اراء وأفكار

الغناء يورث الفقر..!

رحيم الحلي

 

نزلَ من سيارته ليلقي التحية عصر يوم صيفي قائظ عام 2012 في مدينتي الحلة ، كنت متعباً بعد ان خرجت من استوديو اذاعة اتحاد الشعب حيث أنهيت تسجيل حلقة من برنامجي الغنائي الاسبوعي ، كنت اقضي ساعات النهار الطويل بين المقاهي والحارات ، اذرع شوارع مدينتي التي لم يبق لي فيها بيت او اهل او اصدقاء اوفياء ، نفر مني الكثيرون لصراحتي الجارحة، الناس في وطني منشغلون بتدبير لقمة عيشهم ولايتقبلون احدأ يتفلسف عليهم، سألني صديقي اين كنت في هذه الساعة اللاهبة؟ قلت له كنت اسجل حلقة من برنامجي الغنائي مطربون في الذاكرة ، (الرجل من الذين دبروا امورهم مع سلطات صدام وكان من المحظيين بمكرماتها ونعمها ، لكن الرجل الشاطر لاينسى ان يبدل ثيابه فلكل مناسبة ثياب ولكل سلطة لباس)، قال لي ان الغناء يورث الفقر كما قال فلان بن فلان عليه السلام، فأرحم حالك وحال اسرتك التي تنتظرك ياصديقي !!  لم ارغب بمناقشته ، فهو جاهل رغم الشهادة العالية التي يحملها التي اصبحت بلاقيمة حقيقية منذ عهد البعث والتي فقدت بقية هيبتها بعد 2003 ، سرحت في خيالي بعيداً فتذكرت كبار نجوم الغناء وحفلاتهم التي تعود عليهم بملايين الدولارات في احد المسارح او الملاعب ، بالطبع تذكرت ام كلثوم وعبد الحليم حافظ ، وتذكرت المطربة صباح التي ذكَّرني احد اصدقائي اللبنانيين بمناقبها في مساعدة العوائل المحتاجة.. تذكرت الفنان كاظم الساهر ومواقفه الانسانية الكبيرة مع زملائه المطربين والملحنين، والذي تحدث عنه الفنان حسين نعمة وامل خضير واخرون، اي فقر اورثهُ الغناء؟ سعدي الحلي أشهر مطربي مدينتنا وهو أحد اقربائي عاش فقيراً منذ طفولته ويتمه المبكر وقد امتهن الغناء منذ ايام صباه حيث كان يخرج في حفلات الختان والاعراس في الحلة ومن تلك الحفلات اشترى سيارة يذهب بها الى الحفلات ثم اشترى مقهى في بغداد وفي حفلة واحدة لأحد المسؤولين الكبار وهو عدنان خير الله حصل على مبلغ يعادل مئتين وخمسين الف دولار عام 1978 .. اما كاظم الساهر فحين جاء الى سوريا اوائل التسعينيات حصل على مبلغ ثلاثمئة الف دولار لليلة الواحدة وكانت الحفلة في نادي صحارى السياحي.. قد يقول قائل ان المغنين يغنون في الملاهي الليلية! وهي التهمة الجاهزة لكل من يستخدم سلاح التكفير والتحريم، اقول ان المطربين الذين غنوا في الملاهي هم المطربون الصغار اما المطربون الكبار فلن يقبلوا ان يغنوا في اماكن لاتصغي جيداَ، اتذكر استاذي الملحن كمال السيد حين كان لاجئاً في دمشق يعيش ظرفاً معاشياً صعباً وقد استأجر محلاً لبيع اشرطة الكاسيت في مساكن دمشق اوائل الثمانينيات اسماه تسجيلات الشموع وكنت اعمل معه في فرقته الغنائية وكنت اعلم بضيق حاله وقتها كنت اعمل عاملاً في عربة لبيع المرطبات في شارع النصر في دمشق تعرفت على المطرب سهيل جابر من اهالي الحسكة الذي حكيت له عن حال فناننا الملحن كمال السيد الذي يعاني عوزا ماليا شديدا بينما عاش السياسيون في ترف، اخبرني بانه سيتدبر له عملاً سهلاً في كازينو الباشا الصيفي وباجر 100 دولار مقابل عزف ساعة واحدة على العود، لكن الفنان كمال السيد رفض العرض قائلاً لن اكون سلطة للسكارى، واتذكر ماقاله الفنان الملحن د. مفيد الناصح ملحن اغنية شوق الغريب لفنان الشعب فؤاد سالم واغنية يلجمالك سومري للدكتور فاضل عواد وغيرها حين وصل الى حفل في مدينة بوروس السويدية اوقف الغناء حين وجد اطفالاً يجلسون في الحفل، وفي حفلة اخرى في احدى عواصم الدول الشرقية اوقف الغناء حين وجد ان كثير من الجالسين ثملين..

 الغناء يورث الغنى والرقي والحياة ياصاحبي.. ليتك كنت من المغنين لكنت رقيق الاحساس، يلين قلبك لرؤية الاطفال المشردين في ساحات وطني والارامل اللواتي يجهدن لتدبير لقمة العيش والدواء لاطفالهن.. تعيش انت في ترف وتقبل ان يجوع ملايين العاطلين طالما امنت دخلك الشهري الكبير ثم تتهم الغناء بفقر روحك واحساسك..

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان