ملف خاص

نصائح لنوري السعيد موجهة الى سياسيي الشرق

 ناصر الدين النشاشيبي 

 

قيل لرئيس وزراء العراق إبان الحكم الملكي نوري السعيد يوما: ليس غريبا ان يبحث الناس عنك او تسعى الصحافة للظفر بك، فانت في نظر الناس والصحافة والمجتمع السياسي اسطورة من الالغاز والاحاجي، كلها غموض، وكلها اسرار، و”الشاطر” الذي يكشف “لنفسه هذه الاسطورة او يحل الغازها المطبقة..”. وكان رده: 

– لست مسؤولا عن اراء الناس في شخص نوري السعيد! ولكنني، في طبعي وطبيعتي وخلقي السياسي، ابعد الناس عن هذه الصفات الغريبة التي تحمل معاني الغموض والدهاء والسر الدفين.. واستطرد نوري السعيد يقول: 

– لو قدر لي يوما ان احاضر في الصفات المثالية للرجل السياسي في الشرق، لرأى الناس ان صفات “الاساطير والاحاجي والالغاز”. ليس لها في قاموسي السياسي مكان!”. وراح نوري السعيد باشا يتكلم، ومن ضمن ماتكلم عشر نصائح أسداها الى السياسيين هي:

* احتراف السياسة وسيلة لا غاية: 

قبل ان تكون سياسيا، سل نفسك لماذا تريد ان تكون سياسيا، حدد اهدافك ومشروعاتك وادرس نواحي طاقتك على تحقيق هذه الاهداف والمشروعات. على السياسي واجبات تفوق حقوقه كمواطن.. فهل فكرت في هذه الواجبات. السياسي مسئول نحو حزبه، ونحو وطنه، ونحو نفسه، مسئول لرفع مستوى بلده ومعالجة قضاياه. مسئول عن اختيار المجالس النيابية وممارسة حقه الطبيعي في هذا السبيل. ان العمل السياسي خاضع لقدرة الانسان على ممارسته. فهل درست طاقتك؟ لتضمن نجاحك!! لا يكفي ان يقول الناس عنك انك سياسي، بل عليك ان تضمن جوابك للناس ان تساءلوا: ماذا يشغلك كسياسي! ما هي امالك؟ اين جهودك؟ اين رأيك وصوتك؟ اين وسائلك.. لخدمة وطنك وامتك.. اين منهاجك!

* ان اردت ان تكون سياسيا، فكن طموحا: 

لا نجاح لرجل السياسة ان لم يكن طموحا، اقول الطموح ولا اقول الانانية وانادي بالتحفز وتبنى الامال الواسعة والتطلع الى المستقبل بعزم وثقة واطمئنان لا يكفي ان تقضي عمرك عضوا في حزب او وزيرا في وزارة. لماذا لا تكون انت زعيم الحزب، ورئيس الوزارة؟ يجب ان لا يغريك او يعزيك وضع بلدك على ما هو عليه.. بل يجب ان يكون لديك الطموح لتعمل على توسيع رفقة بلدك، على زيادة موارده، على رفع مستواه، على قبوله المكان الاسمى بين الدول في العالم.. ان الطموح عامل اساسي في حياة كل سياسي ناجح.. طموح ذاتي، وطموح عام لخير البلد.. وخير العالم وخير الانسانية!

* السياسة تضحية: 

ان حياة السياسة كلها تضحيات، والسياسي الناجح هو الذي يرضى بان يضحي بكل شيء في سبيل مبدا.. او حزب.. او وطن! في بلد كبريطانيا، يتقاضى المحامي اضعاف اضعاف المرتب الذي يعطى لوزير، ومع ذلك يدخل الانجليزي الوزارة عن طيب خاطر مضحيا بالمال. ان حياة السياسة، وحياة الحكم، تحرمان السياسي من عضوية الشركات، من الاعمال الحرة من  ميادين الاقتصاد. من حياة الراحة والدعة وهدوء البال.. من التمتع بالامن والطمأنينة والسلامة احيانا.. من رعاية اهله واولاده واقربائه.. من ممارسة حقوقه في الاعتناء بصحته واعصابه.. من تغذية روحه بتيارات العلم والادب. والسياسي والناجح هو الذي يضحي بكل هؤلاء.. في سبيل نجاحه كسياسي محترم!

* السياسة صراحة وصدق.. والعكس غير صحيح!!

إن الرأي القائل بان السياسة كذب وتملق ونفاق، رأي ضعيف، فهذه ليست من صفات الناجحين! السياسي الناجح هو السياسي الصريح الذي يستطيع ان يجاهر برايه ولو كلفه ذلك تحمل الوان الاذى والضيم والعذاب..! السياسي الناجح هو من يقول لا! ويعني بها لا! ويقول نعم، ويعني بها نعم! اما الغموض والبلبلة والكذب فليست من صفات السياسة.. ولا من صفات الرجال!

