اراء وأفكار

كُتيّب إرشادات لرئيس الوزراء القادم !

طه جزاع

  لا يختلف اثنان على أننا بلد لا يُشبه أحداً، لكن المختلف عليه دائماً هو الرجل المناسب الذي سيجلس على كرسي رئاسة الوزراء. وهذا الكرسي، لمن لا يعرف، ليس قطعة أثاث سياسية، بل ممر ضيّق تتدافع فيه الأحزاب، وتتمطّى الكتل، وتُمنَعُ عنه الشخصيات التي قد تجرؤ على التفكير خارج الصندوق، أو حتى على مجرد رفع الغطاء عنه.ومنذ سنوات ونحن نعيش الطقس السياسي ذاته بعد كل انتخابات برلمانية:اجتماعات متواصلة، مفاوضات لأيام وليالٍ، أسماء تتقدّم وأخرى تتراجع، ووسط هذا كله سؤال يتيم: هل سيُسمح للعراقيين، ولو لمرة واحدة،أن يختاروا رئيساً للوزراء من دون وصاية القوى السياسية الفاعلة وشروطها ومواصفاتها ؟.سؤال قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه في العراق يدخل في خانة الأسئلة المحرّمة، مع أن هناك مستحقات دستورية، وآليات وتفاهمات و” توافقات”، لكن المشكلة في أن هذه التوافقات تحولت إلى نوع من القَدَر السياسي الذي لا يرحم، يهبط على رؤوس الناس فيحدد لهم من يحكمهم، وكيف، ومتى، وما المسموح وما المحظور؟.هي وصفة جاهزة تأتي مطبوخة: رئيس وزراء بشرطين أو ثلاثة، وعشرات الفيتوات، وحزمة تعليمات غير مكتوبة، أقرب إلى ” كُتيّب إرشادات” يُسلم للمرشّح مع مفاتيح المكتب.أمّا برامج العمل فتترك للحفلات الصحفية الأولى، ثم توضع في الأدراج الموصدة بإتقان في غالب الأحيان.

تُرى لماذا نخاف من رئيس وزراء كامل الصلاحيات، ولماذا يبدو هذا التعبير في قاموس القوى السياسية، مثل كابوس مزعج ؟ وهل وجود شخص يستطيع اتخاذ قرار واحد دون الرجوع إلى عشرة مكاتب سياسية سيؤدي فعلاً إلى زعزعة استقرار الكون، أم أن الخوف الحقيقي هو من رجل قد يقرّر أن تكون الدولة أهم من الحزب، وأن المصلحة العامة أعلى من المصالح الخاصة؟. في دول العالم، يختلف الناس على الأفكار والسياسات والحريات ومستوى الضرائب، وعلى شكل الدولة. أما نحن فنختلف على مقدار ما يُسمح لرئيس الوزراء أن يفعل.هل يزور الوزارة الفلانية دون موعد، هل يغيّر مديراً عاماً دون العودة إلى مرجعياته الحزبية أو الكتلوية،وهل يجرؤ على فتح ملفات الفساد ؟،فالمشكلة ليست في الأشخاص، بل في النظام الذي يُحاصر أية شخصية مستقلّة أو قوية الصلاحية.وكلنا نعرف النتيجة:رئيس وزراء يمضي نصف مدة حكمه في محاولة إرضاء القوى السياسية، والنصف الآخر في إخماد النيران التي تشعلها هذه القوى نفسها، فيما يكتفي المواطن بالمشاهدة، أو بالتعليقات الطريفة على الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتحول السياسة إلى نكتة جاهزة للاستهلاك اليومي مثل الشاي الأسود بطعم الهيل، أو مثل فنجان القهوة المُرّة وقت الصباح !.

ما نحتاجه اليوم ليس معجزة، ولا بطلاً خارقاً، ولا سوبرمان سياسيا يأتي من وراء البحار، نحتاج فقط إلى رئيس وزراء بصلاحيات واضحة، كاملة، شفافة.شخص لا يُعيّن وزيراً لأنه مدعوم من حزب ما، بل لأنه يجيد عمله، رئيس وزراء لا يخشى مواجهة الفساد والفاسدين لأنه لا ينتظر موافقة أحد على ذلك،ولا يعيش هاجس الخطوط الحمر التي قد تمتد من الوزارة إلى الشارع إلى مواقع التواصل.ربما يبدو ذلك صعباً في ظل التوافقات والتفاهمات ونظام المحاصصة السياسية لكنه ليس مستحيلاً،وهناك أمثلة كثيرة عن دول عاشت الانقسام والفساد وسوء الإدارة، ثم نهضت عندما قررت أن تعطي السلطة التنفيذية قوة حقيقية ومسؤولية حقيقية.أما نحن فلم نجرّب ذلك بعد، وكل ما جربناه هو تدوير الوجوه، وتدوير المناصب، وتدوير خيبة الأمل.والأغرب من كل هذا أننا شعب يحب التجربة والتحدي، إلا في موضوع الحكم، فإننا نتردد ونتوجّس، نقول هذا رجل قد ينجح، لكن نجاحه قد يزعج البعض!،فكيف يمكن لدولة كاملة أن تخشى نجاح مسؤول؟وكيف يمكن لبلد بحجم العراق، بموارده وثقله وتاريخه، أن يخاف من تجربة رئيس وزراء قوي؟ .

يريد العراقي قراراً يصنع دولة، لا قراراً يُرضي جهة ما، أو دولة ما،وأن يقول الناس:هذا رئيس وزرائنا، لا رئيس وزراء الأحزاب عنا. لكن في بلد مثل بلدنا، يتحوّل الأمر البسيط إلى معضلة،ويصبح الواضح غامضاً،والحلم يحتاج إلى معجزة.ومع ذلك،ما زلنا نحلم، ونكتب، ونسأل، ونسخر قليلاً، لعلّ أحداً يسمع،ولعلّ الضحكة الخفيفة تخفف بعض الأعباء النفسية، أو لعلها تكون على الأقل بداية للتفكير في الإصلاح، وفي اختيار رئيس وزراء وفق مواصفات الكفاءة والنزاهة والوطنية، وعلى مقياس الانتماء إلى العراق وحده.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان