، عام 1923 بعملية قيصرية تعد الأولى من نوعها في العراق، أجراها لوالدته طبيب بريطاني، والباجه جي سياسي ودبلوماسي عراقي. والده السياسي البارز في عهد الملكية (مزاحم الباجه جي) عين سفيرا للعراق في الأمم المتحدة ابان حكم عبد الكريم قاسم، ثم وزيرا للخارجية في عهد عبد السلام عارف. كان عدنان الباجة جي خارج العراق عندما اطاح البعثيون بحكم عبد الرحمن عارف في انقلاب تموز 1968، وارتأى عدم العودة وقرر العمل مع المعارضة العراقية، حيث كان عضوا بارزا فيها. والتحق بحكومة أبو ظبي للعمل فيها، وقد حضر اجتماع التوقيع على دستور إقامة الإمارات العربية المتحدة وإعلان استقلال الدولة. عقب احتلال العراق سنة 2003، وتولي سلطة الائتلاف الموحدة سلطة الائتلاف المؤقتة، قام بريمر بتعيين السيد الباجه جي عضوا في مجلس الحكم الذي تشكل بتاريخ 12 تموز/يوليو 2003. بعد أن أنهى عدنان الباجه جي دراسته العليا ونال شهادة الدكتوراه عاد إلى بغداد مع زوجته وابنته البكر، ولم يسكن في بيت العائلة مع والده ووالدته بل «سكنت في بيت صغير استأجرته من مصطفى العمري في منطقة الصليخ، بجانب الرصافة، وفي هذا البيت رزقنا بابنتنا الثانية، ريمة». عندما ترك عدنان بغداد لأول مرة، حيث كان عمره 11 سنة، لم تكن في هذه المدينة حياة اجتماعية خارج حدود البيوت والبساتين أو المزارع الخاصة، باستثناء «بعض الفنادق التي تم افتتاحها من قبل المسيحيين مثل (هوتيل زيا)، و(هوتيل جبهة النهر) و(هوتيل كارلتون)، وغيرها، كما افتتحت بعض النوادي، وهذا كله حدث بعد الاحتلال البريطاني للعراق إذ كان الإنجليز من رواد مطاعم هذه الفنادق وكذلك كان العراقيون. العراقيون منفتحون ويحبون حياة السهر والأنس، لكن ما كان موجودا في بغداد لا يقارن بما كان موجودا في بيروت والقاهرة».

لكنه عندما عاد من واشنطن مع زوجته وابنته كانت الحياة الاجتماعية قد تغيرت وتطورت كثيرا، وعلى حد وصفه «زوجتي مثلا كانت سافرة (لا تضع عباءة أو حجابا)، وكنا نذهب إلى نادي العلوية، واحد من أرقى وأشهر نوادي بغداد الراقية ويقع في شارع السعدون بجانب الرصافة، وقد أنشأه الإنجليز حيث اشتروا عددا من البيوت وبنوا هذا النادي. وكانت عوائل أعضاء النادي تسبح بشكل مختلط من النساء والرجال، وهذه النشاطات الاجتماعية بدأت منذ الأربعينات وتطورت جدا في الخمسينات، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت نساء الطبقة الوسطى من زوجات وبنات الموظفين قد تركوا العباءة والحجاب كليا. أما اليهود في بغداد فقد كانت لهم نواديهم الفاخرة ومجتمعهم المترف الخاص كون غالبيتهم يعملون في التجارة وكانوا أغنياء ويملكون بيوتا فاخرة، كما كانت لهم مدارسهم ومتاجرهم ومستشفياتهم، وهذا لا يعني أنهم عاشوا منعزلين عن بقية العراقيين بل كانوا يختلطون معنا في نادي العلوية أو في الحياة الاجتماعية العامة».

يقول الباجه جي: «كانت بغداد اجتماعيا منقسمة إلى قسمين، الأول يمثله الأغنياء الذين كانوا يسكنون في شارع النهر وقرب السراي حيث تقع القشلة، وشارع أبو نواس، أما الفقراء فكانوا يسكنون في سوق حنون والشواكة والحيدرخانة، وبقيت النساء هناك يرتدين العباءات ويضعن الحجاب (البوشي)». بغداد بالنسبة للباجه جي يراها واضحة وجلية، يتتبع خرائط أحيائها وشوارعها، بالنسبة له هي بغداد التي عاشها بكل تفاصيل أحداثها «يعتبر حي البتاويين من الأحياء الجديدة إذ كان عبارة عن منطقة بساتين وحقول زراعية، بل إن كل الأراضي التي كانت تقع بعد منطقة الباب الشرقي (حيث نصب الحرية موجود اليوم في قلب بغداد) كانت عبارة عن بساتين وأراض زراعية. وكان هناك بستان اسمه (بستان الخس)، الذي كان يزدحم يوم السبت من كل أسبوع بالعوائل اليهودية، فالمعروف أن اليهود لا يعملون يوم السبت». كان الجانب الشرقي من ضفة دجلة، الرصافة ينمو بسرعة، بينما بقيت أحياء الكرخ تحافظ على وجودها التقليدي «ففي جانب الكرخ فكانت مثلا منطقة كرادة مريم، حيث يقع القصر الجمهوري والمنطقة الخضراء اليوم، عبارة عن بساتين وحقول، وأتذكر أن عم والدتي كان يدعونا أيام الجمع (جمعة) في بيته وسط مزرعة بكرادة مريم، وكانت من أملاك وبيت زوجته وهي من عائلة غنية (كت خدا) وهؤلاء من زعماء المماليك الذين حكموا بغداد مائة عام، وكانت المنطقة تسمى بـ(الكاورية) مع تعشيق الكاف، ومفردها الكاوور، وتعني باللغة التركية غير المسلم (الكافر)، وللوصول إلى هناك كان ذلك يتطلب رحلة طويلة إذ لم تكن هناك شوارع معبدة، ففي بغداد كان هناك شارعان معبدان (مبلطان) فقط، هما شارع النهر الذي يمتد إلى سوق السراي والقشلة، وشارع المتنبي وشارع الرشيد، وأنا أتذكر أن شارع الرشيد، وقبل تعبيده، كان يغرق بمياه الأمطار في الشتاء، فيجد الحمالون عملا لهم، وهو حمل الرجال على ظهورهم أو أكتافهم لإيصالهم إلى منطقة آمنة من المياه».

بعد حصوله على شهادة الدكتوراه وعودته إلى ديوان وزارة الخارجية، تم تعيين عدنان الباجه جي قنصلا للعراق في مدينة الإسكندرية، وهنا سيتنقل هذا الموظف الشاب في السلك الدبلوماسي العراقي ما يشبه المعجزة في النزاهة الوظيفية، يقول: «عينت قنصلا للعراق في الإسكندرية بمصر، وخصص لنا منزل جميل، وكان عندنا شاليه على البحر في شاطئ سيدي بشر، وكان هذا ملك القنصلية وليس ملكي، لكنني اكتشفت أن لا عمل لي أو للقنصل هناك، ووجودي لا مبرر له، فاقترحت في رسالة إلى وزارة الخارجية إلغاء القنصلية، وهذا الأمر يحدث للمرة الأولى، وربما لم يحدث بعد ذلك، فلم أسمع في حياتي أن رئيسا لبعثة دبلوماسية يقترح إلغاء القنصلية وبعثته، وبالفعل تم إلغاء القنصلية وعدت إلى بغداد حيث تم تعييني معاون مدير الدائرة السياسية لشؤون الأمم المتحدة والمؤتمرات في وزارة الخارجية، وكان رئيس الحكومة وقتذاك نوري السعيد».

لقد رفض جده من أمه كل المناصب التي عرضها عليه الملك فيصل الأول بدءا بوزير العدلية (العدل)، وانتهاء بعضوية مجلس الأعيان، لأنه كان يعتقد أن الوظيفة قد تحيده عن مبادئه الإسلامية، كما رفض والده الاستمرار في الوزارة، لأن الوصي كان مرتبطا مع البريطانيين الذين يحتلون العراق، فليس غريبا إذن أن يقدم عدنان الباجه جي على إلغاء البعثة الدبلوماسية التي كان يترأسها من أجل الإخلاص لمبادئه وبلده، وهو بذلك يعطي درسا عمليا في معنى النزاهة وتقاليد الوظيفة، «فالموظف العراقي في بداية تأسيس الدولة العراقية وما بعدها كان يشعر بالفخر والاعتزاز لكونه موظفا بالحكومة، ولم يكن يفكر في أن الوظيفة هي وسيلة لجمع المال والانتفاع والثروة، بل على العكس كان هناك تقليد مفاده بأن الوظيفة هي شرف وواجب، على الرغم من أن الرواتب الشهرية كانت بسيطة جدا، يعني خريج الجامعة الحاصل على شهادة البكالوريوس كان يتقاضى 18 دينارا في بداية تعيينه، والبقية من غير خريجي الجامعة كانوا يتقاضون 7 دنانير أو 10 دنانير شهريا»، من غير أن يجعلنا نتخيل أن الحكومة العراقية كانت تجسد جمهورية أفلاطون الفاضلة، يقول معترفا: «كان هناك فساد إداري، ليس هناك زمن يخلو من الفساد، لكنه كان في نطاق ضيق ومحصور للغاية وقليل، ويتمثل في أمور بسيطة مثل استغلال النفوذ، وهذا لا يعد ضمن قضايا الفساد في المقاييس الاعتيادية وليس مثلما يحدث اليوم في العراق حيث سرقة ملايين الدولارات من المال العام وغيرها، ما كانت هناك سرقات. وإذا ثبت على أي موظف في الدولة أنه أخذ رشوة، مهما كانت بساطتها فيفصل من وظيفته في الحال وينبذ اجتماعيا ويسقط بين أفراد المجتمع، حتى من قبل عائلته، أما اليوم فمن يسرق من الدولة ويأخذ الرشاوى فيفتخر ويقولون عنه (هذا رجال وبطل)، لهذا أستطيع القول إن موظفي الحكومة العراقية كانوا أقل فسادا بين موظفي الحكومات في الدول العربية، وكانوا أكثر كفاءة من أمثالهم في الدول العربية».

ويمضي متحدثا في هذا الجانب الذي يعتبره مهما للغاية من أجل بناء الدولة الحقيقية، يقول: «كان الموظف العراقي يفتخر بأنه يعمل في الحكومة ويفتخر بنزاهته، وإذا كتب الوزير مذكرة شكر أو ثناء بحق أي موظف، فإن ذلك يكون مدعاة للاحتفال والفخر والمزيد من الشرف. كانت هناك تقاليد وقيم وأخلاق وظيفية، وقد استمرت هذه التقاليد بين موظفي الحكومة العراقية حتى مجيء صدام حسين للحكومة حيث انقلبت الموازين وفلتت التقاليد، إذ تم تحويل الموظف إلى أداة طيعة في يد النظام السياسي، ومما فاقم الأوضاع سوءا هو فرض العقوبات الدولية والحظر على العراق، وقبل ذلك كانت إدارة الدولة العراقية تسير بشكل مقبول أو جيد، على الرغم من وجود الظلم والاعتقالات والإعدامات، لكنني أتحدث هنا عن الإدارة، لقد كانت هناك على الرغم من كل شيء، دولة، لكن العقوبات الدولية التي فرضت على العراق دمرت الوضع الاقتصادي في البلد، وراتب الموظف تدنى إلى 3 دولارات في الشهر، وهذا ما جعل الفساد يستشري في العراق».

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان