فنون

لمناسبة الذكرى التاسعة عشر لرحيل رياض احمد.. صدَحتَ .. فأبدعت .. لماذا رحلتَ مبكرا؟

صباح الخطاط

 

رياض ياقارورة العسل المغلفة بالحنظل، فمن اراد الوصول الى العسل عليه ان يتجاوز الحنظل ومن يتجاوز الحنظل يجب ان يكون له صبر كصبر ايوب، 

من يحاورك يتوجس منك ايها المعجم الكبير يجدك ملما بكل المواضيع بتفاصيلها الدقيقة مثبتة بحجج وقائمة على سند مدعمة بشواهد وارقام وبدهشة واستغراب، المتلقي يطلب منك المزيد ويكون الحديث منك ومعك شيقا. 

كنت انسانا وفنانا كبيرا لم تعرف الأنانية طريقا الى قلبك، تحب وتحترم الجميع وتمتلك كل الصفات المميزة، 

ان تعطي او ان تهب وانت على اقتدار فهذا فرض اما ان تعطي وانت بحاجة فذلك عين الكرم !!

دعينا لحفل زفاف اصحابه، بدت عليهم معالم الوجاهة ويسر الحال والبذخ، واستمر الى ساعات الصباح الأولى اغدق اهل الحفل ومدعووهم بالمال على رياض وفرقته الموسيقية من خلال نثر المبالغ على رأسه في وصلاته الغنائية. وبعد انتهاء الحفل قفلنا راجعين وكالعادة الى داره وفي الطريق طلب مني تغيير المسار والتوجه الى ساحة الطيران ( وهو مكان يتواجد فيه عمال البناء والاعمال الأخرى) استغربت من طلبه وتوقعت حصول ضرر في مبنى داره، فسألته عن سبب وجهتنا الى (ساحة الطيران) اجاب (نوصل وتعرف السبب) ووصلنا وركنت سيارتي جانبا وترجلنا وتجمهر العمال حوله للسلام عليه والترحيب به، وظنوا كما ظننت ان لديه عملا في داره وحضر ليصطحب بعضهم الا انه فاجأهم وطلب منهم الوقوف بصف واحد، ونفذوا ما اراد فعاد الى السيارة واخرج منها كيسا كبيرا، كان قد وضع جميع ماحصل عليه من مال في حفلة الليلة الفائتة، وبدأ بتوزيعه ليمنح كل شخص ورقة نقدية فئة خمسة دنانير واحيانا يعطي كل شخصين عشرة دنانير لعدم وجود فكة (بالمناسبة قد يبدو المبلغ زهيدا الان فقد كان في حينه اجرة العامل ليوم كامل سبعة دنانير) الى ان نفدت المبالغ بالكامل، التفت إلي بعد ان نفض جيوبه ويديه امام الحاضرين وطلب مني المغادرة وفي طريق عودتنا استفسرت منه: وانت (وعياليك) كونه مسؤولا عن اسرتين، قاطعني ودون ان اكمل عبارتي (خويه الله كريم).

…داخل حسن البس الأغنية الريفية العراقية العقال والكوفية والعباءة، وجاء الى بغداد ثم سافر بها الى لبنان والقاهرة وبقية البلدان العربية الأخرى وعرفهم عليها،

اما انا فالبستها بدلة (مودرن) مع ربطة عنق وسافرت بها بكامل اناقتها وأوصلتها الى باريس، وبقية الدول الأوربية.. هذا رده عندما سأل عن الأغنية الريفية العراقية. 