 * السياسة الايجابية.. هي السياسة الناجحة! 

السياسة السلبية.. سهلة، في استطاعة كل انسان ان يمارسها، اما سياسة الايجاب فهي محك الساسة الناجحين! لا يكفي ان تقول لا.. لا اريد. بل عليك ان تقول بعدها: ماذا تريد!.. لا يكفي ان تحمل معول الهدم، بل عليك ان تعمل للبناء والانشاء،  لايكفي ان تلغي وتنسف وتعارض وتنتقد، بل عليك ان تبادر الى وضع الاسس الى بناء شيء آخر مكانه..

* تحمل المسؤولية.. لكي تنجح! 

لامكان في سفينة السياسة الناجحة، لمن يسمونهم بفئران السفينة! اذا غرقت هي، هربوا هم! ان الربان الناجح من يتحمل مسؤولية سفينته.. ويسير بها الى شاطئ السلامة.. ويذلل ما يعترضها من امواج ورياح واعاصير.. ويسهر على سلامة ركابها.. ويتجه بها نحو مواطئ السلام.. ويبذل في سبيل ضمان سيرها كل جهد وخبرة وذكاء..! فاذا تعرضت للغرق.. كان آخر من يتركها.. وقد يغرق معها! ان الشعور بالمسؤولية، وتحملها شيء ضروري، شيء عظيم.. في حياة السفينة، وحياة الامم والاوطان!

* السياسي الناجح.. سياسي شجاع؟ 

“ان كان للسياسي مبدأ قد اعتنقه.. فليجاهر به! هل هو معارض؟ هل هو مؤيد؟ مالونه وحزبيته؟ لايجامل حيث النضال، ولا يخاتل حيث القتال، لا يتهرب ولا يهرب، ولا يدفن رأسه في الرمال. واذا تخلت عن السياسي شجاعته فقد تخلى عنه ايمانه، وتخلت عنه مبادئه.. بل أبرز نواحي خلقه وصفاته!.

* سياسة بلا ثقافة = هواء في شبك! 

“على رجل السياسة ان يقرأ.. كثيرا! يقرأ في كل شيء.. في الادب والتاريخ والفلسفة والطبيعة والشعر وتراجم العظماء وتاريخ الفنون والموسيقى! ان الثقافة “فيتامين” السياسي، وعموده الفقري: انها موئله في احاديثه ومنهله في خطبه، ومرجعه في ابحاثه، والسياسي الجاهل مهما كان ذكيا وألمعيا وشعبيا ووطنيا.. لن يصل الى النجاح ما دامت جعبته خالية من عنصر النجاح.. الثقافة!”.

* الانتاج.. واجب السياسي! 

“ان الشرق غني بمجهولاته.. فقير بانتاجه! في بطون ارضه، تكمن الخبرات وعلى سطح ارضه يدب الجوع والعراء والجهل والمرض! ان العرب بحاجة الى السياسي (المنتج) الذي يعمل على زيادة كفاءات البلاد اقتصاديا وماليا، والبلد الغني اكثر توفيقا في سياسته، من البلد الفقير، الاخير يدفع اهله لاحتراف السياسة تابطا وتخبطا، والاول يشغل اهله بمشروعات النور والخير والحياة.. ويترك السياسة لاصحابها!! نريد سياسيا منتجا في بلاد فقيرة.. نريدها ان تصبح غدا غنية! 

ويصمت نوري السعيد قليلا ثم يقول: 

– هل اخبرك عن الوصية العاشرة!.. انها امنية، وليست وصية، امنية اعيش بها وارجو الله ان يحققها لبلدان الشرق، فليس على الله بكثير ان يهب العرب ساسة يفكرون بوطنهم قبل ان يفكروا بانفسهم ويؤمنوا بامتهم قبل ان يؤمنوا باحزابهم واشخاصهم، لو عرف العرب منزلتهم في العالم، وادركوا حاجة الامم اليهم وقدروا اهمية الدور الذي باستطاعتهم ان يمثلوه على المسرح السياسي، لكان لهم اليوم شان آخر ومنزلة اخرى، ولكن، اين من يوجه.. ويخلص في التوجيه؟ اين من ينصح ويصدق في النصح؟ ان وضع العرب اليوم لا يبشر بخير، وضع كله استكانة وضعف وعدم مبالاة. وضع لا تنفع فيه مشروعات الاعانات والاغاثات.. وقروض امريكا وهبات هيئة الامم فقبل ان نشق الطرق ونبني الجسور ونجفف المستنقعات، علينا ان نبني الاخلاق ونجفف الضغائن.. وننسى الأحقاد

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان