فاروق يوسف
الرجل الخفي في المكان المسحور
أشك أن شيئا من صالح القره غولي لا يزال موجودا في العراق. أعتقد أن الفنان الذي لم يكن غزير الإنتاج بالرغم من تنوع أساليبه ولم يكن كثير الاهتمام بالدعاية لشخصه أو فنه بالرغم من أنه كان مختلفا مع الجميع كان قد غادر الحياة بعد أن اطمأن إلى مصير أعماله.
لقد اختفت أعماله النحتية كلها. غير أن ذلك لم يمنع أحدا من المهتمين بتحولات الفن العراقي الحديث من التأكيد على أن القره غولي كان سيد نحاتي عصره، وهو ما دفع بفنان له خبرة في النحت كما في الرسم مثل علاء بشير إلى القول “إن القره غولي هو النحات العراقي الوحيد في القرن العشرين”. وهو ما قاله بشير لي شخصيا.
كان القره غولي شخصا يجيد فن الاختفاء. فهو لم يعلن عن نفسه يوما بطريقة استعراضية، بالرغم من أن ذلك السلوك لم يكن يمتّ بصلة إلى التواضع الذي هو واحدة من أكثر صفاته حضورا وصفاء.
كما أرى فإنه كان يمارس الفن مدفوعا بقناعة الفنان العراقي القديم. مهنة ذات علاقة بالسحر الذي تمارسه أشكال، هي ليست من صلب الحياة المباشرة. فهل تمكنت منه عادات الخادم في معبد سومري؟
سيشعر رسام صورته الشخصية بالارتباك والحيرة. فالرجل المولع بالماورائيات لم يكن يهمّه أن يكون مرئيا. كانت تماثيله بمثابة مصغرات تمثل صوره الشخصية وهي تتنقل بين مختلف تجليات انفعاله وهو يتلقى التعليمات الجمالية من جهة خفية.
ربما لم يكن القره غولي يفكر في أن تماثيله ستسبقه إلى الزوال، غير أنه بالتأكيد لم يكن يفكر في ما يمكن أن تهبه تلك التماثيل من فرص للخلود. شيء منه سيظل خالدا في أذهان عدد من الفنانين الذين تعلموا النحت على يديه. الحرية هي ذلك الشيء. لقد أقام في الخرافة التي تحيط بها تماثيله ومضى بحياته إلى فجرها.
المسافر في أثر سلفه جلجامش
ولد صالح القره غولي عام 1933. درس النحت على يدي رائد الحداثة الفنية في العراق جواد سليم في معهد الفنون الجميلة. بعدها غادر إلى باريس لينتسب إلى المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة (بوزار). لمن عرفه فإن حياته كلها كانت تقع بين سنتي 1954 و1960. هناك تعرّف على نفسه من جديد. زواجه من فرنسية دفع به إلى النظر بعمق إلى ذاته ولم يفصله عن حقيقة أنه ينتمي إلى ثقافة أخرى. وهو ما سينعكس إيجابا على فكرته عن الفن، النحت بالتحديد. كان النحت مناسبة لكي يقوي ارتباطه بالأساطير التي ابتدعها بناة حضارة وادي الرافدين.
حريته في استعمال المواد ونفوره من المواد التقليدية التي يستعملها النحات الأوروبي المعاصر كانا مستلهمين من تقنية الأسطورة التي تتجاوز الاحتمال الواقعي. عام 1960 ومع عودته إلى بغداد بدأ في تدريس النحت في معهد الفنون الجميلة ثم انتقل إلى أكاديمية الفنون الجميلة وهو ما جعله قادرا على نشر مفاهيم جديدة عن النحت لم تكن كثيرة الوضوح بالنسبة إلى متلقيها في إطار الثقافة الفنية التقليدية. كان القره غولي أشبه بمبشّر بزمن لم يقع بعد.
بعد أربعين سنة سيتعرّف العراقيون على فنون ما بعد الحداثة ليكتشفوا أن الرجل الذي لم يفهموا أفكاره كان رائدا في ذلك المجال. عام 2003 توفي صالح القره غلي بعد أشهر من وقوع العراق تحت الاحتلال العراقي. وكما أرى فإن وطنيته الفائضة التي كان البعض ينظر إليها باعتبارها مرضا قد تكون سببا مضافا إلى موته. فالفنان الذي تمرّس طويلا على اللعب داخل فكرة الموت ومصارعتها لم يكن من اليسير عليه رؤية وطنه وهو يموت. كان الخلود لعبته مستلهما سلفه جلجامش.
لا استثناء في العراق
مقارنة بالرسامين فإن عدد النحاتين العراقيين في العصر الحديث كان قليلا. وفي ذلك لم يكن العراق استثناء، فتلك ظاهرة عالمية. كان هناك الفنان الرائد جواد سليم ومن حوله تلاميذه الذين وقف في مقدمتهم خالد الرحال وإسماعيل فتاح الترك ومحمد غني ومن ثم عيدان الشيخلي ونداء كاظم وطالب مكي وآخرون شكلوا نواة الجيل الستيني من النحاتين الذين سعوا إلى النهوض بفن النحت أسوة بما جرى لفن الرسم.
الصفة التي تميز بها صالح القره غولي عن سواه من النحاتين أنه لم يكن يشبه أحدا ولم يكن هناك من يشبهه. لا في أشكاله ولا في موضوعاته ولا في المواد التي كان يستعملها. وقد لا أبالغ حين أقول بثقة إنه كان نحاتا فريدا من نوعه على المستوى العالمي أيضا. وهو ما جعله يقيم دائما في منطقة يسودها سوء الفهم.
لم يكن مفهومه النحتي يقوم على أساس الحذف والإضافة كما هو الحال لدى سواه من النحاتين. لقد انتمى عمله النحتي إلى مفهوم التركيب وهو ما يعني القيام بعمليات تقع خارج الدرس التقليدي. كان تركيب الأشكال لديه يقوم على مبدأ استعارة المواد الجاهزة واللعب بخيالها وشحنها مجددا بخيال، هو ليس من صلبها. لذلك لم تكن أشكاله مستلهمة من الواقع.
لقد أطاح هذا الفنان بثنائية الكتلة والفراغ ليحقق علاقات جمالية أخرى ذات دلالة رمزية تعمق الشعور بالمخفيّ من الشكل المجسد. ترى العمل النحتي لتسافر من خلاله إلى أماكن، هي ليست منه. يمكنني أن أشبه تجربة النظر إلى منحوتاته بالمرور في نفق مظلم طويل ذهابا إلى أزمنة لم يعشها أحد من قبل. ولشدة ما تحمله من فزع فإن رؤية تلك الأعمال لم تكن تسرّ بقدر ما كانت تحرّض الشغف المعرفي لدى مَن يشاهدها.
الحكواتي الذاهب بخفة إلى المستقبل
نحات حكايات لم تقع حوادثها، صالح القره غولي هذا. في فنه كما في حياته كان حكائيا من طراز فريد. يروي لك الحكاية نفسها عدة مرات، لكنه في كل مرة جديدة لا يكرر ما قاله من قبل، فتظن أنه بصدد تأليف حكاية جديدة. ولأنّ الحكاية هي مرجعيّته المتخيلة فقد كانت أعماله أشبه بفقرات متلاحقة من ملحمة قديمة، تمزج بين ما هو سحري وما هو متاح على مستوى الحواس بطريقة تخلّف أثرا نفسيا، يدفع المتلقي إلى التفكير بما رآه باعتباره إنجازا للأحد. كما هو حال ملحمة جلجامش أو حكايات ألف ليلة وليلة. يختبئ صالح القره غولي وراء حكاياته الإنسانية المفرطة برمزيّتها وهو يقدّمها بمواد مختلفة، ما يجمع بينها أنها كلها مستعارة من البيئة المحلية. تلك الاستعارة حملت معها طاقة حلمية ليست موجودة في الحجر أو الخشب أو البرونز أو حتى الطّين. المواد هي الأخرى تعيدنا إلى ماضي الخرافة التي رعاها أبناء وادي الرافدين عبر عصور تألّقهم الحضاري. وهي خرافة حزينة بغنائية تشق طريقها بخفة إلى نبوءاتها، هناك حيث يقيم المستقبل الذي كان يرنو إليه الفنان بعينيه. لم يكن القره غولي داعية تراث ولم يخطر في باله أن يخلق فنا وطنيا. كانت نزعته الإنسانية أكبر من كل ذلك وهو ما صنع منه نحاتا عالميا.








