قبل تحليل النهاية المهيبة لفيلم “المومياء”، التى تعتبر من أفضل نهايات الأفلام المصرية والعربية، لابد من التوقف عند أسباب اختيار شادى عبد السلام لإيقاع الفيلم البطئ:
(1) إيقاع الفيلم، أىّ فيلم، ليس قالبا جاهزا نستخدمه فى كل مرة، ولكنه يرتبط عضويا بموضوعه، نحن فى حياتنا العادية نفعل ذلك تلقائيا، نتمهل لنشرح أشياء وعبارات معينة تستدعى التركيز والتأمل، ونسرع فى الحديث عند أجزاء تستدعى السرعة.
(2) إيقاع المومياء البطئ يرتبط بأنه عن فكرة البعث بمعناها الروحى والجسدى، فى الحاضر والماضى، عند الفراعنة وعند حفيدهم ونيس، وهى فكرة تأملية تحتاج الى إيقاع متمهل، يتيح لك تأمل الحوار والصورة شديدة الثراء بكل عناصرها، ويجعل هناك مسافة بينك وبين الشاشة، هناك تأثر وليس هناك اندماج كامل.
(3) منح هذا الإيقاع البطئ الفيلم القدرة على الإيحاء بالتوغل فى الزمن، الأحداث فى نهاية القرن التاسع عشر، والفراعنة الذين سيخرجون ينتمون الى عالم أبعد وهو عصر الأسرات القديمة.
(4) رغم أن الحبكة الظاهرة بوليسية (اكتشاف مقبرة ومهربى الأثار) إلا أن الفيلم ليس كذلك، إنه أشبه بمونولوج يدور فى ذهن ونيس، استخدام الإيقاع السريع كان سيعطى الفيلم مظهر العمل البوليسى، وهو أمر غير مقصود على الإطلاق.
(5) رغم أن الحكاية لها أصل واقعى (شاب من أسرة عبد الرسول فى القرنة بالأقصر اختلف مع أسرته على أرباح الغنيمة، فأرشد الحكومة على مكان المقبرة) ورغم أن الأحداث والتصوير تم فى الأقصر، إلا أن شكل المعالجة غير واقعى (راجع حركة الممثيلن التى تشبه المسرحيات الطقسية، وراجع الحوار بالفصحى المبسطة الذى يردده الصعايدة)، ولا يوجد إيقاع مناسب لهذا الجو غير الواقعى مثل الحركة البطيئة المتمهلة للكاميرا، التى تستكمل التأثير اللازم.
فى التحليل المرئى للنهاية العظيمة، أرجو أن تتأمل معى ما يلى:
(1) يتقدم العم خائفاً فى لقطة متوسطة بعد أن شاهد الخيول والعساكر، يحصره شادى، ويحصر أبناء إخوته ووسيط تجارة الآثار (محمد نبيه) بين صرحى المعبد حتى مع تغير الحركة والتكوين، وكأنه يقول إن الماضى قد عاد بصريا ليخنق الحاضر الجاهل ويحاصره، أبناء العم بدأوا يسألون سؤال ونيس : “هل هذا عيشنا؟”، يتحول العمّان الى كومتين مهملتين من اللون الأسود بينما تبدأ بشائر الموكب.
(2) تنطلق التوابيت المحمولة فى حراسة العساكر على الخيول، يدخل الى الكادر رجال بملابس بيضاء، ونساء بملابس سوداء، حركة الكاميرا بطيئة، ناعمة، غير محسوسة تقريبا، يتغير التكوين أساسا بسبب المستويات الثلاثة المتداخلة : المعبد بتماثيله فى الخلفية، والتوابيت والجنود فى الوسط، وأهل القرية ورجالا ونساء فى المستوى الثالث، يشبه هذا الإستغلال لعمق الصورة ما كان يفعله الفنان الفرعونى عندما كان يقسم لوحته الى ثلاثة مستويات منفصلة رغم انعدام البعد الثالث فى رسومات الفراعنة.
(3) يستمر هذا التقسيم الثلاثى فى اللقطات البعيدة لحشود النسوة النائحات (حدث ذلك حرفيا فى الواقعة الأصلية، فقد خرجت نساء القرنة تنوح على التوابيت الخارجة من مقابرها احتراما للموت وجلاله) ، يستغل شادى العبقرى الكثبان الرملية لكى يصنع خطاً لأفق الأرض، وتصنع السماء خطها المعروف لأفق الفراغ، وبينهما يقوم شادى بتحريك مجموعات النسوة (ثلاث نسوة أو أربعة معا متشحات جميعا بالأسود تذكرنا بلوحات صلاح طاهر)، أما حركة الكاميرا فهى طافية وكأنها كاهن يشارك فى طقس البعث والنشور.
(4) تتداخل لقطات أبطال الفيلم المصريين الثلاثة: ونيس الذى يخفى وجهه بيده لأنه وشى بقبيلته ، والمأمور الذى يضرب تعظيم سلام للسفينة، وأحمد كمال (محمد خيرى) الذى يتأمل المشهد من السفينة، البعث لم يكن فقط للمومياوات الخارجة من المقبرة، ولكن للمصريين الثلاثة على اختلاف مواقعهم، لاينطق أحد منهم بكلمة، ولكنهم يواصلون إيماءاتهم، لغة الجسد وحدها تكشف قلقهم أو راحتهم، يتغير منظور اللقطة ما بين الشاطئ والسفينة، وفى الحالتين هناك حركة غير محسوسة للكاميرا اكتفاء بحركة الممثلين أو خيول العساكر بحذاء النيل.
(5) على إيقاع موسيقى غريبة وكأنها قادمة من العالم الآخر (هى بالأساس موسيقى لأحد البشارف التركية تدخّل فيها مهندس الصوت أليكترونيا ليجعلها شديدة البطء)، يتجه ونيس فى عكس اتجاه السفينة، يبتعد عن الكاميرا التى تتخذ زاوية منخفضة قرب النيل، يبدو ونيس صغيرا فى حين تحتل مياه النيل معظم الكادر، تنطلق السفينة فى الإتجاه المعاكس لحركة ونيس، لا يظهر منها سوى ضوء وكأنها منارة عائمة، تحتل الكثبان الرملية معظم الكادر، تُكتب العبارة التى تلخص الفيلم كله : “انهض / فلن تفنى/ لقد نوديت باسمك/ لقد بعثت “.
هذا بالضبط ما حدث، بل لقد نجح الموتى (المومياوات) فى بعث أحفادهم الأحياء (ونيس والضابط وعالم الآثار)، هذا هو مشروع شادى كله: الماضى ليس ميتا، ولكنه قادر على بعث الحاضر، فقط نحتاج أن نفهمه، وأن نسأل انفسنا سؤال ونيس الخالد :” هل هذا عيشنا؟”









