فنون

أخطار تهدد تراث العراق وسياحته

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعتبر آثار العراق التاريخية ذات أهمية عظيمة للاستدلال على تراث بلاد الرافدين وحضاراته التي شهدها منذ سبعة آلاف عام، وعلى هويته الثقافية التي تشكلت مع تراكمات تلك الحضارات، وأيضا تعتبر بوابة رئيسية للتعرف على حضارات العالم القديم وما خلفته من نصوص وأنظمة وابداعات واساليب عيش في السلم والحرب وفي الحياة والموت.

ولقد كانت تلك الآثار، ممثلة في أثمن مقتنيات المتاحف العراقية، أهدافا لتداعيات وسلوكيات الحرب التي شنت على العراق في التاسع من ابريل 2003، سواء بشكل مقصود ومنظم او على نحو عشوائي قام به الغوغاء تعبيرا عن حالة عايشوها وافرزت تلك السلوكيات بعد زوالها.

لقد حلت كارثة رهيبة بالتراث والآثار والهوية التاريخية القديمة للعراق فقد استبيحت المتاحف والمكتبات ودور المخطوطات تحت سمع وبصر قوات التحالف التي شنت الحرب على العراق، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد تواردت شهادات ممن عايشوا ورأوا وتابعوا فصول هذه الكارثة الحضارية التاريخية أدانوا فيها قوات الاحتلال بالمشاركة المباشرة، فضلا عن غير المباشرة، في نهب كنوز العراق الأثرية والثقافية وغضوا الطرف عن تدميرها واحراقها.

ان الحديث عن كارثة الآثار العراقية المنهوبة والمدمرة يأتي في سياق الحديث عن قطاع السياحة العراقية والذي «كان » يعتبر قطاع الانتاج الأهم بعد النفط العراقي على صعيد الدخل الذي يتحقق للاقتصاد الوطني. وعليه فمن البديهي القول ان قطاع السياحة العراقي أصيب في مقتل بعمليات النهب والتدمير والاحراق التي طالت اهم عناصر الجذب في القطاع السياحي العراقي.

ومن المسلم به أن مفكري وفلاسفة ومخططي شن الحروب يضعون في رأس قائمة أهدافهم المصالح الاقتصادية التي سيؤمنونها من خلال الحرب غير ان الصبغة التي تتلون بها صراعات مطلع القرن الحادي والعشرين تشير الى دخول عناصر الجذور التاريخية والحضارية والعرقية والدينية كمحركات اضافية بل ربما احيانا اساسية ولكن مختفية وراء الخطاب الانساني او الاقتصادي او الأمني.

وليس من المستهجن والحالة هذه الذهاب إلى الشك في ان هنالك مصلحة لاصحاب هذه المحركات في محاولة تدمير او محو أو طمس اجزاء من تراث العراق واجزاء من هويته الثقافية واجزاء من تراثه او استخدام المنهوب منها في تحريف وتزوير اصول الحقائق التاريخية القديمة التي لا تلبي مصالح تلك الجهات المعاصرة او مشاريعهم القادمة.

لقد جرت في العراق حملة بحث محمومة عن مخطوطة يزعم بأنها «اقدم نسخة من التلمود في العالم» ويفترض انها كانت موجودة في مقر الاستخبارات العراقية وقامت بالبحث مجموعة من الجنود الاميركيين من «فريق ميت – ألفا»، الذي كان يبحث عن «اسلحة الدمار الشامل»، برفقة اعضاء من «المؤتمر الوطني العراقي». ولم تعثر الفرقة إلا على كتب دينية يهودية، من بينها نسخة تلمود مطبوعة في فيلنا، ليتوانيا، تعود الى القرن التاسع عشر، إلا أن التقرير الذي كتبته جوديث ميللر من ال «نيويورك تايمز»، لافت في اكثر من جانب. ف«فريق ميت – ألفا» كان مترددا في بادئ الأمر في قبول طلب البحث عن النسخة التلمودية، تلبية لطلب اعضاء من «المؤتمر الوطني العراقي» لأن مهمته تنحصر في «إثبات وجود اسلحة غير تقليدية، وليس انقاذ الكنوز الحضارية والدينية». لذا فمن المؤكد ان هناك من يقف وراء هذا الاهتمام الزائد بنسخة من التلمود حتى يقوم بالبحث عنها «فريق ميت – ألفا». وفي مقال له في ال «وول ستريت جورنال» دعا هيرشل شانكس الى شراء القطع المنهوبة تعبيرا عن رفضه لموقف «المؤسسة الأميركية للآثار» التي تدين بيع جميع التحف الأثرية، وبحسب تعبيره فإنها تشوه بذلك سمعة هواة جمع التحف، وتنظر الى تجار التحف كوسطاء بين اللصوص والهواة، الذين يشملون، كما يقول، «متحف ميتروبوليتان للفنون» (نيويورك) و «متحف الفنون الجميلة» (بوسطن). وبالنظر الى أن قطعا ثمينة جدا قد نهبت من «المتحف العراقي» فإن شانكس يرى انها ستصل يوما ما الى السوق السوداء. ولئلا يكون مصير تلك القطع هواة جمع التحف، فإنه يدعو المؤسسات العامة الى المشاركة في عملية شرائها الآن ( قبل ان تصبح اسعارها باهظة جدا) حتى « تستعيد القطع مكانها في مؤسسات عامة، وربما يوما ما، في المتحف العراقي». واذا كان فيما يقوله شانكس تكريس لنهب الآثار والتحف والمتاجرة بها، فإنه لا يمانع بأن تنتهي القطع الى مكان عام، غير مكانها الأصلي.

ويمكن أن يؤخذ هذا الكلام على محمل الجد لو لم يكن كاتبه هيرشل شانكس، محرر «مجلة آثار الكتاب المقدس» الأميركية. فهذه المجلة هي الواجهة الرئيسية في العالم خارج اسرائيل، التي تستغل الآثار الفلسطينية في دعم المقولة الزائفة بالحق التاريخي لليهود بأرض فلسطين، وهي مجلة موجهة الى الجمهور العام، بمقالات مبسطة يكتبها آثاريون ومؤرخون من «اسرائيل» وخارجها. وإن كان يبدو ان لشانكس، في مقاله، موقفا سلبيا من هواة جمع التحف القديمة «الذين يخبئون هذه القطع لمتعتهم الخاصة» فهو لا يبدي هذا الموقف في مجلته مع هؤلاء بالذات، ومن بينهم الثري اليهودي، جامع التحف القديمة، شولوم موساييف، غير البعيد عن موضوع سرقة آثار العراق.

ففي عام 1998 رفعت الحكومة العراقية دعوى ضد موساييف، اليهودي البريطاني، في محاولة لاسترجاع منحوتة تبين انها سرقت من موقع نينوى الأثري. وتفاصيل القضية ان موساييف كان يحاول «تصدير» هذه القطعة الى «اسرائيل»، فتوجه الى «متحف بلاد الأرض المقدسة» في القدس للاستفسار حول ما اذا كان هذا المتحف «يرغب بعرض هذه المنحوتة»، وقدم طلبا الى السلطات البريطانية للحصول على تصريح بالتصدير، ولإتمام شكليات الصفقة ارسل المتحف الاسرائيلي صورة من هذه القطعة الى جون مالكولم راسيل، خبير الآثار الرافدية، وبخاصة آثار نينوى، للتأكد من ان القطعة لم تسرق. غير ان الأخير أكد أنه كان صور المنحوتة في موقعها، في نينوى، عام 1989 ، مما يعني ان القطعة مسروقة. وكان موساييف اقتنى القطعة من تاجر تحف في سويسرا «بنية حسنة» بحسب اقوال محاميه، الذي نفى ان يكون موكله يتاجر بالتحف الفنية. والقضية هنا تتعدى التجارة بالتحف القديمة وتشير الى التورط بإدخال آثار مسروقة الى «اسرائيل».

ولم تغب آثار العراق عن أذهان الدوائر التي خططت للحرب، وقبل وقوعها بأشهر نبهت مجموعات من الآثاريين ومديري المتاحف في الولايات المتحدة الادارة الاميركية الى ضرورة حماية الأماكن الحضارية والآثارية في العراق. غير أن الوقائع على الارض حسبما جاءت في روايات العديد من الشهود الاميركيين والعراقيين اظهرت استهتارا او اهمالا كبيرا في حماية الآثار العراقية منذ اليوم الأول لسقوط بغداد في ايدي القوات الاميركية وعلى مدى ستة ايام متواصلة تمت خلالها عمليات النهب والتدمير والاحراق. لقد جاء على لسان الاميركيين ما يوجد العذر لقواتهم تذرعا بوجود مقاتلين في المتحف العراقي مثلا حتى اليوم السادس حينما تمكنوا من القضاء عليهم ثم بسط حمايتهم للموقع ولكن جاء على لسان موظفي المتحف انفسهم ما يدحض الرواية الاميركية. وهنالك وقائع وتفاصيل كثيرة يمكن للمهتم الرجوع لكتاب الباحث الاكاديمي الدكتور خالد الناشف والذي وضعه تحت عنوان «تدمير التراث الحضاري العراقي – فصول الكارثة».

والمقصد هنا ليس ادانة او ابراء طرف ما بالتسبب في الكارثة التي لحقت بالآثار العراقية وان كان الاطار العام لهذا السبب لا يحتاج الى دليل ولا برهان فالحرب التي شنت على العراق عصفت بتراثه وتاريخه وآثاره والقضية الآن كيف يمكن انقاذ مايمكن انقاذه واسترجاع ما يمكن استرجاعه؟ لقد ترك المتحف العراقي ستة ايام كاملة أمام الناهبين والمدمرين وبوجود القوات الاميركية ومضى على سقوط بغداد اكثر من ثمانية أشهر ولم تتحرك اية جهة عربية حتى لمجرد السؤال عن حال العراق اللهم الا ما تقوم به وسائل الاعلام والصحافة العربية من محاولات لنقل صورة ما حدث وما يحدث هناك.

فيما عدا ذلك فقد كانت اول مبادرة عربية لتفقد حال المتحف العراقي تلك التي قام بها وفد الامانة العامة لجامعة الدول العربية في 20 ديسمبر 2003 والذي وضع من بين مهماته زيارة المتحف بالاضافة الى تفقد عدد من دور الصحة والتعليم، وكانت منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) اولى المنظمات التي طالبت بالحفاظ على التراث العراقي باعلانها عقد اجتماع لحوالي ثلاثين خبيرا عراقيا ودوليا في السابع عشر من ابريل 2003 لاجراء تقويم اولي لوضع هذا التراث وتحديد تدابير طارئة ينبغي اتخاذها لحمايته. ورغم ذلك فقد ظل دور اليونسكو سطحيا باستثناء مهمات تدريبية وتقديم الدعم الفني في مجالات الترميم والحفاظ على الصروح المعمارية من دون ايضاح حجم هذا العمل.

من جانب آخر يعاني العراق – في السنة الاولى من الاحتلال على الأقل- من نزيف آخر في موارده السياحية، ونعني بذلك السياحة الدينية. فقد كان عشرات الآلاف من السياح يزورون الاماكن الدينية التاريخية في النجف وكربلاء بشكل منظم وباشراف السلطات العراقية مما يعود بفائدة اقتصادية كبيرة على القطاع السياحي العراقي، الا انه ومنذ سيطرة قوات الاحتلال على المنافذ الحدودية للعراق أصبح آلاف الزوار يعبرون تلك المنافذ دونما رقيب. وقد حذر قحطان العزاوي رئيس اتحاد شركات السفر والسياحة في العراق من ان هذا الانفلات ادى الى ارباك الأمن السياحي وتهديد موارد السياحة الوافدة.

وكانت الحكومة السابقة قد سمحت بفتح بوابة السياحة الدينية في منتصف التسعينيات وسهلت قدوم الزوار من الدول الاسلامية الى المزارات العراقية،وانشأت لهذا الغرض دائرة خاصة باسم «شركة الهدى» لتتولى الاشراف على نقل الزوار واسكانهم واطعامهم. اما في الوضع الحالي فإن هؤلاء الزوار يدخلون بشكل غير مبرمج الامر الذي يحرم الشركات العراقية من فرص الاستفادة من حصتها من العملة الصعبة.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان