فنون

معجزة كوريا الجنوبية باختصار تتلخص في الاستثمار الدائم في الانسان

د. رشا عبدالله

 

منتدى الصحفيين للسلام العالمي

 

برغم من أن هذه الزيارة ليست الزيارة الأولى لي فقد كان لي من وافر الحظ حيث تلقيت دعوات مسبقة من جمعية الصحفيين الآسيويين التي افتخر بعضويتي لها ثلاث مرات سابقة في 2008،2010،2011 وفي كل مرة أعود بشغف وشوق بالغ وكأنها المرة الأولى، فسحر كوريا الجنوبية لا يقاوم من حيث جمال الطبيعة وبراعة التخطيط والتصميم لمدنها المختلفة، فضلا عن التزاوج الحميد بين أحدث ما وصل إليه العلم مع تراث حضاري عريق ممتدا عميقا في التاريخ، أما شعبها الطيب فيحتل أكرم ركن في قلبي، ذلك أنه شعب خدوم، مضياف، يتمتع بالجدية والدأب والمثابرة.

على هامش المنتدى، حظينا بالمشاركة في برنامج زيارات متميز لبعض المدن والأماكن السياحية بكوريا الجنوبية، تم إعداده وتنظيمه من قبل جمعية الصحفيين الكوريين بالتعاون مع منظمة السياحة الكورية.

اشتمل هذا البرنامج المكثف زيارة العديد من المدن والأماكن التراثية والتاريخية بداية من إقليم جوانجي Gyeonggi مرورا بشركة سامسوج الكورية، ثم الانتقال إلى مدينة اندونج Andong وزيارة قرية هاهوفولكHahoe Folk Village ومشاهدة العرض التراثي الرائع والمميز “رقصة القناع الكورية Korean mask dance performance”، ثم السفر إلى دياجوDaegu وزيارة مركز المعارض هناك، ثم السفر إلى أقصى الجنوب حيث المدينة الساحلية الرائعة بوسانBusan وزيارة المقابر التذكارية للأمم المتحددة والتي تضم مقابر للجنود الذي ماتوا في كوريا من دول مختلفة. وفي كل مدينة يتم الاحتفاء بنا في غذاء أو عشاء مميز في لقاء خاص مع عمدة المدينة.

كوريا الجنوبية أرض الصباح الهادئ:

 

تأسست أول مملكة كورية ذات صيت باسم كوتشوسون (وتعني في اللغة الكورية أرض الصباح الهادئ) في عام 2333 ق. م. وكانت عاصمتها بيونج يانج. ويعود تاريخ كوريا إلى أكثر من الفي سنة حينما تأسست عدة ممالك كورية كان أولها مملكة «شيلا» التي استطاعت توحيد شبه الجزيرة الكورية في عام 668، وشهدت قمة ازدهارها وقوتها في اواسط القرن الثامن.

ويعود تاريخ سيول إلى أكثر من 600 عام، وتتمتع هذه المدينة بشهرة واسعة، حيث تعتبر المركز التعليمي والثقافي والسياسي والاقتصادي للدولة، وتمزج بين التقليدية والحداثة إذ تحتضن الكثير من القصور التاريخية القديمة جنباً إلى جنب مع الأبراج الشاهقة.

 

الكاتبة في استعراض الأقنعة الكورية

وتتكون كوريا الجنوبية من 6 أقاليم أساسية، وتضم 77 مدينة و88 مقاطعة، وتعتبر من أكبر المناطق الجبلية في العالم حيث تغطي الجبال الخضراء أكثر من 70% من مساحة أراضيها، وهي من أكثر المناطق الآسيوية إشراقاً بسبب مقوماتها الطبيعية التي قلما تجدها في مكان واحد، حيث الجزر الطبيعية والبحيرات والأنهار التي تحيط بها من كل جانب، مما يجعلها توفر للزوار عالماً فريداً من الخيال والاستمتاع والمرح.

 

ألوان جميلة: التفاؤل والإقبال على الحياة

الاحترام والأدب الشديد من أهم صفات الشعب الكورى، حتى إنه لا يمكن لأى فرد يذكر اسم شخص أكبر منه سناً بشكل مجرد، بل يجب أن تضاف إليه كلمة “يونج” فى نهاية الاسم وتعنى الأخ الأكبر، أو “نونا” وتعنى الأخت الكبرى. هو شعب مبتسم محب ومقبل على الحياة، يهتم بالجمال وكيفية تحويل كل ما حوله إلى أشكال وألوان بديعة تنبض بالرقة والعذوبة وتعلن عن رغبة فى الاستمتاع بكل شيء. ولا يقتصر ذلك فى القدرة المدهشة على تصفيف النباتات وتنسيق الزهور فى أشكال مبهرة تسحر الألباب فحسب، بل يتجلى بوضوح فى اختيارهم لألوان ملابسهم والرسومات والألوان الجميلة للواجهات الخارجية للمحلات والبيوت.

 

الرشاقة والشعر الأسود الكثيف هي الصفة المشتركة بين الرجال والنساء الكوريين، فمن النادر أن تجد رجلاً أو امرأة كورية بدينة أو يكسو شعرهما أى شعيرات بيضاء، فضلاً عن النشاط الدائم، حيث يبدأ يوم العمل من الساعة الثامنة والنصف وحتى الساعة السادسة والنصف بعد الظهر، أي يستمر العمل لأكثر من 9 ساعات يومياً، ومع ذلك تجدهم يتحركون بهمة ونشاط. وربما يعود ذلك إلى نوعية الطعام الذى يتناولونه، والذى يعتمد غالبيته على أنواع متباينة من النباتات وأنواع مختلفة وغريبة من الأسماك والأرز وجودها أساسي فى كل وجبة، مع ملاحظة أنهم نادراً ما يستخدمون الزيت أو السمن.

 

كوريا صعبة المراس:

رغم تأثر الثقافة الكورية بثقافات البلاد الأوروبية أو الولايات المتحدة الأميركية إلا أن أثر هذا التأثر بالنسبة للغة ليس واضحا، حيث إن علاقة غالبية الشعب الكورى باللغة الانجليزية ضعيفة أو منعدمة، إلا فئة ليست كبيرة من الشباب من يتحدثون الإنجليزية، مما يعني وجود صعوبة شديدة جداً فى التفاهم مع الآخرين أو الاستفسار عن مكان تود الذهاب إليه، ولأن خطأ واحداً يعنى الذهاب إلى المجهول، فلا بد من معرفة المناطق وأسماء الشوارع وأرقامها جيداً حتى لا تضيع وسط شوارع كوريا الجنوبية الفاتنة!

 

•استعراض رقصة القناع الكورية

مستر لي جانج وان Lee Jeongwon والذي يعمل مديرا بوزارة العمل (اللجنة الوطنية للعلاقات العمالية)، والذي صاحبنا طوال الرحلة وكان لي الحظ في أن يكون رفيقا لنا في الجولة، وقد استضفنا في أحد قصور أجداده حيث حكي لنا عن جده الأكبر الذي كان له دور مميز في التاريخ الكوري حتى ان العملة الكورية سميت باسمه (Won وان)، وصورته تزين العملة، ثم اصطحبنا إلى قرية هاهوفولك لنستمتع مع فريق رقصة القناع الكورية الذي أدهشنا بعروضه الساحرة.

 

مقابر الأمم المتحدة في كوريا الجنوبية

•بوسان وعشق لم يكتمل:

تقع مدينة وميناء بوسان في جنوب جمهورية كوريا، وتعتبر ثاني أكبر مدن كوريا الجنوبية بعد سيئول، ويبلغ عدد سكانها نحو 3.7 مليون نسمة، كانت بوسان العاصمة المؤقتة لكوريا الجنوبية في أثناء الحرب الكورية. استضافت هذه المدينة الساحرة العديد من الأحداث الرياضية مثل بطولة كأس العالم لكرة القدم 2002 ودورة الألعاب الآسيوية 2002، فضلا عن انها تضم منطقة المقابر التذكارية للأمم المتحدة، والتي تعد تقديرا لكل جندي مات على أرض كوريا الجنوبية دفاعا عنها في الحرب.

 

بوسان هي مدينة ساحلية مطلة على البحر، وهي مدينة تجارية بالدرجة الأولى، ورغم أن السياحة بها ليست على نفس القدر مثل سيئول، إلا أنها مدينة فاتنة وساحرة تخطف القلب وتشعرك بحالة من الحنين، وللأسف لم يحالفني الحظ في المكوث بها الا اقل من يوم واحد.

 

*على الحدود بين الكوريتين

في نهاية البرنامج كانت الزيارة للمنطقة المنزوعة السلاح الواقعة على الحدود والتي تفصل بين الكوريتين الشمالية والجنوبية Korean Demilitarized Zone (DMZ)، وقد دخل هذا الجزء تحت سيطرة الأخيرة وتحديدا ضمن أقليم تشين وون، وهي منطقة عسكرية لا يسكنها أحد، وتمتاز بالمساحات العظيمة من الغابات الجبيلة، وهناك شاهدنا عرضا تسجيليا حول تاريخ الحرب الكورية من الحرب العالمية الثانية عام 1945 والتي انتهت بهزيمة اليابان، ولكن أيضا بتقسيم كوريا إلى شمالية يسيطر عليها الاتحاد السوفيتي، والجنوبية تحت سيطرة الولايات المتحدة، وفي عام 1947 أعلنت الأمم المتحدة التقسيم الرسمي للكوريتين شمالية وجنوبية، ولم تتوقف متاعب شبه الجزيرة الكورية عند هذا الحد بل تأسس نظام شيوعي في كوريا الشمالية قام بشن هجوم شامل على كوريا الجنوبية في 1950 فيما يعرف بالحرب الكورية التي استمرت قرابة الثلاث سنوات حصدت أكثر من ثلاثة ملايين قتيل وجريح وملايين المشردين، والاقسى من كل ذلك تقسيم العائلات الكورية ما بين الجزء الشمالي والجنوبي بعد انتهاء الحرب.

ونتج عن هذه الحرب أيضاً دمار شبه كامل في شبه الجزيرة الكورية. وتم توقيع اتفاق هدنة بين الكوريتين بمشاركة دولية في يوليو/تموز 1953 يتضمن مشاركة قوات دولية على الحدود التي تفصل بين الطرفين للحفاظ على الاستقرار، وضمان عدم قيام حرب بين الدولتين.

 

ورغم ما عنيناه من إرهاق شديد بسبب كثافة البرنامج، والسفر لمسافات طويلة وإصرار اللجنة المنظمة لإنجاز وإتمام هذا البرنامج كما هو مخطط له، حيث كان التنظيم بالدقيقة والثانية، أقول رغم كل هذا التعب، غير أنني سعدت كثيرا بالتعرف عن قرب على هذا البلد الفاتن، والذي يؤكد ان الإنسان هو مستودع التقدم، وهو الثروة الطائلة شريطة ان يتم تفجير طاقاته كلها.

 

موسيقية كورية

لقد تفكرت حقا في حالة كوريا الجنوبية، إذ كانت في بداية الستينيات من القرن الماضي من أفقر دول العالم فهي محرومة من توافر الموارد الطبيعية، بينما صارت الآن من الدول الاقتصادية الكبرى، وأصبحت منتجاتها تنافس في جودتها المنتجات العالمية الاخرى إن لم تتفوق عليها في بعض المجالات وخاصة في مجالات التقنية الدقيقة لندرك حقا لماذا يطلقون عليها “المعجزة الكورية”.

باختصار… معجزة كوريا الجنوبية تتلخص في الاستثمار الدائم في الانسان. وياله من استثمار

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان