فنون

"يوميات شهرزاد".. وثيقة سينمائية ضد المجتمع الذكوري

فصحيح أن قصص النساء السجينات أو أحداث سجن النساء، سبق أن تطرّقت إليها السينما العربيّة، سواء في شكل خاص أو هامشي، إلاّ أن هذا الشريط الوثائقي متميّز من حيث استثنائيّة المعالجة وطريقة التناول، عبر الاستفادة من فنّ المسرح ودمجه ضمن العمل السينمائي الوثائقي. فقد حاولت مخرجة الفيلم زينة دكاش تركيز الضوء على التفاصيل الإنسانيّة المؤلمة لهذه المجموعة من «المجرمات» الخطرات على المجتمع، بحيث جعلت الضحايا السجينات في مواجهة الجلاّد (المجتمع)، وأصبح الأخير في قفص الاتهام، وتتم محاكمته سينمائيّاً، عبر سرد قصص أعضاء هذا التجمّع النسائي المغلق. وعليه، استطاعت دكاش فضح ما يجري خارج تلك الأسوار العالية للسجن، من داخل الأسوار، ومن خلف الأبواب الموصدة، مشيرةً إلى أن هذه السجينات هنّ ضحايا المجتمع والقانون في الآن عينه، والمرايا التي تعكس الواقع اللبناني والعربي والشرق أوسطي، لدرجة أن إحدى السجينات، فضّلت البقاء في السجن على الحريّة، واجدة فيه راحتها، أكثر مما تجده في العالم الموجود خارجه!.

 

كواليس مسرح

تقوم فكرة الفيلم، على استثمار كواليس عمل مسرحي لدكّاش، قدّمته سجينات في سجن بعبدا اللبناني، سنة 2012، بعنوان «شهرزاد ببعبدا»، وإعادة إنتاج هذه الكـواليس وما دار فيها من حوارات ومقابلات وتحضيرات، بالإضافة الى مجريات يوم العرض، مع دمج مقتطفات من العــــرض نفسه في الفيلم، لتخرج بشريط وثائقي مركّب وفريد ومميّز، قوامه التجريب والدمج بين فنّي المسرح والسينما الوثائقيّة، كما ذكرنا آنفاً. وتناول الفيلم، قصـــص نماذج من سجينات لبنانيات، يمضين عميقاً في الفضفضة والبوح أثناء سرد تجاربهن الذاتية، والخوض في تفاصيل الماضي المؤلم، والحديث عن المستقبل وما تبقّى من العمر والأمـــل، معبّرات عن صعوبة حياة المرأة في مجتمع تحكمه العقلية الذكوريّة. كما تظهر في العمل، تفاصيل يوميات السجينات، من مراح وهرج ومرج، وخلاف وخصام وود، وحركات وعبارات عفويّة – ارتجاليّة، إلى جانب إظهار لحظات العجز والضعف والانكسار الداخلي، مع الإشارة إلى الأمل والرغبة في المواجهة والاستمرار في المضي نحو حياة جديدة. وعليه، فإنه على رغم حجم الألــــم والمعاناة التي يظهرها الفيلم، إلاّ أنه ليس سوداويّاً، باعــثاً على الكآبة والسأم. من دون أن ننسى أن دكّاش، إلى جانب كونها ممثلة مسرحيّة، فإنها ترأس المركز اللبناني للمعالجة بالدراما. وبالتالي، عملها المسرحي المذكور، وشريطها الوثائقي، يمكن تصنيفهما ضمن مشروعها الفنّي، الإبداعي، النفسي، الهادف إلى معالجة الحالات النفسيّة والاجتماعيّة للسجينات، عبر الفنّ والدراما. 

 نكهة روائية

 كثرة المشاهد التعبيريّة الصامتة، أو الناطقة (مشهد الأيدي التي تظهر وتتحرك معاً من وراء قضبان شبّاك السجن، وانسجامها مع العبارات التي تنطق بها السجينات، ومشهد وقـــوف السجينة أمام النافذة وحديثها مع البحر بحسرة وحرقة وتوق وألم شديد، نموذجاً)، وتنوّع القصص وتداخلها، بالإضافة إلى مدّة الفيلم (80 دقيقة)، والخط البياني المتعرّج للزمن في الفيلم، والعفوية والتلقائية في شهادات السجينات حول تجاربهنّ، داخل السجن وخارجه، واللحظات الدرامية المؤثرة في الفيلم، كل ذلك يجعل هذا الشريط يكتســب بعض ملامح أو نكهة الفيلم الروائي الطويل إلى جانب كونه شريطاً وثائقياً. بالتالي، تغلب على هذا الفيلم نزعة التجريب أو التجديد أو محاولة الخروج من السياقات التقليدية للأفلام الوثائقيّة، إن جاز التعبير. وهذه أبزر وأهم نقطة لافتة، تسجّل لصالح مخرجة الفيلم. وإذا كان هنالك ما يمكن تسجيله على «يوميات شهـرزاد» فهو مدخله التقليدي، عبر استخدام السيارة في تصوير المشهد الأول، أثناء عودة إحدى السجينات السابقات إلى السجن للمشاركة في العمل المسرحي الذي سيتمّ عرضه. ذلك أن السمة الغالبة للكثير من الأفلام الوثائقية العربية، هي استخدام السيارة والتصوير من داخلها. بالتوازي مع مآسي السجينات، وسرد سيرهنّ وتجاربهنّ المؤلمة، والظروف التي أفضت بهنّ إلى ما هنّ عليه، خلف جدران السجن، كانت هنالك أيضاً لحظات من الكوميديا والمرح رافقت العمل، عبر حركات بعض السجينات أو أقوالهن، وتعاملهنّ العفوي مع بعضهنّ البعض، من دون الاكتراث بالكاميرا وما قد تشكّله من رهبة. والحقّ أن حياة كل سجينة، يمكن أن تكون مشروع فيلم روائي طويل. كما يمكن تحويل هذا الشريط، بما فيه من قصص وروايات مؤلمة، إلى فيلم سينمائي روائي طويل. الشهرزادات الموجودات داخل السجن، إذ تروين قصصهنّ مع الجــــريمة، فإنهن يختلفـــن عـــن شهرزاد التـــي تروي القصص للملك شهريار، كما فـــي قصص ألف ليلة وليلة. بل هنّ راويات لمآسيهن الشخـــصيّة على يد شهريار (المجتمع الذكوري) بعـــاداته وتقاليده وقوانينه وذهنيّته. وعـــلى أن هذا الفيلم، هو فيلم الاعـــترافات أو المواجهة الصادمة مع الذات والمجتمع، فإنه دليل إدانة لمـــا تعاني المرأة في الشـــرق والعالم العربي، تمثلاً وليس حــصراً، في الواقع اللبناني. وإن المـــرأة في هذه المجتمعات الشرقيّة، ســواء كانت خلف القضبان أو خارجها، فهي في كلتا الحالتين، سجينة. وبقدر ما نجحت دكّاش في تحرير قصص هؤلاء السجينات «المجرمات» وحكاياتهن وإيصالها إلى خارج السجن، في قالب فنّي وإبداعي مؤثّر، فإنها نجحت في تحريرهنّ من سجنهنّ الداخلي أيضاً.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان