ملف خاص

هل توجد نخبة سياسية في عراق ما بعد التغيير ؟

د. عبدالله راضي حسين

 

       ففي كل المجتمعات ــ ومنها تلك المجتمعات الضعيفة التطور والتي لم تبلغ فجر المدنيات، إلى أكثر المجتمعات تقدما وقوة ــ تنشأ طبقتان من الناس : ” طبقة حاكمة وطبقة محكومة ” ، والطبقة الحاكمة ــ بشكل عام ــ هي دائما اقل هاتين الطبقتين عددا ، وهي التي تقوم بكل الوظائف السياسية وتحتكر السلطة كما تتمتع بالفوائد التي تكون حصيلة لتلك السلطة .  والسبب في حكم الأقلية للأكثرية هو أن تلك الأقلية منظمة ، وذات أفراد متفوقين ومتعصبين ومرتبطين بجهات خارجية ، في نفس الوقت . ويمكن اختزال فكرة التعارض بين النخب وفكرة الديمقراطية بشكلين : (الأول ) ــ إن الإلحاح في نظريات النخبة قد يؤدي أحيانا ــ إذا أسيئ استعمالها ـ إلى عدم تكافؤ المعطيات والمواهب الفردية التي تتعارض مع فكرة أساسية لنسيج الفكر السياسي والتي تقول ضمنا بتساوي الأفراد . والشكل ( الثاني )ــ إن فكرة الأقلية الحاكمة تتناقض مع نظرية حكم الأكثرية ، الديمقراطية . لو اعتبرنا الديمقراطية ــ نظاما سياسيا ــ يمكننا القول إن الحكم هو ” بواسطة الشعب ” ، أي حكم الأكثرية الفعلية . إن أهمية الديمقراطية السياسية بالأساس تعني أن مراكز السلطة في المجتمع  مفتوحة مبدئيا للجميع ، وان هناك تنافسا في سبيل السلطة ، كما أن الذين يتولون السلطة في أي وقت مسؤولين عن انجاز مصالح الناخبين . ولا بد لنا هنا أن نشير إلى إبراز العلاقة بين الوجهة العقائدية والنظرية حول مفهوم النخبات مما يستوجب وضع مخطط نقدي لمفهوم ما أو نظرية ما من حيث نواحيها العقائدية ، وذلك ليس لمجرد إظهار علاقتها بمبدأ اشمل من مبادئ الإنسان والمجتمع أو لمعارضة مبدأ اجتماعي معين ؛ بل لإظهار الحدود العلمية للمفاهيم والنظريات ، ومن أجل اقتراح مفاهيم ونظريات جديدة أكثر كفاءة لوصف ما يجري فعلا في نطاق المجتمع . ولكي لا نطيل في بحث الموضوع ، نستطيع أن نشير إلى أربعة أنواع رئيسية للحكم في البلدان النامية لوجود شبه بشكل عام فيما بينها من حيث التركيب الاجتماعي والثقافة : 1ــ الدول الأفريقية ، 2ــ الدول العربية في الشرق الأوسط ، 3 ــ الدول الأسيوية ، 4 ــ دول أمريكا اللاتينية  . وما يهمنا هنا هو ( الفئة رقم 2) التي نشأ بعضها نتيجة لصراع استقلالي مع حكم استعماري مباشر. وبدأت مرحلة جديدة من المشاكل في هذه البلدان وهي تمزيق التلاحم الوطني بالاعتماد على الأصوات النشاز في عوائها القومي العنصري  والطائفي  مما يستوجب التشديد على أهمية النخب الواعية والقادة القادرين على تقديم أعمال فعالة ، والسيطرة على الأحداث وتسييرها وخصوصا بسبب عدم الخبرة في التنظيم السياسي والاجتماعي لجمهور المواطنين الذين أبقاهم الاستعمار والمحتلين والأنظمة العميلة في خضوع واستسلام دائميين . 