كان يخاف على الغناء العراقي مخافة الام على وليدها الوحيد يبحث ويستقصي الى ان يصل الى المصدر، سافر الى العمارة والتقى بالمطرب الريفي الرائد كريري، وكذلك المطرب الريفي جويسم وحاورهما وركز بانتباه على طريقة غنائهما وتعلم منهما طرق اداء بعض الأطوار الريفية غير المسموعة .. رياض .. لقد كنت القارئ النهم، والمستمع الجيد والمشاهد الدقيق، وبتمعن فاحص تناقش طرق الاداء وتحافظ بدقة متناهية على مخارج الحروف، وسلامة اللغة العربية في غنائك، وكأنك في حضرة سيبويه، عندما يسمعوك نصوصا شعرية غنائية تصمت صمت مقبرة تتمعن بالمفردة،، والمثير منها يغنيك قبل ان تغنيه، وبعدها يبقى الكل في انتظار قرارك، الشاعر والملحن والموسيقيون، وفي حالة القناعة وبعد الاتفاق والجاهزية يكون الغناء عندك حالة تجلٍ الى ان تصل الى السلطنة.. اشعر ان رئتك ستخرج من جوفك، لانك كنت تغني بإحساس وصدق، ولكون إحساسك مرهفا جدا تعبت وعانيت أكثر مما يجب، والغريب فيك انك عندما تستفز تبدع أكثر، شهدت هذه الحالة في مرضك الاخير، وقفت في احدى الحفلات وغنيت لأكثر من ثلاث ساعات بتميز وابداع استغربت حينها لاني على دراية وبالتفاصيل المضنية والمباشرة من طبيبك عن حالتك الصحية وبعد ان اتممت وصلتك الغنائية وهدأ تصفيق الحاضرين وغادرنا المكان، سألتك عن سر ابداعك وأنت الموجوع.. أجبت ان الألم استفزك فأبدعت.. 

تقيّم آراء الجميع والنقد البناء الهادف، وبالأخص من الناقد الأستاذ عادل الهاشمي الذي كنت تسميه بالناقد المنصف.

أخبرتني ان في رأسك مشاريع كثيرة لم تمهل نفسك لتحقيق جزء منها، كنت تقول لي وبإصرار انك تريد اعادة غناء رائعة محمد عبد الوهاب (من غير ليه) وكذلك أغنية (أولاد الحلال) لوردة كما غنيت وباقتدار عال أغنية السيدة ام كلثوم وأغنية وديع الصافي ( على الله تعود) والتي اجدت وأبدعت بأدائها مادعى الفنان وديع الصافي الصعود الى المسرح في مدينة باريس ليطبع على جبينك قبلة اعجاب.

الموت حق .. ولكن مهلا رياض، مازال هناك متسع من الوقت (مو وكت روحه) الآن أقولها لك، فكم من مرة قلتها لي عندما كنت اهم بمغادرتك في أوقات متأخرة، الآن نعم وبالتحديد الآن المفروض ان تكون بيننا، فنحن بحاجة ملحة اليك، فلقد صدحت .. وأبدعت.. فلماذا رحلت مبكرا؟ 

أخي أبا احمد .. 

جئتك صباح يوم السبت المصادف 8/3/1997 وكان يوما ليس كبقية الأيام السابقة، لم تستقبلني فيه ولم تنادِ بصوتك الجهوري (بويه طيبة ضيفي عمج) عجبت واستغربت !! وافتقدت طقوس الاستقبال واللقاء التي اعتدتها!! وخرجنا سوية وركبنا السيارة ولكن هذه المرة لم تجلس بجانبي، وكان الطريق طويلا جدا، استغرقنا بتجاوزه عدة ساعات، ولم تنبس ببنت شفة طيلة تلك المسافة، دهشت لانك لم تحدثني البتة ليس من عادتك يا أمير الكلام، ولم تفتح أي موضوع او تناقش اية قضية، ووصلنا وحملتك على كتفي بعد ان أعانني الآخرون وأنزلتك ولم تكلمني وانتظرت برهة علك تودعني عندما تفترق يوما على أمل اللقاء في اليوم الآخر، لم تودعني وقد كنت تصر قبل ليلتين على مرافقتي وكعادتك الى السيارة خارج الدار، ورفضت وأرجعتكم لان الجو كان باردا والساعة تجاوزت (1.40) بعد منتصف ليلة الأربعاء 5/3/1997 ..

رحم الله من أهال التراب .. سمعتها بعد ان نادى بها الدفان بصوت مسموع .. افقت وانتبهت .. بعدها أيقنت انني في المقبرة، ذرفت عليك دموعا لأني شعرت بحاجة ان ابكيك لأنك بحق اعز من الدمع ، استميحك العذر أيها الأعز لأنك لم تودعني فانا ودعتك مضطرا ومكرها بعد ان أهلت عليك التراب.. ليرحمك ويرحمنا الله . 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان