حوار / محمود عوّاد
*في وعي اللانسق صار للنصّ كليةٌ مُكـــتسبةٌ مــن تنشيط إيروسيةٍ غائرة في عمق النسيج التكويني للمادّة الإبداعية , والعمل على تفـعيل الخارج بالداخـل الذاتي ,هل المسرح معنيٌ بشرط توافر الكلية ؟
ــ أبداً الكلية هـنا اشتملت على تناسخات عديدة, وهي تأخذ دور التجميعي في القضية الذي يشكل جسدها ,فَلم يعد المخرج أو النص صاحب السلطة الكلية, بل تحوّلت الكلية إلى أجزاء , وقوة المخرج كيف يتحرك بين تلك الأجزاء ليكتشف الجديد لايحركها .
*رهانك على مكانــية الأداء في ماقدّمت من عروض في النهر ومحـــطة القطار ,أيصح اعتبار ذلك مجازفة لتأسيس مسرح خلافي والقفز على الاعتياد؟
ــ أعتقد أنّ المجتمع محتاجٌ دوماً إلى هزات ثقافية , وكل مناحي الحياة وأحـياناً الحرب تكون هزة أيضاً , وتقلب التاريخ , لذلك يحتاج المسرح العراقي إلى هزاتٍ عنيفة كي تنتشلهُ من التقليدية العازلة , والقفز ليس على المعتاد بل على مابعد المعتاد , لتأسيس شكلٍ خـلافي يمكن أن يضيف الى المعرفة المسرحية مسميات مثل الشط , الأماكن المهجورة, محطة قطار وينفتح على الحياة بل يخترق الحاجز مابين الفن والحياة ليشكل ظاهرة مؤثرة ؛ والمراهـنة هي تأسيس مشروع ثقافي مسرحي يمتلك الخصوصية المحلية مع المثاقفة مع تطـور الآخر وآلياته الأساس في بناء هندسية جديدة للعرض .
*في حديثه عن مهماز دريدا , ينوّه إبراهيم محمود أن كلية النصّ هي جسدٌ رخوي زلق بشكلٍ لافت . أيمكن اعتماد تنويهاتهِ سمةً لتجريب المسرح , من حيث إمّحاء المركز والعمل على الحافة بوصفها مركز التشكيل المسرحي ؟
ــ زمن المراكز قد تبدل ,وقد أُعيدت صياغة اللعبة في المركز , فهناك فرق أمريكية معاصرة لم تُظهر ممثليها وكأنهم أشباح ؛ مثل فرقة نظرية الانفجار الأمريكية التي تعتبر المدينة هي خشبة المسرح والناس هم الممثلين , واستطاعت بعروضها أن تجعل المتلقين هم المجسدين ,مع توظيف آليات التقنية الحديثة مثل الموبايل والنت وكل المنجزات العلمية, في عملية إنشاء تشكيل مسرحي يقفز بعيداً عن التقليد .
* قلت لي مرّةً ما وقد كان حديثنا لايخرج عن آلية الهوس التجريبي , أن التجريب يتمثّل عندي بالانفلات الاكتشافي للحياة الدرامـية, إلى أيّ غور ستمـضي بالمسرح نحو تحقيق عوالم درامية ؟
ــ الابتكار هو لغة المسرح المعاصر والاكتشاف أحد أدواته , ولايوجد قانون يحكم آليات العرض , بل المخيلة الذاتية ورؤى النص والعـرض هما من يرسمان خطوط سيناريو العرض . وعندي لغة الاكتشاف هي السمة البارزة , فالنص يتحوّل عشرات المرات من الورق , المجسد , مكان العرض , وحتى أثناء العرض يستمر تحوّل النصّ,ويمكن اعتبار أغلب العروض التي قدّمتها مقترحاً لعرض لاعرض , ويتحوّل أحياناً بمجرد ذهابنا إلى مكان آخر كما حدث في مسرحية نبوءة 2015 التي اختلف عرضها عندما قُدّمت في أماكن أخرى , وهنا تظهر مساحة الاكتشاف الابتكاري ولاسيما قدرة المجسدين وتعاملهم مع المكان . وهذا التغيير يؤدي الى قلب ميزان التلقي من خلال المشاكسة الجمالية , والتي بدورها تؤدي أيضاً إلى خلق عالم ليس درامياً إنما مابعد درامي.
*أثناء مشاهـدتي للقطات من عرض المحطة ,النهر, أجد أنَّ الفعـل الـحركي الأدائي يُحيلني إلى المواجهة مع فن ٍتشكيلي, يتبدى وعي لذّته من دراميــة الـــوجود وهذا يضعنا على محك سوالٍ آخر مفاده : هل الدراما تشكيلاً سيميائياً , نابعٌ من شعرنة الجسد المسرحي ؟
ــ إن انحلال الدراما من النصية نحو الصورية على مستوى النص والعرض , أعطى الصورة أهمية شكلية لكونها لم تأت من فراغ , بل هي نتاج ثقافة معاصرة صارت فيها الصورة هي الغالبة سواء في الشارع أَم في البيت أَم المذيعة على مستوى التلفاز أم شيكات النت والإعلانات وكل الندوات اليومية , مما أعطى المسرح المعاصر سمةً شكلية , لكن التجديد في الموضوع أن تنفلت هذه السمة الشكلية من العلبة لتصبح حياتية ويتم التعامل معها وتمريرها إلى أن تكون شكلاً فلســـــــفياً في العرض وهذا الجديد كما في بورسيبا الأثـــــرية ومحطة القــطار وكل ماهو موجود في بنية العرض , كذلك الحال في الشط واستخدام القــــوارب والعبارات الكبيرة هذه الأشكال التصويرية لم تصنع ديكوراً للعرض بل تم التقاطها , لكي تكــــــون الشكل الصوري التشكيلي للعرض , وهنا حدوث تحوّل في سيتوغرافيا العرض من خلال تعامل الجسد الأدائي مع مكونات حقيقية ليحدث الاختراق للأشياء بدلاً من محاكاتها وهذه سمة أساســية في العروض التي قدّمتها , والتي اعتمدت على الأداء الحياتي بدلاً من التمثيل .
*يعتقد البعض أن الخروج على الثابت وضربه يكمن في التعـــرض للثالـوث التابوي ( الدين ــ الجنس ــ السياسة ) وهذا بفضل مــعرفة مابعد الحداثية تحوّل لثراثيات بائدة .بمعنى كيــف يمكن تأثيث الذات بما تُمثّل من حياة , بشكٍ مسرحي مُحـدِث , كونك عمـلت على المغايرة المعتادة في ضرب الثابت في عروضك كلها وآخرها نبوءة هاندكة, وكيف كانت علاقة الأخير معك ؟
ــ لايوجد تابو ثابت في أغلب العروض التي قدّمتها , وقد عرضت في أرض بحسب ما جاء في سفـــر الديانات الواحدية هي مدنسةٌ , وأخص بالذكر مسرحية كشكول حضاري في بورسيبا , وفيها أنـــزلت المتعالي على شكل شخصية تبحث عن وجودها , فالثابت غير مرئيٍّ ولا وجه له ,والعرض حــدث مادي مكـــاني على جسد المؤدي .وقوة الاختلاف في المادة المختلفة وكيف نحقـق الصدمة لا المتعة,لأن الذائقة المحلية قد رحل عنها التذوق وانحرفت . وهذا نتيجة طبيعية في بلد يوجد فيه بحسب الاحصاءات 130 شكل للمــــوت وحتى المقدس أخذ طابعاً وظيفياً ,فلم يعد الثابت له وجوداً متعالياً,بل أصبح وجوده أرضياً وظيفياً بحسب الحاجة , وهذا تشكل في صورة المدنـس الأرضي , الذي يتعاطف مع العرض المسرحي المادي , كما تحقق ذلك في مقــترح عرض نبوءة من خلال المرايا من فـــــوق السطوح والتي أحدثت حالة من العمى ,من القلق والاستفزاز نتيجة أشعة الشمس المنعكسة في عين الجمهور , وهذا ماخلق حـركة تبادلية مابين نص هاندكة وسيناريو العرض الذي تهجـم على المقدس في الأغنية الكنسية “على جبل الأنقاض وأنابيب النفط الكبيرة .
*في عروضك ينحى الوعي الجسدي مناحٍي عديدة , مرّة ً يُرصد الممثل حاملاً لدلالة جسد العرض , ومرّةً يتمثل بجسديّة النصّ , وأحيــــاناً يبرز بهــــيمنة جسد المكان , أين سرّ اللعــــبة في هذه الانتقالات؟
ــ الجسد هو الهاموني الحركي الصوري في فضاء العـرض مع المكان الذي يقـع اختياره على نقاط مهمة ,وهو الطاقة الإيجابية , فكل مكان يتم اختياره عند ذهاب المؤدين إليه لأول مرّة أقيس مدى تلك الطاقة التي يتـفاعل معها الجسد , ومـن هذه النقطة تبدأ بناء هيكلية العرض . والجسد هو جزءٌ أساسي ومـادي حاضر ,وأغلب ماقــدّمت من عروض تعتمد الحضور المادي لا الغياب الماورائي , وعلى هذه الفكرة يلتقي الثالوث (جسد المؤدي ـــ جسد النص ــ جسد المكان ) وتبدأ اللعبة .
*في حال لايوجد هناك مكان , أين ستُرينا المسرح , كما وأن اللعب على المـــكان في أكثر عروضك ,ربما يحيلنا إلى شيء من مخاوف الوقوع في التنميط ؟
ــ التنميط هو مشروع لكن التنوع هو المحك , فكـاظم الساهر لايزال يغني رومنسياته ,لأنه امتلك مشروعاً ,وإبراهيم محمود كتب عشرين مؤلفا عن الجسد , وهـذا أسميه نوعاً من التنميط الذكي.وهكذا فاختيار الأماكن وتحويــلها الى بيـئات عرض. ولدي مشاريع كبيرة في هذا المجال , علماً أنه بعد تجربة أوديب سوف أقدم روميو وجوليت بالسيارات فقط , في إحدى الساحات العامة , وسوف تُقدّم نبوءة في بيئات واماكن عديدة ,إذن العمل على حالة متفردة يجب التأكيد عليا , لأنّها سوف تصبح ظاهرة وهناك مشاريع مهمة سيكون المكان وفضاؤه جزءاً منها .
* تقول إني بعيد عن تحميل العرض ديكورياً , أفهم من هذا أنك تعمـل على التلـميح بديكوية الأداء , حيث الممثل يكون سينوغرافيا مكان أو ماذا ؟
ــ الأداء الحركي والصوتي هو جزء من صورية العرض واللعب بفضاءاته ,والسنوغرافيا يتم التعامل معها كما هي بهندسة سيناريو نص العرض على المكان أو البيئة المختارة ,حيث يكون الأداء الصوري بمكونات المكان هي الجزء الأساسي في اللعبة التي يتحرك فيها المؤدي , مما يــــؤدي إلى إزاحة الستار عن فلسفـــة العرض القابلة للتأويل وللقراءات المتعددة حيت يختـفي الشكل المتقالد عليه في العروض المسرحـية ويُــصبح الديكور هو أحد أجزاء العرض الحقيقية وتنتهي مهمته عند انتهاء العرض ليعود كما كان .
*لوكان بوسعك تقديم رؤيا راصدة للمسـرح العراقي المعاصر ,للأيٍ ّمن الفـضـاءات ستمضي بمجساتك ؟
ــ هناك نزعة شبابية متمردة على بعض القوالب المعروفة في المسرح , قادها شباب أغلبهم عادوا من المهجر . تجسدت رؤاهم على شكل ورش وأداءات يـومية , ورقص تعبيري , أتمنى امتلاك الرؤيا الستراتيجية في بقائها ,غير ذلك يوجد التقليد الممل ولايزال السرد والوعظ والخطابية منتشرة مع غياب الشكل الصوري الجمــالي من خلال التقنيات الحديثة . ومثلما أوضـــحت سابقاً على المثقف أن يمتلك مشروعاً , دون ذلك يصبح عادياً وغير مميزاً ؛ والمنتمـي الحقيقي لنفسه هو من يسحق الظروف ويستمر في تحقيق أحلامه المسرحية , علماً أن جميع العـروض التي قدمتها هي من دون إنتاج وقد وصلت للآخرين ؛لأنّها حقيقية .
* أخبرتني يوما ما , أنك مع التجديد والتجريب المنفلت ,لكنك ترفض مشروع موت النصّ وتدعو لإعادة صياغتهِ ,أهذا تجريبٌ مكملٌ لتجريب صياغات العرض؟
ــ في هذه النقطة نتكلم على الوعي الاكتشافي الذي يعتمد على ثقافة المخرج أو ماأسميه في عروضي المنتج الصوري , حيت يعتقد الكثير بأن الاكتشاف هـو خالصٌ للعرض المسرحي وهذا خطأٌ فادحٌ ,لأن الاكتشاف في النص موازٍ للعــــرض يتفقان ويختــــلفان , إلاّ أنهما سائران في الاكتشاف , وهناك تجارب مهمة في هذا المنحى التجريبي في النص مثل الفرنسي راينزفا سبندر وبيتر هاندكة الذي قلب كل موازين النص في نصوصه المهمة مثل سب الجمهور نبوءة الـــــتي تعطي للمخرج مساحــــة كبيرة في الاكتشاف التجريبي ,فمثلاً نبوءة مكونة من 360 جملةً , يمكن في عرضها استخدام 360 مؤدياً , ويمكن أن يكون مؤدياً واحداً , كذلك يمكن عرضها في أي مكانٍ وزمان , لأنها نصٌ مفتوحٌ لايوجد فـيه بطلٌ , حكايةٌ , تسلسلٌ ,كونه متكوّنا من جمل فقط يحملها الممثل ويُلقيها بالإشارة ,بالصوت ,بالجسد , ومثل هــــذا الاكتشاف في النص يُعبر عن علة سلطة النص غير التقليدية ,التي تجابه سلطة المخرج ,وهذا الاشـــــــتباك يحدث الديالكتيك الذي يُهيكل العرض .
*النصّ الكلاسك هناك من يقول بنفاد جوهره, ومن الضروي مغـادرته ,كيف تتعاطى معرفياً مع هذا الرأي , خصوصاً وأنت بصدد تقديم أوديب سوفوكلس ,وكيف ستكون صورة أوديب 2015؟
ــ الرؤيا هي أهم نقطة يجب أن يمتلكها المخرج , ومن دونها لايوجد مشروعٌ ,والنص الكلاسيكي لم يعد فيه السرد مجدياً ,فنحن في عصر سريع وصوري,لكن يمتلك النص الكلاسيكي ثيمة يمكن توظيفها واللعب عليها كما الطاعون عند أوديب , ونحن الآن نعاني من عشرات الطواعين مثل الموت ,الطائفية ,الهـجرة , الروتين في الدوائر وهكذا دوائر لا تنتهي من الطاعون , وفي نص أوديب لعــبنا على دائرة الوحدات الثلاث في النص وتمت هندستها على العرض أي تحقيق الوحدة الزمنية ,لكن في عرض أوديب سيتم إذابة الحاجز مابين الفـن والحياة ويحدث هذا في تنقّل الجمهور في السيارات من مكان الى آخر,ليتعامل مع بيئات العرض الحقيقية , كذلك تحقيق ماتُسميه المنظّرة الأكاديمية أريكا فشر عنصر التلامس مابين العرض والمتــــــلقي, وهناك نقطة في غاية الأهمية غائبة عن الجميع , وهي التلقي السلبي أي عدم مشاركة آراء المتلقين في آليات العرض ,وهذه النقطة ستكون أساسية في عـروض أوديب من خلال المشاركة الفاعلة للمتلقي وإبداء آرائه .