 والذي يهمنا بدقة ما يحصل في العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري على أيدي أسياده الذين وضعوا مخططا وسيناريو جديد للحكم في العراق ، ابتداء من القانون المشؤوم ” البريمري ” ــ قانون إدارة الدولة ــ ، تلك القنبلة الموقوتة والمطاطة  لتمزيق النسيج الوطني العراقي بواسطة أبواق مشبوهة كما أسلفنا ، والتخبط في رسم هيكلية الحكم بالاعتماد على دستور ( مهلهل ) أغلب فقراته ( تشير بأنها ستشرع بقانون لاحقا ، ولم يحصل ذلك لحد الآن  !! ) ، واستمر الاعتماد الأعمى على القانون المشبوه لـ (  بريمر ) . ونلاحظ أن عناصر غير نخبوية ( كما أسلفنا ) ولجت إلى عالم السياسة بالصدفة ( أولا ) ، والتشبث بمفاهيم عنصرية وطائفية وشخصية خارج المواصفات السياسية للنخبة التي تتحلى بالإخلاص والنزاهة خوفا على سمعتها السياسية والجماهيرية (ثانيا ) ، تلك العناصر التي تتخبط في رسم سياسة وطنية ، بل تنفيذ أجندات خارجية معادية للعملية السياسية ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى سرقة ونهب ما أمكن من أموال الشعب ــ وبالخصوص حرامية ذو الجنسيتين ــ الذين يعتبر وجودهم في سلطة صنع القرار مخالفة علنية لدستور صوت عليه الشعب المغلوب على أمره ، والذي ما كاد يخرج من حفرة حتى يقع بمستنقع أكثر قذارة . ونلاحظ اليوم صيحات عديدة للبحث عن خديعة جديدة تسمى يوتوبيا حكومة ( تكنوقراط ! ! ) من بين نفس المستنقع الكتلوي الآسن الذي راحت رائحته الفاسدة تزكم الأنوف  ، لدرجة أن البعض من الفاسدين السابقين يطمح من جديد لكي يتبوأ مناصب أعلى تحت مظلة ( التكنوــ سلب ــ قراط ) أو الحفاظ على مواقعهم السابقة .

ومن خلال الإطلاع على بعض التجارب العالمية للنخب السياسية الحاكمة ، أدركنا أن هنالك مواصفات ومميزات وأهداف لتلك النخب : ــ

    أ ـــ الأهداف :  الدفاع عن وحدة أوطانها والحيلولة دون تقسيمها أو تمزيقها . خدمة شعوبها بكل الوسائل  القانونية المتاحة خدميا واجتماعيا وماديا ، والحفاظ على المال العام من الهدر والسرقة .

   ب ـــ المواصفات : ( في المجال التنفيذي ) تراكم الخبرة المهنية في مجال الاختصاص الوزاري ، ( ومن الناحية التنفيذية التجارب الاجتماعية ، الاطلاع على التجارب الحضارية للشعوب .

   ج ـــ المميزات : النزاهة ،التحصيل العلمي ، المعايشة الحقيقية لواقع الشعب ومستقبله ، نكران الذات ، ولاء واحد للوطن وليس ولائين كما يفعل بعض الحاكمين المتحكمين بمصائر الشعوب . إضافة إلى عدم بيع ذممهم للمخابرات العالمية ومخابرات الدول العميلة المعادية لأوطانها وشعوبها ، والنظرة المتساوية لكافة أطياف الشعب الواحد .

التحليل وواقع الحال : ــ    

      بعد ذلك نتساءل أين الواقع النخبوي لعراق ما بعد التغيير ، عراق ” قانون إدارة الدولة البريمري ” الصهيوــ أمريكي الطائفي العنصري ؟ ذلك النظام الذي حدد أطر هيكلية لحكم طائفي وعنصري كأساس لتقسيم العراق إقليميا ( سني ، شيعي ، كردي ) ! كما نتسائل أيضا وباستغراب أين دور ( النخب السياسية الوطنية  إن وجدت!! ) من أجل إلغاء هذا القانون المقيت الذي اعتبرته الاغلبية ( مقدسا ) لا يمكن المساس به ، إرضاء لأسيادهم . وهل توجد نخبة سياسية بمعنى الكلمة !؟ أم جوقة مسلفنة من ذوي الولائين وعملاء لأجندات خارجية عربية وعالمية أرسلوا إلى البلاد  . وإلا ماذا يعني تطبيق قانون ( بريمري أمريكي ! )  كهذا على بلاد تتكون من أربع طوائف رئيسية عرقية وطائفية  ؟؟ في حين توجد في أمريكا قرابة ( 40 ) ، ويقال ( 400 ) طائفة وقومية لا يطبق فيها قانون كهذا ، وهذا ما نراه أيضا في دول كالهند والصين وبلدان أوروبية أخرى . ومما يؤسف له ، ومنذ عام ( 2003 ) ولحد الآن ( 2016 ) ، إن أغلب المسؤولين في مجال صنع القرار ( برلمان ، حكومة ) كانوا ( نخبة ! ) ولكنها ( نخبة حرامية !! ) ، بحيث أن مئات المليارات الدولارية من واردات النفط تم سرقتها وتحويلها الى الخارج ، والمضحك ــ المبكي أن هؤلاء الحرامية من برلمانيين  ووزراء لا يزالون تنعمون برواتب تقاعدية عن خدمة تافهة لا تتجاوز أربع سنوات ، وكمكافأة لأرصدتهم المتخمة في الخارج . ومما يؤسف له لم نسمع صوتا وطنيا شريفا يطالب بالغاء الرواتب التقاعدية والامتيازات والمحاسبة للآلاف من هذه ( النخبة ) الضالة ، الذي هو أساسا من واجب البرلمان والحكومة الذين هم أصلا من نفس الفصيلة . ولم نقرأ أو نسمع في كافة دول وحكومات العالم عن ( نخب ) سياسية من هذه الفصيلة ، وحتى في ( جمهورية حسنة ملص وعباس بيزا الاتحادية ــ الفدرالية !! ) . 

   ولا نستطيع هنا ــ في مقال صحفي ــ أن نتناول بالتفصيل مساوئ ومخازي الكتل والتجمعات السياسية ، وخصوصا التي رفعت الشعارات الدينية والطائفية والعنصرية ، وعلى مدى ثلاثة عشر عام .

 إلا أنه نستطيع القول بأن ما يجري من فساد وتدخل في الشؤون الداخلية من قبل المحتل ( المحرر) ودول الجوار ، لا يمكن أن يجري إلا في دول الحكومات والبرلمانات الضعيفة أو المرتبطة بأجندات خارجية . وكلنا أمل بـ ( صحوة البرلمانيين المعتصمين الذين عاهدوا الشعب ) ، والذين تم ( تهديد وإغراء بعضهم ، ومنهم من ينتظر) لا سيما عندما تكون ( الكلاب البوليسية ) أعضاء في البرلمان ، ويسمح لها بدخول القاعة ويحرم المعتصمين من الدخول .  وتوقعنا أن هذه  (النخبة ) ستعاني من قبل تدخل المحتل والكتل العميلة له سواء فوق الطاولة أو من تحت الطاولة ، وخصوصا ذو صفقات التهريب النفطي عن طريق ……( والمعنى في قلب الشاعر)  . وما خديعة ( التكنو ــ سرقة ــ قراط ) إلا تغيير ( الجلال …. ) . وأخيرا ، سيبقى الحال على ما هو عليه إذا لم تحصل انتفاضة شعبية على الطريقة المصرية في قلب الموازين ، واحتجاز رؤوس الخيانة والحيلولة دون هروبهم إلى مراتع جنسياتهم ، وتقديمهم للمحاكمة الشعبية على طريقة الثورة الفرنسية ، وطس بجنسياتهم غير العراقية . 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان