اراء وأفكار

لا نريد رئيس وزراء دكتاتوراً، لكننا لا نريده أيضاً  ضعيفاً وهزيلاً ومقيداً ..! رحيم يوسف

بعيدا عن نتائج الانتخابات النيابية التي فاز فيها من فاز وخسر فيها من خسر ، فان على الفائزين نسيان نشوة الفوز الزائلة والنظر باتجاه الساحة السياسية العراقية التي تعيش اليوم مرحلة مصيرية  وحساسة قد تطيح ببنية النظام القائم اذا لم يتم التعامل معها بذات الحساسية والمسؤولية الوطنية قبل كل شيء .

ولعل من اهم الخطوات التي ينبغي على الطبقة السياسية الفائزة بالانتخابات البرلمانية وما خلفها، هي مغادرة الهويات الفرعية التي تم خلقها من اجل المكاسب والامتيازات التي درج على التحصل عليها كغنائم بعيداً عن المصالح العليا للبلاد والعباد، فلا تشكل الهويات الفرعية سوى تعطيل لمسيرة البعض من الباحثين عن مصلحة البلد والشعب في ترسيخ مباديء الديمقراطية التي تنأى بالبلاد عن المنزلقات الخطيرة التي قد تتعرض لها بسبب تلك الهويات الفرعية، ذلك ان ما درجت عليه القوى السياسية من تقسيم العمل السياسي الى بيوتات ( كالبيت الشيعي والبيت السني والبيت الكردي ) دون النظر الى المكونات الاخرى من الاقليات هو الذي ادى الى التراكمات الكبيرة التي نشهدها يومياً والتي باتت تهدد بنية النظام القائم، وعلى الجميع النظر باتجاه الهوية العراقية الجامعة التي لا تسمح للتدخلات الخارجية مهما كان نوعها او مبررات وجودها، لأن الذهاب باتجاه الهوية الجامعة هو الكفيل بالقضاء على المكاسب والمغانم التي استفحلت تحت مسميات عديدة كالشراكة والتوازن والمحاصصة .

عليه فإن المرحلة تتطلب من جميع القوى، وفي مقدمتها الإطار التنسيقي ، أن تعيد النظر في منهجية وشروط اختيار رئيس الوزراء القادم . فالتحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية المتراكمة لا يمكن التعامل معها من خلال رئيس حكومة مقيد / تحت مسمى مدير عام / و محاط بشروط مسبقة تحد من قدرته على اتخاذ القرار ، على اعتبار ان عملية اتخاذ القرار في اللحظات المصيرية التي تتطلب ذلك هي من عوامل بناء الدولة واستمرارها باتجاه حل المشاكل الكبيرة التي تعاني منها، ولعل في مقدمتها المشاكل الاقتصادية التي تتعلق بالديون المتراكمة والبطالة المستفحلة بنوعيها، وأعني البطالة المقنعة والاعتيادية التي تتعلق بمئات الالوف من الشباب العاطلين عن العمل عبر تفعيل دور القطاع الخاص من خلال خطوات تنفيذية حقيقية بعيدا عن الشعارات التي لا تغني، والتي درجنا على سماعها طوال العشرين عاما الماضية، سواء اثناء الحملات الدعائية للانتخابات او في برامج الحكومات المتعاقبة، ولكن دون جدوى او تنفيذ حقيقي لتلك الشعارات التي بقيت حبراً على ورق . ولا بد هنا ان نذكر بان رئيس الوزراء في أية دولة ذات نظام برلماني يُمثل رأس السلطة التنفيذية  والمسؤول الأول عن رسم السياسات العامة ومتابعة تنفيذها. وعندما يتم اختيار  رئيس وزراء بقدرات محدودة، أو بصفقة سياسية تقيد حركته ، فإن الدولة ككل هي التي تدفع الثمن. ولعل المواطن البسيط هو الذي سيدفع الثمن قبل غيره، ونحن نشاهد الهوة الكبيرة التي اخذت تتسع من خلال نشوء طبقة طفيلية كبيرة لا تهتم بمصلحة البلد ولا المواطن، ولا هم لها سوى الحصول على الامتيازات غير الطبيعية على حساب الوطن وعامة الناس .

لذا فإن العراق اليوم بحاجة إلى شخصية تمتلك مساحة كافية للعمل بعيداً عن الضغوط والمحاصصة والاشتراطات التي تعطل الإصلاحات الضرورية في الكثير من المجالات المهمة، ومنها الصحة والتعليم والاقتصاد والبنى التحتية التي تعاني من اهمال حقيقي وما يتم اصلاحه لا يمثل سوى حلول قشرية لا ترقى الى جوهر تلك الازمات .

ان المطالبة برئيس وزراء كامل الصلاحيات ليست دعوة للدكتاتورية  أو التفرد بالسلطة، بل هي دعوة لتفعيل ما يمنحه الدستور من أدوات تمكن الحكومة من العمل بكفاءة. فالرئيس الذي يستطيع اختيار فريقه بمرونة، ووضع خطط اقتصادية وإدارية واضحة، يصبح أكثر قدرة على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية . ولعل تشكيل لجنة لاختيار رئيس الوزراء تعد من الاخطاء الجسيمة التي لا مثيل لها في الديمقراطيات التي نعرفها، ومن مصلحة الإطار التنسيقي ذي الاغلبية النيابية ومجمل الأطراف السياسية دعم اختيار رئيس للوزراء يمتلك القدرة الفعلية على الإنجاز . فالتجارب السابقة أثبتت أن الحكومات المقيدة تُواجَه بتعثرات متكررة، تُحمّل لاحقاً جميع المشاركين في العملية السياسية، ومن المهم التذكير بان الشعب العراقي وبنسبة كبيرة منه بدأ يفقد ثقته بالحكومات المتلاحقة اذا لم يكن قد فقد ثقته بها تماما ولذلك فإن التوجه نحو رئيس وزراء قوي، مستقل نسبياً في قراره، وصاحب رؤية واقعية، سيمنح العملية السياسية دفعة نحو الاستقرار ويعيد ثقة المواطنين بها وبمؤسساتها، كما انه يمنحها القدرة على حل الأزمات المتراكمة التي تتطلب حلولاً حقيقية، والحلول الحقيقية تحتاج إلى قيادة قوية وموسّعة الصلاحيات .

 إن استمرار اعتماد معايير ضيقة أو اشتراطات حزبية في اختيار رئيس الوزراء لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الوجوه القديمة الفاشلة، وذات الإخفاقات . والعراق يستحق حكومة قادرة على العمل، لا مجرد حكومة محاصصة تابعة للاطراف السياسية المتغانمة بعيداً عن هموم الشعب .

اخيرا فان المطالبة بتعيين رئيس وزراء كامل الصلاحيات ليست ضد أي طرف سياسي، بل هي دعوة إلى تبني منهج دولة بدلاً من منهج توازنات اللحظة . وعلى الإطار التنسيقي أن يتعامل مع هذه اللحظة التاريخية باعتبارها الفرصة الاخيرة لإعادة بناء الثقة مع الشعب  وإفساح المجال لقيادات وطنية  تمتلك القدرة على خدمة الوطن والشعب  قبل أي حسابات أخرى .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان