اراء وأفكار

"سد الموصل" القنبلة الموقوتة المهملة

إعداد- علي لعيبي

 

 إلا أن أعمال الصيانة توقفت إثر سيطرة عصابات “داعش” الارهابية على السد في شهر آب 2014. وكان سلاح المهندسين التابع للجيش الأميركي، قد وصف سد الموصل في تقرير له عام 2006، بـ”أخطر سد في العالم”. ويبلغ ارتفاع السد 113 مترا وعرضه ثلاثة كيلومترات. وفي حال انهيار السد في موسم الفيضانات حيث يصل الماء لأعلى مستوياته، فقد يؤدي ذلك، بحسب التقرير إلى مقتل أكثر من 500 ألف عراقي وتشريد أكثر من مليون آخرين. وفي أسوأ الاحتمالات، فإن انهيار السد قد يتسبب في موجة ارتفاعها 20 متراً في المناطق القريبة منه، مثل مدينة الموصل في محافظة نينوى. ولا يقتصر الخطر على محافظة نينوى، بل يمتد إلى محافظات صلاح الدين وديالى وبغداد، حيث يقدر أن ارتفاع المياه سيصل إلى أكثر من أربعة أمتار ونصف في بغداد. وفضلا عن ذلك، فالموجة الناتجة عن انهيار السد ستجرف في طريقها كل ما يقع قرب مسار الأنهار من مصانع وأراض زراعية وحقول نفط وغيرها من المصالح التي سيكون مصيرها الدمار.

 

تطمينات حكومية

وزارة الموارد المائية العراقية، لطالما طمأنت من جهتها، وأكدت أن السد مؤمن بالكامل، ولا وجود لمؤشرات حول انهياره. والحديث عن وجود إشكال في التربة التي أقيمت عليها أسس السد، مشخص منذ عام 1986، من قبل الشركة السويسرية التي صممت السد. ومنذ ذلك الحين تم إنشاء نفق خاص بأعمال ردم التشققات التي تحصل في السد، والتي يجب أن تستمر على مدى عمره عن طريق أجهزة متخصصة بأعمال الحقن. وهذه الأجهزة موجودة في المشروع. ونتيجة سيطرة عناصر داعش على السد، توقفت أعمال الصيانة والحقن فيه خلال شهر آب عام 2014، واستؤنفت العمليات بعد تحريره. وتم إجراء مسح كامل لأقسام السد من قبل الكوادر العاملة فيه، ولم يؤشر المسح إلى وجود أي مشكلة”. في المقابل، حذرت لجنة الزراعة والمياه البرلمانية من تعرض السد، لخطر الانهيار بسبب موسم الفيضان السنوي. ذلك أن تعرض سد الموصل إلى كمية كبيرة من المياه في موسم الفيضان السنوي، والذي يكون عادة في الأشهر الخمسة الأولى من كل عام، بسبب هطول الأمطار وذوبان الثلوج، سيؤثر سلباً على السد وقد يتسبب بانهياره. وأوصت لجنة الزراعة البرلمانية أن تضع الحكومة خطة طوارئ (لإنقاذ) السد والمناطق التي تقع على مجرى نهر دجلة، بدءا بمحافظة نينوى مرورا بصلاح الدين وبغداد”. 

وتبلغ الطاقة التصميمية لخزان البحيرة في سد الموصل بين 8 و11 مليار متر مكعب من المياه، وهو يعتبر أكبر خزان في العراق، ويستخدم للزراعة وتربية الأسماك وتوليد الطاقة الكهربائية عبر محطة كهرومائية بالقرب منه، لكنه يعاني من مشاكل عديدة. وبدأت مشكلة سد الموصل بعد الانتهاء من إنشائه عام 1986 عندما بدأت عمليات تقوية الأسس عبر حشوها بالكونكريت عن طريق الحقن يومياً بسبب تآكل الأرضية التي أنشئ عليها والتي تعتبر غير صالحة لإنشاء السدود.

السد والأكراد

تجدر الإشارة الى أن سد الموصل، بقي تحت سيطرة الجانب الكردي للفترة من عام 2003 حتى عام 2009، ومع ادعاء الحكومة الكردية ان أعمال التحشية كانت مستمرة طيلة تلك الفترة، إلا ان الشكوك تحوم حول مصداقية إجرائها على حد أمثل او على أقل تقدير على مستوى الحد الأدنى، لاسيما إذا علمنا أن التحشية عملية معقدة ومكلفة، تتطلب كوادر وإمكانيات كبيرة، علاوة على الإمكانيات المادية، ولاريب ان الحكومة الكردية قاصرة على مثل هذه الالتزامات، وهذا ما تبين واضحا في إدارتها مؤسساتها في أنحاء إقليم كردستان العراق.

السد والأمريكان

ولاتخلو تحذيرات الجانب الإمريكي من احتمالات انهيار سد الموصل من أغراض وأهداف مبيتة، إذ أن تهويل مسؤولين أمريكان لموضوع السد بين الفينة والأخرى ينم عن غايات أبعد من كونه مجرد خطر بيئي، وبإجراء معادلة متعددة الجهات تدخل في أطرافها عصابات داعش الارهابية من جهة، وتركيا بنظامها المعادي لسياسة العراق الحالية من جهة ثانية، وأطماع أمريكا وسياستها في التقسيم من جهة ثالثة، تكون الرؤية أكثر وضوحا، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هناك متربصين لأي حدث يربك الأوضاع في بغداد، أولهم أيتام البعث المتخذون من مدينة الفلوجة المتاخمة حدودها لبغداد نقطة مثابة للانقضاض على مراكز الحكم وقلب العملية السياسية الى حيث مربعها ماقبل الأول، وهذا طبعا حلمهم منذ انقشاع نظام البعث ورأسه وأزلامه عام 2003. ولعل هذا هو أحد أسرار مساندة الجانب السعودي لمعارضي النظام السياسي القائم الآن في العراق، فمنذ عام 2005 وهي تمد شخوصا وجهات معادية لعمليات الانتخابات الثلاثة التي تمت في العراق، وقد كان أقرب حاضن نشط قد تمثل بالأنبار عموما والفلوجة على وجه الخصوص. 

ومن هذا كله فإن سد الموصل لم يعد مانعا للسيول والكوارث، بل أن انهياره سيشكل كارثة أكثر من بيئية وأوسع من إنسانية، على الجانب الحكومي إيلاؤه اهتماما بالغا وجديا، ومعالجة نقاط الضعف فيه، واتخاذ الاحتياطات اللازمة التي تدرأ خطر انهياره. وعلى الجهات المعنية ولاسيما الموارد المائية ان تدع التطمينات جانبا، وتكف عن التهدئة التي تبدو أحيانا كخدعة إعلامية تخفي مكاسب سياسية، وتنحو نحو العمل الجاد والمثابر على وجه السرعة والدقة، وأخذ التهديدات على محمل الجد، لإنقاذ البلاد والعباد من كوارث نحن جميعا في غنى عنها، وكما يقول مثلنا الدارج: (البينا مكفينا).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان