ملف خاص

سلام عادل .. الانسان والمناضل والمثقف

كاظم السيد علي  

 

ليس غريبا !! أن نسمع برجل متعدد المواهب في بيئة غنية بالطاقات الأدبية والفنية والسياسية والعلمية مثل النجف ، فهذه البيئة لها تأثير على الإنسان الذي ينشأ ويترعرع فيها ، فتكسبه هذه المرحلة ثقافة جديدة تكون لها أثر كبير في تطوير تجربته فنية كانت أو أدبية ، هذا ماوجدناه عند (سلام عادل ) ، وهكذا وبهذا الاسم عرفته الحركة الشيوعية العالمية ، الانسان والمناضل والمثقف  واحدا من هؤلاء ، اذ أنه  يمتلك  طاقة أدبية وفنية موزعة بين التمثيل منذ صباه اسهم في عدة مسرحيات ممثلا ومخرجا ، وقد دفعه حبه لهذا الفن إلى أن يبني في بيته مسرحا يمثلون عليه أعمالهم هو وإخوته وأصدقاؤه من الجيران ، حتى أنه احترف الإخراج فقام بإخراج عدة مسرحيات نذكر منها مسرحية ” في سبيل الوطن ” لصالح مدرسة الفيلية عام 1947 .. هذا بالإضافة لممارسة هوايته في الخط والرسم اذعمل خطاطا ورساما في مدينته “النجف ” بعد أن فصل من التعليم عام 1946  فأخذ يعمل يافطات للمحلات التجارية ولازالت هناك لوحة تحمل توقيعه يحتفظ  بها شقيقه الراحل السيد حسن الموسوي في النجف . تعلق منذ الصغر بالقراءة لذكائه وبما يؤشر أن مستقبله يبشر بخير فتألق في مجال الثقافة وخاصة الأدب الذي فضله على المواد الدراسية الأخرى ، وانماز بعشقه لشعر الشريف الرضي الذي كان “حسين ” من المعجبين به كثيرا إلى درجة أن لقب بين زملائه الطلبة في دار المعلمين الابتدائية في العاصمة بغداد عام 1943 ب(حسين الرضي ) .. وظل هذا اللقب يرافقه حتى استشهاده ، منطلقا من أن الشريف الرضي حفيد الإمام الكاظم ولكونه هو من السلالة الموسوية ، فأعتز بهذا اللقب كثير الاعتزاز ، وقدم سلام عادل في هذا المجال أعمالا كثيرة رائعة وناجحة يشار لها بالبنان . وبعد تخرجه من دار المعلمين عام 1944 عين معلما لمادتي الرياضة والرسم معا في مدرسة الهاشمية في مدينة الديوانية ، لكونه تعلق  تعلقا شديدا بهما .في تلك الفترة كان اول من اسس الفرق الشعبية الرياضية يوم كان يسكن الديوانية منها فريق الفتيان واتحاد الشبيبة الديمقراطي والتعاون والانوار واتحاد الشعب وإيمانا منه بقضية الإنسان قرر ولوج المعترك السياسي بأن ينتمي الى الحزب الشيوعي العراقي ، وفعلا قبل انتمائه وأصبح عضوا فعالا في تنظيم الحزب هناك وأصبح له دور سياسي بارز اذ وظف نشاطه الثقافي والسياسي كله لخدمة قضية وطنه وشعبه ، وقد كانت السياسة تفيض في مخيلته كغزارة الشلال ، ولهذا لم يمارس عملا أو وظيفة تشغله عنها بعد فصله من التعليم بسبب انتمائه السياسي انف الذكر ، وكان (رجلا بارزا أينما حضر) وقد ألقى ثقله كله في العمل السياسي حتى تدرج سياسيا بحيث استحق بجدارة أن يحمل مسؤولية قيادة الحزب الشيوعي العراقي ، وهو لم يكن أمضى سنة في عضوية اللجنة المركزية . ومن خلال عمله في محراب السياسة ، انخرط في ميدان الصحافة التي عشقها هي الأخرى فأصدر  جريدة (صوت الفرات ) عام 1945 ، ووقف وراء إصدار صحف ونشرات مثل (حرية الوطن ) ونشرة (جبهة الاتحاد الوطني )و(مناضل الحزب )وغيرها من المطبوعات المتطورة ، وراح ينشر مقالاته السياسية ومسهما في إنتاجها الفكري ، إضافة إلى كتابة افتتاحيات جريدة (اتحاد الشعب ) لسان حال الحزب الشيوعي العراقي .فضلا لمؤلفاته التي صدرت في حينها . وبسبب دوره المميز في النشاط السياسي  بعد  انبثاق ثورة 14 تموز 1958  زاد غيظ الزمرة الحاكمة بعد انقلاب شباط الأسود فقاموا باعتقاله في يوم انقلابهم المشؤوم في الثامن من شباط 1963 ، وغيبوه في أقبيتهم المظلمة ولاقى  مالاقى من تعذيب وحشي وبربري على أيدي سفاحي الشعب القتلة من جلاوزة البعث الفاشيست .. وفي هذا الجانب يروي لنا كتاب سلام عادل .. سيرة مناضل (امتحنوا إرادته فما فلت .. واختبروا عقيدته فما تزعزعت .. انتقلوا إلى جسده الفتي النحيل .. ساطوه بالهراوات حتى أدموه .. علقوه من ساقيه ، أوقعوه مغشيا عليه .. قطعوا من لحم ساقيه وذروه بالملح .. كسروا عظامه ، ساموه سوء العذاب .. فما لان ولا تهاون .. وامتدت أياديهم الآثمة إلى عينيه النافذتين الجريئتين .. ضغطوهما بالأصابع وعصروهما  بالآلات حتى نزف منهما الدم وسأل منهما ماء الرؤيا ، افقدوه نعمة البصر ، حرموه من عينيه التي كان يستشف بهما آفاق النضال ويبصر بهما جمال الحياة ، وبعد كل هذا أخذ يسأله جلاده : هل تبقى تناضل من اجل الشعب ؟ فأجابهم بصلابته المعهودة : نعم سأبقى وما عيني التي قلعتموها توا الا هديتي لهذا الشعب العظيم .. ) هكذا رد سلام عادل بثبات على سؤال جلاديه القتلة ، يقول زكي خيري في كتابه ” صدى السنين ”  ( كان سلام عادل سياسيا ودبلوماسيا حاذقا وبطلا كما أثبت ذلك أمام جلاديه انقلابيي 8 شباط 1963 الفاشيست ، لقد قطع شوطا كبيرا مع التعذيب الوحشي على أيدي جلادي البعث المنحل وفي مقدمتهم حازم جواد ومحسن الشيخ راضي ، فقد فقأت عيناه ، وقطعت أوصاله وهو حي ، ولم يكفيهم كل هذا ، فقد بلغ حقد البعثيين ذروته ليمدون ما تبقى من جسده الطاهر على الإسفلت ويدوسونه بالحادلة أي ” ماكينة تعبيد الطرق ” عدة مرات حتى تساوى مع الأرض ، ولم يعرف عن قبره أي شيء حتى هذه اللحظة ) !!. بهذه الوسيلة البربرية طويت حياته الحافلة بالمآثر البطولية ، لخدمة الوطن والشعب .. ان التعذيب الوحشي الذي سلطته عصابة الطغيان البعثي عليه والذي ادى الى استشهاده كان وصمة عار في جبين اعداء الانسانية والتقدم ، وكان صموده الرائع شرفا واباء يعكس قوة الارادة والايمان بالمبادىء والقيم الانسانية التي تربى عليها ونذر نفسه لها ، وكان لتحديه القوى الغاشمة وقع كبير في نفوس العراقيين والشيوعيين الذين يفخرون ويقتدون به ويؤرخونه في ضمائرهم .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان