” نقلاً عن مجموعة مقالات لكتاب عراقيين ومقالات للدكتور حامد الحمداني “
في الثامن من شباط عام 1963 اقترفت مجموعة متآمرة جريمة كبرى بحق الوطن والشعب، تآمرت على حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم فهاجمت صباح الجمعة يوم 8 شباط مؤسسات الدولة وتمكنت بعد اغتيال قائد القوة الجوية من الاستيلاء على طائرات مقاتلة، شاركت في الهجوم فاستطاعت السيطرة على بغداد وتطويق وزارة الدفاع، وهناك من اعترف مؤخرا بمشاركة طائرات من خارج العراق في تلك المؤامرة القذرة، ما ادى الى محاولة الزعيم عبد الكريم قاسم حقن الدماء فاتفق مع المهاجمين على تسليم نفسه آملا انهاء التمرد وحقن دماء العراقيين، ولكن الذي كان في جعبة المجرمين اكبر من استسلام الزعيم عبد الكريم قاسم واغتياله. كان المطلوب القضاء على تطلعات الشعب العراقي في السير على طريق التقدم والرخاء، وفعلا ما ان تمكنوا من السيطرة على المؤسسات الامنية حتى هاجموا المواطنين وشنوا حملات الاعتقال والاغتيالات، فامتلأت السجون وقامت قوات الحرس القومي وهي ميليشيات شكلها الانقلابيون لملاحقة المواطنين المخلصين لشعبهم والرافضين للانقلاب الاسود الذي عرفوا هويته الدموية منذ اليوم الاول الذي تمكنوا فيه من استلام السلطة، فاشاعوا الدمار والخراب باسم حزب البعث الذي استمر طوال اربعة عقود يعمل على ملاحقة المواطنين وعرقلة اي تقدم محتمل للبلاد. كان من نتيجة استيلائهم على السلطة في شباط 1963 تراجع وانكفاء البلاد واعتقال الالاف من المواطنين وفصل العمال والموظفين من اعمالهم وانتشار العنف وشيوع الظلم الذي حاق بالقوى السياسية وعلى الاخص الاحزاب والقوى الوطنية، وما لبث قادة انقلاب شباط ان اججوا نيران الحرب مع كردستان فاستخدموا لاول مرة في العراق سياسة الارض المحروقة وضرب كردستان بالقنابل الحارقة والاسلحة الفتاكة وتطور الامر تدريجياً نحو سلطة ( الحزب الواحد ) وهو حزب البعث الاجرامي بأجندته الخارجية المشبوهة وادواته الارهابية ثم ما لبث ان ولد من رحم هذا الحزب الفاشي تحول كارثي نحو سلطة ( القرية الواحدة ) ! ثم سلطة ( العائلة الواحدة ) ! والتي تزعمها صدام حسين وازلامه فعاثوا في الارض فساداً حارقين الحرث والنسل في حروب دامية لم يجف جراحها لينتهي المطاف بالعراق محتلاًُ بين يدي قوات الاحتلال الامريكي في 2003 ومنذ ذلك الحين والى اليوم و بلدنا من سيء الى اسوء تحت حكم سياسيي الصدفة وارباب الفتن و سراق البلاد !!واذا اردنا ان نقدم نظرة موجزة لهذا الانقلاب الاسود و ماهياته واطرافه وما جرى خلال يومي 8 و 9 من شباط 1963 كي تكمل الصورة للباحث والقارئ الكريم فنقول …
من هم الانقلابيون؟
ضم فريق الانقلابيين حزب البعث بقيادة كل من : علي صالح السعدي، وأحمد حسن البكر، وطالب شبيب، وحازم جواد، ومسارع الراوي، وحمدي عبد المجيد، والضباط البعثيين كل من عبد الستار عبد اللطيف، والمقدم المتقاعد عبد الكريم مصطفى نصرت، وصالح مهدي عماش، وحردان عبد الغفار التكريتي، ومنذر الونداوي، بالإضافة إلى القوى القومية التي ضمت كلا من عبد السلام عارف وطاهر يحيى، وعارف عبد الرزاق، وعبد الهادي الراوي، ورشيد مصلح، وعبد الغني الراوي، وعدد آخر من صغار الضباط.
تنفيذ الانقلاب في 8 شباط 1963
اختار الانقلابيون أو (اختير لهم من قبل منظمي الانقلاب الاصليين ) الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن من شباط 1963، وكانت لهم حساباتهم في هذا الاختيار، فيوم الجمعة يوم عطلة، ولا يتواجد في المعسكرات سوى الضباط الخفر، وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط المتآمرين في ذلك اليوم، ليسهل عليهم عملية تنفيذ الانقلاب، كما أن قيام الانقلاب في الساعة التاسعة صباحاً أمر غير متوقع، حيث جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في الساعات الأولى من الفجر , وُزعت الأدوار على الضباط الانقلابيين، ومنظمات حزب البعث، وأفراد الحرس القومي، الذي أُعد مسبقاً ودُرب وجُهز بالسلاح !!، وجعلوا ساعة الصفر اغتيال قائد القوة الجوية الشهيد [جلال الأوقاتي]، وذلك لخشيتهم من السلاح الجوي على مدرعاتهم. كان البعثيون قد رصدوا حركته، حيث اعتاد صباح كل يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه، وترصدوا له ذلك اليوم وهو خارج وبصحبته ولده، حيث أطلقوا عليه النار وأردوه قتيلاً في الحال، وجرى الاتصال بالزمرة الانقلابية وتم إبلاغهم باغتيال الأوقاتي، وعند ذلك تحرك المتآمرون، حيث قاموا بقطع البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب، وتركيب تحويل في مرسلات الإذاعة، وبدأ البث فيها من هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة. وفي نفس الوقت قام منذر الونداوي بطائرته من قاعدة الحبانية، وحردان التكريتي من القاعدة الجوية في كركوك بقصف مدرج مطار الرشيد العسكري، وتم حرثه بالقنابل، لشل أي تحرك للطيارين الموالين للسلطة، وبعد أن تم لهم ذلك بادروا إلى قصف وزارة الدفاع. توجه [عبد السلام عارف] إلى [ معسكر أبي غريب]، حيث وصل مقر كتيبة الدبابات الرابعة، وانضم إليه [ أحمد حسن البكر]،واستقلا كلاهما إحدى الدبابات، وتوجها إلى دار الإذاعة، وبصحبتهما دبابة أخرى، وساعدهم حرس دار الإذاعة، المشاركون في الانقلاب على السيطرة عليها، ثم التحق بهم كل من حازم جواد، وطالب شبيب، وهناء العمري، خطيبة علي صالح السعدي، أمين سر حزب البعث، أما خالد مكي الهاشمي فقد اندفع بدباباته متوجهاً إلى بغداد، رافعاً صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب التي ملأت شوارع بغداد لتدافع عن الثورة وقيادتها. وفي نفس الوقت، وصل العقيد [عبد الغني الراوي] إلى مقر لواء المشاة الآلي الثامن في الحبانية، وتمكن بمساعدة أعوانه من الانقلابيين من السيطرة على اللواء المذكور، وتحرك به نحو بغداد، كما نزل المئات من أفراد الحرس القومي على طول الطريق بين الحبانية وأبو غريب، حاملين أسلحتهم وقد وضعوا إشارات خضراء على أذرعهم، وتقدمت قوات الانقلابيين بقيادة المقدم المتقاعد [عبد الكريم مصطفى نصرت]، وأحاطت بوزارة الدفاع، كما تقدمت قوة أخرى من الطرف الثاني لنهر دجلة، مقابل وزارة الدفاع، بقيادة العقيد طاهر يحيى متخذة لها مواقع مقابل وزارة الدفاع، وبدأت قصفها للوزارة بالمدفعية الثقيلة.
مجزرة رهيبة بحق المدنيين
كانت جموع غفيرة من أبناء الشعب قد ملأت الساحة أمام وزارة الدفاع، والشوارع المؤدية لها وهي تهتف للثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين. ونقلاً عن شهود عيان حضروا تلك الدقائق مع الجماهير المحيطة بالوزارة، والمستعدة للتضحية والفداء دفاعاً عن الثورة اذ امتلأت الشوارع والطرقات بآلاف المواطنين الذين جاؤوا إلى الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن الثورة، منادين { باسم العامل والفلاح، يا كريم اعطينا سلاح}، كان الجو رهيباً والجموع ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين، وكان الزعيم عبد الكريم قاسم يرد عليهم { إنهم مجرد عصابة مأجورة لا قيمة لها، وسوف نقضي عليهم في الحال}!!. في تلك الأثناء وصلت أربع دبابات تحمل في مقدمتها صور الزعيم عبد الكريم قاسم، استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة، حيث مقر وزارة الدفاع، وكانت الجماهير قد أحاطت بالجسور وقطعتها، واعتقدت أن هذه الدبابات جاءت لتعزز موقف الزعيم عبد الكريم قاسم . وعندما وصلت تلك الدبابات إلى وزارة الدفاع، استدارت ظهرها نحو الوزارة، وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا] المنصوبة عليها تطلق رصاصها الكثيف على الجماهير المحتشدة، وتخترق أجسادهم بالمئات. لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة المقابلة لوزارة الدفاع خلال عشر دقائق لاغير، وكانت مجزرة رهيبة لا يمكن تصورها، ولا يمكن أن يدور في خلد أي إنسان أن يجرؤ المتآمرون على اقترافها. ولم تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت، بل جاءت الطائرات لتكمل المجزرة، موجهة رشاشاتها حتى نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة.
ثم بدأ بعد ذلك القصف المركز على وزارة الدفاع بالطائرات ومدافع الدبابات التي أحاطت بالوزارة من جانبي الكرخ والرصافة، وبدأت القذائف تنهال عليها، والقوات المتواجدة داخلها ترد على القصف بما تملك من أسلحة وعتاد، إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً، دون أن يأتي أي إسناد من أي من القطعات العسكرية التي كان الزعيم عبد الكريم قاسم يعتمد عليها والذي اتصل شخصيا بآمري تلك القطعات وقادتها واكدوا له انهم على استعداد للفداء والتضحية وتنفيذ الاوامر , لكن دون جدوى ! ودون اي فعل على ارض الواقع ! لأنه كان في وادٍ، وهم الخونة في وادٍ آخر، وادي الخيانة والتآمر ! وفيما كانت عملية القصف تتواصل، تقدمت قوات أخرى نحو معسكر الرشيد، ومقر الفرقة الخامسة، واللواء التاسع عشر، وحيث هناك المعتقل رقم واحد، الذي يحتجز فيه عدد من الضباط البعثيين والقوميين، حيث تم إطلاق سراحهم ليشاركوا في الانقلاب، وتمكنت قوات الانقلابيين من السيطرة على المعسكر، ومقر الفرقة، ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط الوطنيين المعتقلين هناك، حيث نفذ الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم، ومُورس التعذيب الشنيع بالبعض الآخر.
الزعيم عبد الكريم قاسم يوجه خطابا أخيرا للشعب والقوات المسلحة
بعد ان سجل الزعيم قاسم خطاباً اول ارسل الى سكرتيره الخاص الرائد جاسم العزاوي على شكل شريط (كاسيت) والذي كان مشرفاً على دار الاذاعة ( ثبت فيما بعد تعاونه مع الانقلابيين ومشاركته الفاعلة في الانقلاب !) يدعو فيه ابناء الشعب الى الانتفاض وحماية الثورة من ايدي الانقلابيين المجرمين، تعمد العزاوي عدم بث الشريط على التلفاز واكتفى بعرض صورة للزعيم !علم الزعيم ان الخطاب لم يبث مما دفعه وفي ذلك الظرف العصيب وفي الوقت الذي كان فيه القصف المركز يجري على وزارة الدفاع، والقوات الانقلابية تحيط بها، الى تسجيل خطاب آخر وهو الاخير له يوجهه إلى الشعب، والقوات المسلحة يدعوهم لمقاومة الانقلابيين، وقد تم تسجيل ذلك الخطاب على شريط [كاسيت]، تحت أصوات القصف والانفجارات، وأرسله إلى دار الإذاعة مع سكرتيره الصحفي الرائد[سعيد الدوري]، والذي لم ينجح في الوصول الى مبتغاه وتم اعتقاله من قبل الانقلابيين كونهم قد سيطروا على دار الاذاعة في الصالحية ومراسلاتها بعد ان سلمهم اياها المتعاون معهم في الانقلاب المتآمر الرائد جاسم العزاوي السكرتير الخاص للزعيم ، ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب وفيما يلي نصه:
(إلى أبناء الشعب الكرام، وإلى أبناء الجيش المظفر .. إن أذناب الاستعمار، وبعض الخونة والغادرين والمفسدين، الذين يحركهم الاستعمار لتحطيم جمهوريتنا …كلمات غير مفهومة بسبب القصف، الذين يحاربوننا بحركات طائشة للنيل من جمهوريتنا، وتحطيم كيانها.
إن الجمهورية العراقية الخالدة وليدة ثورة 14 تموز الخالدة لا تقهر، وإنها تسحق الاستعمار، وتسحق كل عميل وخائن. إنما نحن نعمل في سبيل الشعب، وفي سبيل الفقراء بصورة خاصة، وتقوية كيان البلاد فنحن لا نقهر، وإن الله معنا، أبناء الجيش المظفر والوحدات، والقطعات، والكتائب والأفراد.أيها الجنود الغيارى، مزقوا الخونة، اقتلوهم، اسحقوهم، إنهم متآمرون على جمهوريتنا ليحطموا مكاسب ثورتنا، هذه الثورة التي حطمت الاستعمار، وانطلقت في طريق الحرية والنصر، وإنما النصر من عند الله، والله معنا، كونوا أشداء، اسحقوا الخونة والغادرين. أبناء الشعب في كل مكان: اسقطوا الخونة والغادرين، إنهم أذناب الاستعمار والله ينصرنا على الاستعمار وعلى أذنابه وأعوانه ) . ثم يتوقف التسجيل بسبب دوي القصف، ويعاود الزعيم مرة أخرى:
(السلام عليكم أبناء الشعب، أيها الضباط، أيها الجنود، أيها الضباط الصف الأشاوس، أيها العمال الغيارى، إن الاستعمار يحاول أن يسخر نفراً من أذنابه للقضاء على جمهوريتنا، لكنه بتصميمنا، وتصميم الشعب المظفر، فإننا نحن جنود وشعب 14 تموز الخالد الذي وجه الضربات الخاطفة إلى العهد المباد، رغم الاستعمار، وحرر أمتنا، واسترد كرامتها فإننا في هذا اليوم المجيد قادرون على سحق الخونة والغادرين.أبناء الشعب، أبناء الجيش المظفر، إن النصر أمامنا، وإننا صممنا على سحق الاستعمار وأعوانه، فلا تدعوا الخونة والغادرين، فإن الله معكم، وسوف نتصدى للظالمين والغادرين والسفاكين، أذناب الاستعمار، سوف نهزمهم عندما توجه إليهم الضربات الخاطفة، وقد باشرنا بتوجيهها إليهم. إنني الزعيم عبد الكريم قاسم، وإننا أقوى وأمضى وأشد عزماً وكفاحاً في سبيل الفقراء، والنصر للشعب العراقي المظفر، والنصر لكم أيها الغيارى).
عبد الكريم قاسم / 8 شباط 1963
هذا هو نص الخطاب الذي لم يستطع عبد الكريم قاسم إذاعته، فقد فات الأوان، واستولى الانقلابيون على دار الإذاعة، ووقع الشريط الذي يحوي الخطاب بين أيديهم، وربما كان بالإمكان لو لم تقع دار الإذاعة بأيدي الانقلابيين، وتم إذاعة البيان، أن تتحرك بعض القطعات العسكرية الموالية له، وتتصدى للانقلابيين. كان الانقلابيون يدركون مدى تعلق الشعب العراقي وجيشه بثورة 14 تموز وزعيمه المنقذ , ولذلك نجدهم يعلنون في أولى ساعات الانقلاب عن مقتل عبد الكريم قاسم كذباً و زوراً لكي يمنعوا أي تحرك عسكري لإسناده، مثل ما فعلوا عندما تقدمت دباباتهم وهي تحمل صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب حتى تتمكن من الوصول إلى وزارة الدفاع. ورغم كل ذلك فقد اندفعت جماهير الشعب تقارع الانقلابيين بكل ما أوتيت من عزم وقوة رغم أنها كانت عزلاء من السلاح، وخاضت المعارك معهم بالبنادق والعصي والحجارة فيما قابلتهم الدبابات والمصفحات منزلة بهم خسائر فادحة في الأرواح بلغت عدة آلاف من أبناء الشعب.
يتبع في ص6








