فؤاد العبودي
عندما يتذكر احدنا (السفرطاس) خاصة من جيل الاربعينيات او الخمسينيات وحتى اواخر الستينيات من القرن الماضي يعرف جيداً ما كان يعنيه هذا الاسم الذي التحم مع حياة العراقيين سواء في الشمال او الوسط أو الجنوب. فالسفرطاس هذا الوعاء المعدني الذي كنا نشاهده وهو محمول بأيدي من كان يستعين به كـ(زواده) طريق حيث تحتوي طبقاته المعدنية الثلاث على ما تضعه ربة البيت لزوجها عند خروجه صباحاً الى مكان عمله..
حيث انتشر استخدام (السفرطاس) كثيراً في تلك السنوات الخوالي، التي لم يكن فيها انتشار المطاعم كما هوعليه الحال اليوم. اذ تجد بين مطعم ومطعم مطعماً ثالثاً، فضلاً عن عربات الاطعمة المتنقلة..
ويعتقد البعض ان (السفرطاس) كلمة عثمانية او ايرانية وافدة للعراق، تعني (وعاء السفر او وعاء الطعام للمسافر)، ويتألف من ثلاث طبقات على شكل (قدر) صغير قطره بحدود (12-15) سنتمتراً، حيث تحاول ربة البيت تنويع الاطعمة حينما تضع في الطبق الاول الرز وفي الثاني (المرق) اما في الطبق الثالث فتضع (الخضرة ورغيف من الخبز)…
وعندما كنا صغارا يشدنا بشغف منظر (السفرطاس) عندما كان يمر احدهم وهو يحمله بين يديه عامل (الطين)- عامل البناء- والعاملون في دكاكين النجارة والحدادة والحراس الليليون، حيث تستدعي حاجة تأخرهم عن المنزل الى هذا الوعاء لقلة وجود المطاعم او بعدها عن مركز اعمالهم. ..
وفي حياة المشاهير يدخل (السفرطاس) كواحد من معالم تلك الحياة ومن بين هؤلاء زعيم الفقراء عبد الكريم قاسم الذي يروى ان راتبه كان اربعين ديناراً، وهو رئيس حكومة يدفع منها عشرين ديناراً لشقيقته، والبقية يوزعها بين مصروفه الشخصي، او لقضاء حاجة لمن يطلبها منه.. وقضية العشرين ديناراً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما نقوله عن (السفرطاس) حيث حرص الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم على استخدام (السفرطاس) حتى وهو في قمة الحكم بعد ان تبعث شقيقته بما يحمله المرافق، أو أحد الأبناء من بيت شقيقته الى وزارة الدفاع ليفرش قدوره الثلاثة الصغيرة على سفرة على الارض متربعا بتواضع ليتناول ما طبخته هذه الشقيقة، ولم يكن كغيره شرهاً في تناول الاطعمة الدسمة، بل كان يكتفي بما في”السفرطاس “ من مأكل دون ان تأخذه بهرجة الحكم وتطلعات الحكام الى ابعد من طعام (السفرطاس)، وقد كان بمستطاعه ان يغدق على نفسه ما كان مفروضاً كزعيم ورئيس حكومة، ويطلب ما يشاء، لكنه ظل يفضل (السفرطاس) وما يحمله من طعام بسيط شعبي عراقي. ولم يخجل منه بتاتاً، بل كان يمثل لديه قناعة العظماء، ونبل الكرام، وتواضع العباقرة. لقد كان الزعيم كبيرا في عيون الذين احبوه، كشخصية فذة، لم يتخل يوماً عن عراقيته الوطنية الصميمة، وشعبيته التي سكنت القلوب والوجدان.فقد رويت الحكايات عن هذا (السفرطاس) الذي يحمل قيمة ومعنى خاصا لدى عبد الكريم قاسم.







