فنون

فــــن السخريـــة

 د. ناصر علي

 

من المؤسف أيها المعلم أن تموت دون ذنب ارتكبته، أجابهم: وهل تظنون أن الموت كان يمكن أن يكون أسهل لو كنت مذنباً؟ وبهذا يكون سقراط قد أضحك تلاميذه وأثار حقد أعدائه. وسخر أحد رجال الثورة الفرنسية من خصومه وأضحك الآخرين حين قال قبل إطلاق الرصاص عليه: «رصاصة واحدة تكفيني ودع الباقي لبريء آخر».

وتحتاج المجتمعات الى هذا الفن من القول خصوصاً عندما تمر بظروف صعبة، هذا ما كان مع الأديب الروسي (غوغول) حين وصل الواقع الروسي الى درجة لا تطاق، فظهر في أدبه سمة بارزة هي «الضحك من بين الدموع» فقد آمن بالاضحاك الهادف، وتولت السخرية عنده نقل الرسالة المرة في نقد الواقع نقداً ايجابياً. وحين تشتد الآلام يبتسم المبدعون الكبار، وتكون ابسامتهم أشد أثراً من الدموع، تنعكس في كلمات ومواقف ساخرة، كما نرى عند ابن الرومي الشاعر والجاحظ الكاتب، والمازني ومحمد الماغوط في العصر الحاضر. فاللون الساخر لون صعب الأداء، يتطلب موهبة خاصة وذكاء حاداً، وبديهة حاضرة، كما يقول الشاعر أدونيس في كتابه (مقدمة الشعر العربي). ويلا حظ المتتبع لهذا الفن في أدب المعري أنه كثر بعد أن قست ظروف الحياة عليه واشتدت المحن، فحاول مواجهتها بالعقل، مؤمناً بأنه الدليل والهادي والمنقذ، يقول:

كذب الظن لا إمام سوى العقل *** مشيرا فى صبحه والمساء

فها هو يحاول أن يفر من سجنه الى الجحيم والجنة ليتحدث هناك بحرية، يقول:

إني وإن كنت الأخير زمانه *** لآت بما لا تستطعه الأوائل 

وهو يعتمد في سخريته على المفارقات اللغوية. ومن معاني المفارقة أن يعبر عما يريده بلغة توحي بمعنى يناقض المعنى الذى يريده، اذ أنه يستخدم لهجة تدل على المرح وهو يقصد التهكم، أو أنه يستعمل اللغة بطريقة تحمل معنى باطنياً موجها لجمهور خاص، ومعنى آخر ظاهرا موجها للأشخاص المخاطبين، كما جاء فى موسوعة المصطلح النقدي «المفارقة وصفاتها «وعرفها صومائيل جونسون: بأنها طريقة من طرائق التعبير، يكون المعنى فيها مناقضا أو مضاداً للكلمات، ويرى ماكس بير يوم أن المفارقة تعني إحداث أبلغ الأثر بأقل الكلمات. وهذا ما نجده عند المعري فالسخرية عنده تتحقق بعدد قليل من الكلمات وتولد الأثر الساخر ويظل بعيدا عن الا بتذال، وهو الساخر الذى لم ينج منه حتى اسمه، يقول:

دُعيتُ أبا العلاء وذاك بَيْنٌ *** ولكن الصحيح أبو النزول 

والسخرية عنده موقف من العالم، يهجو نقائضه لكنه في الوقت نفسه يضحك الكائن البشرى حين يذكره بضعفه وتخاذله، فعلى الرغم من أنه وضع نفسه داخل سجون ثلاثة الا أنه لم يتكدر ولم يحقد على البشر، وانما جعل هذه السجون سبيلا لتطهير النفس وتنقيتها وابعادها عن هَوَس الدنيا ومتاعها، هذه السجون وسعت عقله وفتحت وجدانه: يقول:

ولو أني حبيت الخلد فردا *** لما أحببت بالخلد انفرادا 

فلا هطلت علي ولا بأرضي *** سحائب ليس تنتظم البلادا 

ولى نفس تحل بي الروابي *** وتأبى أن تحل بها الوهادا 

انه وهو فى عزلته لم يكن بعيدا عن هموم الناس وهموم المجتمع، خبر المجتمع وحيله، فسخر من الواسطة التي توصل غير المستحق، سخر منها فى رسالة الغفران على لسان أوس بن حجر: «ولقد دخل الجنة من هو شر منى، ولكن المغفرة أرزاق» كما سخر من الناس السطحيين الذين لا يهمهم سوى مصلحتهم ولا يشغلون أنفسهم بالتفكير فيعيشون يتمتعون بجهلهم، حين يقول على لسان الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، «وددت أني لم أنطق مصراعا ودخلت الجنة مع الهمج والطغام «كما سخر من مدعي الشعر الذين يقولون شعرا لا قيمة له، ومثّل لهم بالرجاز، وأفرد لهم حديثاً خاصاً؛ بل مكانا خاصا فى الجنة وذكر منهم العجاج ورؤبة وحميد الأرقط، يقول فيهم حين يتصور أن أحدهم يعترض على رأيه: «لو سبك رجزك ورجز أبيك لم تخرج منه قصيدة مستحسنة»

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان